الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
النظام الإيراني أمام معادلة البقاء
نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وناشط في مجال حقوق الإنسان
(Nezam Mir Mohammadi)
2026 / 9 / 2
مواضيع وابحاث سياسية
لم يعد الصراع داخل النظام الإيراني مجرد اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الحرب أو حدود التفاوض مع واشنطن. فالتراشق الأخير بين حکومت مسعود بزشكيان والمؤسسة العسكرية، وما رافقه من تحذيرات محمد باقر قاليباف بشأن الفقر والجوع، يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالسؤال الأكثر حساسية بالنسبة لنظام ولاية الفقيه: كيف يمكن الحفاظ على السلطة في ظل تآكل القدرة الاقتصادية وتنامي الاحتقان الداخلي؟
ما يلفت الانتباه أن الخلاف لم يعد يدور حول ما ينبغي فعله، بل حول كيفية النجاة. بزشكيان يدفع باتجاه خطاب أكثر مرونة يقوم على التفاوض ورفع العقوبات؛ ليس تحولاً استراتيجياً، بل لأن الاقتصاد لم يعد يحتمل الاستنزاف، والحكومة بحاجة إلى متنفس مالي لتخفيف الضغوط الداخلية.
في المقابل، يرى الحرس الثوري في هذا المسار خطراً مساوياً؛ فالتفاوض قد يصبح بداية لتنازلات تمس نفوذه المكتسب. ولذلك فإن وصف خطاب "إنهاء الحرب" بالضعف يعكس خشية المؤسسة العسكرية من تحول التراجع التكتيكي إلى تراجع استراتيجي.
غير أن المفارقة تكمن في أن الإصرار على خطاب القوة قد يصبح شكلاً من أشكال الضعف. فالقوة لا تقاس بحجم الصواريخ فحسب، بل بقدرة الدولة على تمويل اقتصادها وتأمين احتياجات مجتمعها. ومن هنا تكتسب تصريحات قاليباف أهميتها؛ فعندما يقر أحد أركان السلطة بأن القوة العسكرية لن تنقذ البلاد إذا كان الشعب جائعاً، فهو يعترف بأن معادلة الأمن القديمة لم تعد كافية، وأن الاقتصاد بات جزءاً أصيلاً من الأمن القومي.
هذا الاعتراف يحمل دلالة خطيرة؛ فالنظام يواجه الخصم الخارجي بأدوات عسكرية، لكنه يعجز عندما يتحول التدهور المعيشي إلى مصدر دائم للغضب الشعبي. وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية، وتتحول الأزمة السياسية إلى أزمة شرعية.
لذلك، فإن الخلاف بين بزشكيان والحرس ليس صراعاً شخصياً، بل تناقض بين رؤيتين: رؤية تعتقد أن البقاء يتطلب مواصلة الردع، ورؤية تدرك أن استمرار الاستنزاف ينهك البيئة الداخلية التي يقوم عليها النظام. وهذا لا يعني أن بزشكيان يمتلك مشروعاً مستقلاً، فمراكز القوة محدودة الحركة، لكن خطابه يكشف حجم الحاجة لتخفيف الضغط. بالمقابل، تشديد الحرس لا يعني الثقة المطلقة، بل يعكس الخوف من كلفة التراجع.
وهنا يقع النظام في دائرة مغلقة: يحتاج التفاوض لمتنفس اقتصادی، لكنه يخشى تفسيره كضعف؛ ويحتاج المواجهة للحفاظ على الردع، لكنه يعرف أنها تزيد كلفة الانهيار الاجتماعي. ومن ثم يصبح رهان النظام معتمداً على "شراء الوقت". لكن الوقت لم يعد يعمل لمصلحته، لأن مروره في ظل اقتصاد متدهور يوسع الفجوة بين المجتمع والدولة.
وهنا يأتي العامل الأكثر حسماً: الشارع الإيراني. فالانقسام داخل السلطة لا يشكل خطراً مميتاً إلا عندما يتزامن مع مجتمع فقد قدرته على الاحتمال. وإذا اجتمعت الأزمة الاقتصادية مع الغضب الاجتماعي واندلاع الاحتجاجات، فإن الأزمة تنتقل فوراً من أزمة سياسات إلى أزمة نظام.
إن المعركة الحالية ليست بين "معتدلين" و"متشددين"، بل صراع أجنحة حول أفضل طريقة لإنقاذ منظومة الحكم. بزشكيان يريد مخرجاً تفاوضياً، والحرس يصر على الردع، وقاليباف ينبه إلى أن نسيان الوضع المعيشي يهدد الجميع.
إذا حصل النظام على تهدئة خارجية فقد يؤجل أزمته، اما إذا استمرت الضغوط بالتزامن مع الانهيار الاقتصادي، فإن الخلافات ستحول الصراع من وسيلة إدارة إلى صراع على المستقبل نفسه. وعندها لن يكون السؤال: هل يتفاوض النظام أم يواصل الحرب؟ بل السؤال الأعمق: هل ما زال النظام قادرًا على إنتاج شروط بقائه، أم أن الاقتصاد المنهك والاحتقان الشعبي يدفعان السلطة إلى لحظة تتجاوز قدرتها على الاحتواء؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. انتخابات ساكسونيا-أنهالت في المانيا ما حقيقة مزاعم التزوير ع
.. هل تتوقع إسرائيل تكرار سيناريو 7 أكتوبر في الضفة؟ | #غرفة_ال
.. كيف يمكن ا?ن تتوسع حرب ا?مريكا وا?يران؟
.. التصعيد بين واشنطن وطهران يضغط على الدين الأوروبي
.. العاشرة | كاتس يهدد بحرب شاملة ضد السلطة الفلسطينية.. وكوشنر