الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يصبح «انصر أخاك» سلاحًا ضد الآخر
مدحت قلادة
2026 / 9 / 2مواضيع وابحاث سياسية
هناك عبارات لا تكمن خطورتها في كلماتها، بل في الطريقة التي نستخدمها بها.
«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا».
المشكلة تبدأ حين تتحول من قيمة أخلاقية إلى قاعدة للانحياز:
انصر من ينتمي إليك… ضد من لا ينتمي إليك.
عندها لا يعود السؤال: من معه الحق؟
بل: من أخي؟ من جماعتي؟ من ديني؟ من مؤسستي؟ من صاحب النفوذ؟
فإذا أخطأ «أخوك» بدأ التبرير، وإذا كان الطرف الآخر هو المتضرر بدأ البحث عن عيوبه.
وهنا تتحول الأخوة إلى عصبية، والنصرة إلى حماية للظلم.
جومانا… اختبار للضمير
ذهبت جومانا إلى يوم تخرجها، اليوم الذي يفترض أن يكون من أجمل أيام عمرها، فإذا بها ــ وفق روايتها التي يجري التحقيق فيها ــ تعود منه مجروحة نفسيًا بعد واقعة تتعلق بملابسها وطريقة التعامل معها.
لا ينبغي أن نحكم قبل انتهاء التحقيق.
لكن هناك أمرًا لا يحتاج إلى تحقيق:
أن كرامة الإنسان ليست تفصيلًا.
ومن يقول إنه تعرض للإهانة يجب أن يُسمع، لا أن يكون أول رد فعل تجاهه هو البحث عن مبررات لمن يملك السلطة.
السؤال ليس فقط: ماذا حدث لجومانا؟
بل:
لماذا نسارع أحيانًا إلى حماية الأقوى قبل أن نبحث عن الحقيقة؟
لا أريد عدالة على مقاس الهوية
لا أريد العدالة لجومانا لأنها قبطية، ولا لغيرها لأنها مسلمة.
أريدها لأنها إنسانة.
فالظلم لا يتغير بتغير اسم الضحية، والكرامة لا تتجزأ بحسب الدين، والقانون الذي يتبدل بتبدل هوية الإنسان ليس قانونًا عادلًا.
وإذا ثبت أن هناك من عومل بطريقة مختلفة بسبب هويته، فالقضية لا تعود قضية فستان.
تصبح قضية وطن.
ماذا لو كانت جومانا ابنتك؟
هذا هو السؤال الذي يكشف كل الأقنعة.
ماذا لو كانت الفتاة التي وقفت أمام المسؤول ابنتك؟
هل كنت ستبحث عن طول فستانها؟
أم كنت ستسأل أولًا:
هل أُهينت؟ وهل عوملت بكرامة؟
والسؤال الأصعب:
إذا كانت ابنتك مسلمة، هل ستطالب بالحق؟
وإذا كانت قبطية، هل ستبحث عن مبررات؟
إذا كانت الإجابة مختلفة، فالمشكلة ليست في الفستان.
المشكلة فينا.
تخيل أنك لا تعرف من ستكون
تخيل أنك ستولد من جديد، لكنك لا تعرف مسبقًا هل ستكون مسلمًا أم قبطيًا، طالبًا أم عميدًا، قويًا أم ضعيفًا، صاحب سلطة أم إنسانًا لا يملك إلا صوته.
ثم طُلب منك أن تضع قاعدة واحدة للجميع.
هل ستختار:
«انصر أخاك لأنه أخوك»؟
أم:
الحق للجميع، والكرامة للجميع، والقانون للجميع؟
ستختار الثانية، لأنك لا تعرف مسبقًا لمن ستكون الغلبة.
وهنا يبدأ العدل.
حين يصبح الانتماء أقوى من الحقيقة
مشكلتنا ليست أن لدينا «إخوة» ندافع عنهم.
مشكلتنا أننا أحيانًا نجعل الانتماء أقوى من الحقيقة.
نغفر لأحد لأنه «مننا»، ونقسو على آخر لأنه «ليس منا».
نطالب بالعدل عندما يكون في صالحنا، ونبحث عن الأعذار عندما يكون العدل ضدنا.
وهذه أخطر صورة من صور النفاق الأخلاقي:
أن يكون لدينا مبدأ للآخر، ومبدأ لأنفسنا.
إذا أُهين واحد منا ثرنا.
وإذا أُهين غيرنا بدأنا بالسؤال:
«وماذا كان يفعل أصلًا؟»
وهكذا يتحول المظلوم إلى متهم.
فقط لأنه ليس من جماعتنا.
كلمة إنصاف
ومع كل ذلك، هناك كلمة شكر لا بد أن تُقال:
شكرًا لكل مسلم وقف إلى جانب جومانا.
شكرًا لكل من رأى فتاة تتحدث عن إهانة تعرضت لها، فلم يسأل أولًا عن دينها أو اسمها أو انتمائها، بل سأل:
«هل ظُلمت؟»
شكرًا لكل من رفض أن تتحول الأخوة الدينية إلى غطاء للخطأ، أو أن يكون الاختلاف سببًا للصمت عن كرامة إنسان.
هؤلاء يستحقون الاحترام.
لأن المسلم الذي يقف مع جومانا لا يخسر دينه.
بل ينتصر للعدل.
والذي يقول لأخيه: «أنا أحترمك، لكنني لن أبرر لك ظلمك»، لا يخون أخاه.
بل يحميه من أن يتحول إلى ظالم.
وهذه هي الأخوة التي تستحق أن نحافظ عليها.
وكلمة تشرشل
تُنسب إلى ونستون تشرشل عبارة تقول:
«كلما عرفت البشر أكثر، ازداد تقديري للكلاب».
قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تصبح موجعة حين نرى إنسانًا يملك العلم والمنصب والسلطة، ثم يفقد أبسط ما يمنح هذه الأشياء قيمتها:
الضمير.
فالإنسان لا يصبح عظيمًا بلقبه، ولا بشهادته، ولا بمنصبه.
قيمته في قدرته على إنصاف من يختلف عنه.
أما أن نبحث عن الحق عندما يكون لصالح «جماعتنا»، ونبحث عن الأعذار عندما يكون ضدها، فذلك ليس عدلًا.
إنه التعصب مرتديًا ثوب الأخلاق.
مصر لا تحتاج إلى حماية المخطئ
كفانا عبارات من نوع:
«الرجل له مكانته».
«المؤسسة لا تخطئ».
«لا تشوهوا صورة البلد».
بل أقول العكس:
الذي يشوه صورة البلد ليس كشف الخطأ، بل حماية الخطأ.
الدولة القوية ليست التي تحمي أبناءها مهما فعلوا، بل التي تستطيع أن تقول:
«هذا ابننا، ولذلك لن نسمح له أن يظلم».
المحاسبة لا تهدم هيبة الدولة.
حماية المخطئ هي التي تهدمها.
وإذا استمرت الدولة في حماية عديمي الضمير والإنسانية باسم المنصب أو المؤسسة أو الانتماء، فلن تخسر العدالة وحدها؛ ستخسر شيئًا أخطر:
صدقها، وأمانتها، وثقة المواطن بها.
لا تنصر أخاك ضد الحق
لا أريد أن أنصر جومانا ضد العميد.
ولا العميد ضد جومانا.
أريد أن أنصر الحق.
إن كانت جومانا مظلومة، فانصروها لأنها مظلومة.
وإن كان العميد مظلومًا، فانصروه لأنه مظلوم.
أما إذا أثبت التحقيق أن أحدًا أخطأ، فلا تحموه لأنه «أخونا».
انصروه على خطئه.
لأن المجتمع الذي يعجز عن أن يقول للظالم:
«أنت أخطأت»
سيأتي عليه يوم يعجز فيه عن أن يقول للظلم:
«توقف».
فلا تجعلوا الانتماء أقوى من العدل، ولا المؤسسة ستارًا للخطأ، ولا السلطة أعلى من الإنسان.
نريد مصرًا يحتمي فيها الإنسان بالقانون، لا بانتمائه.
الإنسان يُعرف بسلوكه
في النهاية، لا يُعرف الإنسان بما يقوله عن نفسه، ولا بما يحمله من ألقاب وشهادات، ولا بالجماعة التي ينتمي إليها.
الإنسان يُعرف بسلوكه.
يُعرف حين يمتلك القوة: هل يستخدمها لحماية نفسه، أم لحماية الأضعف؟
ويُعرف حين يخطئ: هل يعترف، أم يبحث عمّن يبرر له؟
ويُعرف حين يرى مظلومًا لا يشبهه: هل ينحاز إلى إنسانيته، أم إلى هويته؟
فالضمير الحقيقي لا يُختبر عندما يكون الحق في صفك، بل عندما يكون الحق ضد من تحب.
والأخلاق ليست أن تقول: «أنا عادل».
الأخلاق أن تفعل العدل حين لا تكون لك فيه مصلحة.
لذلك لا تسألوا الإنسان كثيرًا عمّن يكون.
راقبوا كيف يتصرف.
فالكلمات قد تخدع، والمناصب قد تلمع، والشهادات قد تمنح صاحبها مكانة…
لكن السلوك وحده يكشف معدن الإنسان.
وفي اللحظة التي يصبح فيها الانتماء أقوى من الحق، والسلطة أقوى من الكرامة، والدفاع عن «الأخ» أقوى من إنصاف المظلوم…
لا يعود الإنسان حاميًا للأخوة.
بل يصبح، من حيث لا يدري، حاميًا للظلم.
وهنا تكون الخسارة الحقيقية:
أن نحتفظ بكل شيء يثبت أننا بشر… ونفقد الشيء الوحيد الذي يجعلنا إنسانًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سياق الحدث - ضغوط مضيق هرمز بين الاستنزاف العسكري وإسقاط الن
.. نقاش الساعة - الحلول المبتكرة وأفق التسوية بين واشنطن وطهران
.. نافذة من طهران - الخارجية الإيرانية تعلن جاهزية اتفاق هرمز ع
.. نقاش الساعة - انعدام الثقة وأبعاد الصراع الجيوسياسي بين واشن
.. مجزرة إسرائيلية بقضاء النبطية وسط استمرار التصعيد ونزوح السك