الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مذكرات مراهقة / 3
نعمة المهدي
2026 / 9 / 2الادب والفن
ترميمُ الغياب
في السادسة عشرة، لم تكن الأسئلة تُطرح عليَّ لكي أُجيب، بل لتُحدَّدَ إقامتي داخل أوهامهم.
كان السؤال عن المستقبل يقع على كاهلي كجدارٍ يتهدم بطبقاتٍ من الإسمنت. يسألني أبي بصوتٍ يحمل يقين الضباط والأطباء:
— ماذا قررت؟ الطب أم الهندسة؟
وتسبقه أمي بنظرةٍ ممتلئة بالرجاء المعلق على كتفيَّ:
— سيف ذكي، وسيكون طبيباً.
أما أنا، فكنتُ ألوذ بابتسامةٍ باهتة، وألوذ بصمتي. لم أكن أكره الطب، ولا أحلم بالهندسة؛ كان السر الحقيقي الذي أخشى الاعتراف به حتى لنفسي: أنني لم أستدلّ بعد على ما أحبه. كنتُ أشعر كأنني صفحة بيضاء في كتابٍ يتزاحم الجميع على الكتابة فيه.
في أروقة المدرسة، كان لكل رفيقٍ خريطةٌ جاهزة: "حيدر" يرى نفسه في زيٍ عسكري، "مصطفى" يذوب في تفاصيل معالجات الحاسوب، و"حسام" يقطع تذكرة وهمية نحو ألنمسا كل صباح. وحين التفت إليَّ مدرس الرياضيات وتساءل عن مقعدي في غد الأيام، لم أملك إلا ضحكة خفيفة ورداً عابراً:
— لا أعرف.
ضج الممر بضحكات الزملاء، فيما ألقى المدرس جملةً كأنها قذيفة ناعمة:
— عليك أن تعرف.. الوقت لا ينتظر الغافلين.
منذ تلك اللحظة، تحول الزمن لديَّ إلى مضمار ركضٍ مجنون؛ الجميع يركضون نحو نقطة وصول مرئية، وأنا وحدي أقف عند خط البداية، أتأمل الخيوط المقطوعة.
توارى نشاطي المعهود، وسكنتُ إلى نومٍ طويل وهربٍ متواصل عبر شاشة هاتفي: هذا أقراني يعزف أوتار الغيتار، وذاك يحصد ذهب الرياضة، وآخر ينساب بلغة غريبة كأنها لغته الأم. كنتُ أغلق شاشتي كل ليلة وأنا أشعر ببردٍ قارس؛ الجميع صاروا شيئاً ملموساً.. إلا أنا.
وفي ظهيرة شاحبة، انزلقتُ من الباب الخلفي للمدرسة هرباً من الحصة الأخيرة.
صعدتُ أول حافلة تصادفني. عبرت بي بغداد، بضجيجها، وواجهاتها، وجسورها المقوسة فوق دجلة. كانت المدينة تموج بحركة لها أهداف محددة، بينما كنتُ الراكب الوحيد الذي ينظر من النافذة بلا محطة ينتظرها.
نزلتُ قرب شارع المتنبي. مشيتُ بين الممرات المتشابكة مع رائحة الورق المعتق والأزقة القديمة، حتى توقفت قدماي أمام رصيفٍ يفرش عليه رجلٌ مسنٌ أطنان الأفكار المطبوعة. مددتُ يدي إلى كتابٍ مجلد، قلّبتُ أوراقه، ثم أعدتُه بنشيجٍ مكتوم.
تفرّس فيَّ الشيخ المكتظ بالخبرة وقال:
— عن أي شيء تبحث يا بني؟
رددتُ بنبرة انكسار:
— لا أعرف.
ابتسم العجوز ابتسامةً عريضة وشبّك يديه:
— إذن أنت في الطريق الصحيح.. ابحث! ليس ذنباً ألا تعرف، الذنب أن تتوقف عن البحث.
وقعت الكلمات في أذني كإيقاعٍ موسيقي يُعيد ضبط الأوتار النشاز.
جلستُ على حافة الرصيف، أخرجتُ دفتر الصغير وقلمي، وفي المساحة البيضاء النظيفة، لم أكتب ما يتمنى أبي، ولا ما تطلبه أمي، ولا ما يفرضه المدرس.. أمليتُ على الورق أول سطور كياني:
"اسمي سيف. عمري ستة عشر عاماً. لا أعرف ماذا سأكون غداً.. لكنني أعلم الآن أنني أحب الرسم، وأضيق بالرياضيات، وأجد سكينة غريبة حين أُعيد الحياة إلى الأشياء القديمة المكسورة."
عندما وطئت قدمي عتبة الدار، كان أبي ينتظر عند الممر، والعتاب يسبق عينيه:
— أين كنت حتى هذا الوقت؟
رفعتُ رأسي. ولأول مرة، لم أهرب بعينيَّ نحو الأرض، بل استقررتُ بنظري في عيني أبي بثباتٍ هادئ:
— كنتُ أبحث عني.
— وهل وجدتك؟
ضممتُ دفتري الصغير إلى صدري وقلت:
— ليس كلياً.. لكنني عرفتُ الإبرة التي سأبدأ بها حياكة ثوبي.
دخلتُ غرفتي، واتجهتُ مباشرة إلى زاوية الخزانة المهجورة. أخرجتُ جهاز "راديو" قديم، صدئ الحواف، كان قد توقف عن النهوض منذ سنوات.
وضعته على الطاولة، فككتُ براغيه بحرص، رتبتُ قطع المحول والصمامات، وبدأتُ أتفحص أسلاكه الدقيقة النحاسية، أُعيد وصل ما انقطع، وأُنظف النقاط التي تراكم عليها الغبار.
وبعد ساعة من الصبر والتركيز، اهتزت السماعة الصغيرة، وانطلق من جوف الراديو صوتٌ دافئ، خافت ومشوّش، ينساب كالموسيقى في عتمة الغرفة.
ابتسمتُ، وكانت تلك أول ابتسامة حقيقية تخرج من أعمق نقطة في روحي.
لم أكن قد رسمتُ معالم مستقبلي بعد، لكنني صعدتُ أول درجات الحقيقة: أن الضياع الأكبر ليس في تعثرك وأنت تبحث عن وجهتك، بل في أن تسير بسرعة فائقة في طريقٍ عبّده الآخرون لك، لتصل في النهاية وتكتشف أنك لم تكن هناك أبداً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع
.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى
.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات