الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رسائل الى حنان في الزمن الصعب (33)

حسين علي الحمداني

2026 / 9 / 2
الادب والفن


مساء الخير حنان..
كيف حالك؟
كما وعدتك، أواصل كتابة يومياتي لك. أعرف أن الرسائل قد تتأخر، وقد تصلنا دفعة واحدة، كما يحدث معي أحيانًا حين أجد أكثر من رسالة منك في يوم واحد. لذلك لا أستعجل البريد، فأنا أعرف أن المسافات لها مواعيدها الخاصة.
لا تزال لديّ الكثير من الأوراق الأنيقة التي وجدتها، كما قلت لك، ولديّ أيضًا مزيد من ظروف الرسائل التي تصنعها يداي، وطوابع بريد تكفيني حتى نهاية الصيف، وأقلام ملونة.. كأنني أستعد لرحلة طويلة لا أعرف إلى أين ستأخذني، لكنني أعرف أنك ستكونين في نهايتها.
والأهم من كل ذلك أنني أسمع صوتك كل يوم.
ذلك الصوت الذي يسبق صوت نجاة في «عيون البحر»، وماجدة الرومي في «كلمات». محظوظ أنا حين أسمع صوتك، وأنا أداعب خصلة شعرك التي استقرت عند طاولتي في زهرية صغيرة. أغسلها كل يوم بماء دجلة، وأمشطها، وأتركها هناك كي تظل قريبة مني.
أحيانًا تتمرد هذه الخصلة، فتغطي وجهي وتحاول أن توقظني قبل موعدي. أشم فيها عطرك، فأشعر أنك قريبة جدًا، وأن المسافة بين العراق وتونس ليست أكثر من ورقة رسالة.
ذات مرة قالت لي:
«عندما نلتقي، دع صاحبة هذه الخصلة تغفو على ذراعيك، كأنها طفلة».
ابتسمت يومها وقلت لها: أعرف ذلك.
أعرف أننا عندما نلتقي سأعيد لك هذه الخصلة التي اشتاقت طويلًا إلى أن تعود وتندمج مع باقي شعرك. والله أعرف أنها لي، وستبقى لي ما دامت معك..
ألسنا معًا الآن؟
بينك وبيني، بدأت أفكر كثيرًا في لحظات اللقاء الأولى. أين سيكون اللقاء؟ وكيف سيكون؟
ربما في مطار قرطاج.
أعرف أن في تونس العاصمة مطارًا اسمه قرطاج. حدثني عنه صديق لي كان يعمل مدرسًا في ليبيا، وكان يمر إلى تونس عبره. قال لي في آخر إجازة له إن تونس تبعد خمس ساعات بالطائرة عن الأردن.
خمس ساعات!
لم أتخيل كيف يستطيع الإنسان أن يقضي كل تلك الساعات معلقًا في السماء.
أنا ركبت طائرات الهليكوبتر العسكرية عندما كنا نستخدمها في السليمانية. صوتها مزعج، ومخاطرها كثيرة، وركبت فيها مرات عدة. ربما طائرات الركاب مختلفة تمامًا، حتى إنهم، كما قال لي صديقي، يقدمون فيها وجبات طعام!
لكنني الآن لا أفكر بالطائرة ولا بالطعام.
أفكر باللحظة التي تفتح فيها أبواب مطار قرطاج، وتبدأ الوجوه بالخروج، وأنت تبحثين بينها عن وجه قادم من بعيد.
لنتفق إذن أن أول لقاء سيكون عند بوابة مطار قرطاج.
لا أعرف كم ستكون الساعة، ولا أعرف من أين سأصل. ربما تكون الرحلة مباشرة من بغداد، وربما من عمّان، أو القاهرة، أو من محطة أخرى في منتصف الطريق.
ولا أعرف حتى الآن متى سيكون ذلك اليوم.
ربما يصادف عيد ميلادك، أو عيد ميلادي، أو ربما يكون عيدًا جديدًا لنا وحدنا، لا يعرفه أحد سوانا.
لكن هناك سؤالًا ظل يلح عليّ:
كيف ستعرفين موعد وصولي؟
ربما أتصل بك عبر الهاتف. لدي رقم هاتف بيتكم. سأقول لأمك إنني سأصل إلى مطار قرطاج في الوقت الفلاني من يوم كذا، وأطلب منها أن تخبر حنان.
أكيد ستخبرك.
أما إذا كنتِ أنتِ من تردين على الهاتف..
فسأكون محظوظًا برشا!
لا أعرف ماذا سأقول لك عبر الهاتف حينها، ولا ماذا سأفعل عندما أراك أمامي لأول مرة.
كل ما أعرفه الآن أنني سأركض نحوك.
لن أفكر في الكلمات التي كتبتها لك ، ولا في الرسائل التي قطعت البحر والحدود والمسافات، ولا في كل هذا الانتظار.
سأركض فقط نحوك، وعندما أصل إليك سأقول الجملة التي ربما اختصرت كل شيء:
كم أحبك، صغيرتي الجميلة.
دمتِ لي..
حسوني
16 يونيو 1994








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم


.. بعد غياب عدة سنوات...سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس أما




.. في ذكرى رحيل بليغ حمدي.. رحلة «ساحر الألحان» من شبرا إلى كبا


.. تعمير - اعرف أكتر عن مدينة الفنون والثقافة الصرح الحضاري الك




.. جوائز عالمية لأفلام فلسطينية وثقت حرب غزة والسردية الوطنية