الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قصة قصيرة: فريسة الوهم
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
2026 / 9 / 2
الادب والفن
بيوتٌ متناثرة أسفل ذلك التل قليل الارتفاع يتخلله بعض الطرق النيسمية التي تشكلت على خطوطٍ بسيطةِ العرض حَفرت في المرتفع الصخري ممتدة من الأسفل إلى الأعلى بشكلٍ متعرجٍ. في الأعلى من التل توجد مقبرة قديمة يُشاهد فيها العديد من الرايات فوق القبور وقد تمزق أغلبها بسبب الرياح وأشعة الشمس اللاهبة ولم يبقَ منها سوى القليل على شكل خيوط أو أشرطة باهتة اللون مربوطة بقصبة أو خشبة صغيرة. يقف على مسافة معينة من تلك البيوت وسط مجموعة من الشباب وقد تجاوزوا كلهم العشرين من العمر، إلا هو فكان يبدو أقل منهم عمرا, هادئ الطبع وأقل ضررا وأذى, يسمع بشغف كبير وهم يتحدثون, تظهر على قسمات وجهه بعض علامات الخوف يحاول إخفائها ببعض الابتسام (( أشباح, أصوات غير مفهومة, وعيون مقلوبة عمودية))، تظهر هذه الأشياء كلها حين صعود التل عند الغروب, أما المقبرة ففيها أشياء تفوق الخيال بحيث يعجز اللسان عن وصفها, شيء مخيف جدا وقد يصاب الصاعد بالنتيجة بالجنون. يذهب الى بيته وهو يفكر في الموضوع, ينام تداهمه الأحلام بكوابيسها, يشعر في دواخله بخوفٍ شديد:
- علي أن اتغلب على منابع الخوف.
لكنه أنفق وقتا طويلا وهو يتخيل تلك الفكرة والهواجس.
في اليوم الثاني, يدور نفس الحديث لكن وقعه كان أكبر, يُشاهد الشباب يتهامسون ويتغامزون, فهمها بأنه هو المقصود, فالحديث عن الجني الذي يدخل في جسم الشخص بدون معرفة الكيفية, وقد يصبح حينها يرقص بلا وعي وقد يرقص مع الكلاب السوداء. يفكر في رفع قدره بين أصحابه ومع نفسه, كونه يرى نفسه قزماً أمام عمالقة أمامه بأقوالهم. يشعر بضرورة التحدي والإصرار على تجاوز مكامن الخوف مهما حصل, هنا قبل المنازلة.
يسير يبطءٍ شديد, تدور في ذهنه ألف فكرة وفكرة مخترقاً تلك البيوت.
- ألا يجدر بي بعدم المجازفة؟ لكن لا يمكنني الانسحاب الآن أو حتى مجرد التفكير فيه, عليّ قبول التحدي والخوض في التجربة. يُحدّثُ نفسه.
استدار على عقبيه وهو ينظر إلى المجموعة يتكلم معهم بلغة العيون, لغة مفهومة من كلا الطرفين, لغة تحدي وإصرار وإقدام من قبله، وبالمقابل يتحدونه على الاقدام وعلى الدوام. تظهر سحابة أو عاصفة قدمت وقت الغروب بعد أن حجبت ضوء الشمس تماما, أحدثت في نفسه أشبه ما يكون بالارتجاف, أخذ يرقب كل شيء, يسمع أصواتاً لم يكن يسمعها سابقا, صفير مخيف بسبب حركة الريح.
- عليّ أن اسرع في الصعود.
لكن الظلام قد اجتاحه بشكلٍ أسرع من المعتاد, أخذ الخوف منه مأخذا كبيرا, تقهقر قليلاً إلى الوراء لكنه تذكر كلام أصحابه.
- قد تُصبح بلا قيمة تذكر بعد الآن. يفكر فيها.
صارت كلماتهم تخزه خزّا. يتقدم, يرى العديد من العيون تتوامض , العيون عمودية, وأجسام طوطمية بمخالب وأسنان طويلة متباعدة, وأصوات خشنة حادة. أخذ قلبه يخفق كأنه يخطي إلى الموت بإرادته واعيا بصيرا، في تلك اللحظة التفت إلى الخلف, لم يعد يرى شيئاً, فالظلام قد غطى المكان بالكامل.
- تُرى هل أعود؟
يحس بوجود نوع من النداء ينطلق من الداخل" أن أقدم ولا تتراجع، إنها فرصتك الأخيرة, إنها فرصة إثبات وجود" قرر الصعود مهما يكون, أبعد عن نفسه كل أنواع المخاوف, يُحاول التركيز في الطريق فقط, ترك أو تناسى كل تلك العيون والأصوات والمخالب والأشكال المخيفة. أخيرا يصعد التلة, يقف في بداية المقبرة, أحجار متناثرة, إشارات تطلق أصواتا أثناء حركتها بسبب العاصفة.
يضع العلامة في المكان المتفق عليه, ليعود مسرعاً. عند الفجر يصعد مع مجموعته ليريهم الدليل في ذلك المكان, أخذوا ينظرون إليه بتعجب وحسد خفي, وأخذت علامات الرضا تظهر على وجهه بعد أن أيقن بأنه كان فريسة وهم ٌ كبير.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم
.. بعد غياب عدة سنوات...سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس أما
.. في ذكرى رحيل بليغ حمدي.. رحلة «ساحر الألحان» من شبرا إلى كبا
.. تعمير - اعرف أكتر عن مدينة الفنون والثقافة الصرح الحضاري الك
.. جوائز عالمية لأفلام فلسطينية وثقت حرب غزة والسردية الوطنية