الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الذين هادوا بين التوراة والقرآن - الجمعة
طلعت خيري
2026 / 9 / 3العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لمحة تاريخية مختصرة عن المراحل التي مر بها بني إسرائيل منذ ظهورهم كعائلة دينية في مصر قبل الميلاد ، وحتى القرن السادس الميلادي ، أول فتنة تعرض لها بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر الى الصحراء عبادة العجل ، أدت الى انشقاق ألسامري وأتباعه عن موسى ، ثاني انشقاق انقسام بني إسرائيل الى أثنى عشر سبطا ، ثالث انقسام انفصل طائفة عن بني إسرائيل لعدم تحملها مشقة الصحراء والطعام الواحد ، رابع انقسام انفصال القوميين دعاة الأرض المقدسة عن موسى بعد رفضهم قتال الجبارين ، خامس انقسام نقض الاثنى عشر نقيبا عهد الله وميثاقه رافضين مؤازرة الأنبياء والرسل فهذه الطائفة كانت مختصة بتحريف الكتب ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ
قال الله
وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{12} فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{13}
الذين هادوا غير اليهود ، الذين هادوا طائفة دينية إسرائيلية قوامها سبعين رجلا أزرت موسى في الصحراء ، أطلقت على نفسها هذا الاسم تعبيرا عن إيمانها بالله واليوم الأخر، فقالت إنا هدنا إليك ، أي رجعنا إليك
قال الله
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ{155} وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ{156}
وصل الذين هادوا الى القرن الأول الميلادي وهم عبارة عن طوائف دينية سياسية منشقة عن كتاب موسى ، فاقدة لكل معاني الإيمان بالله واليوم الأخر ، ولما انزل الله التوراة على يحيى ابن زكريا لأحياء كتاب موسى ، صحح الذين هادوا اعتقاداتهم ، فالتوراة صححت كتاب موسى الأول ، وأضافت له جديد من الآيات لدعوة طوائف كانت منشقة عن موسى سابقا كما ذكرنا أعلاه ، فمن الطوائف الدينية التي آمنت بالتوراة ، النبيون والذين هادوا والربانيون والأحبار
قال الله
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }المائدة44
وفي منصف القرن الأول الميلادي ، انزل الله كتاب الإنجيل على عيسى ابن مريم لتصديق التوراة ،وبعد التصديق والمصادقة عليه ادمج كتابي التوراة والإنجيل في كتاب واحد الإنجيل ، وفي القرن الثالث الميلادي ونتيجة للصراعات السياسية على كتاب الإنجيل والمسجد الأقصى ، انشق الحواريون أتباع عيسى ابن مريم الى طوائف دينية سياسية ، فرجعت كل طائفة الى أصل كتابها ، فرجع بني إسرائيل والذين هادوا والأسباط الى كتاب التوراة ، بينما رجعت الطائفة العيسوية والمسيحية الى كتاب الإنجيل ، اللذان لا زال منفصلين الى يومنا هذا بما يسمى العهد القديم ويضم 46 سفرا ، والعهد الجديد ويضم أربعة أناجيل
وصل الذين هادوا الى القرن السادس الميلادي ولم يبقى في اعتقاداتهم أي قيم إيمانية مكتسبة ، لا من كتاب التوراة ولا من كتاب الإنجيل ، فبات دينهم عبارة عن مغالاة بالأنبياء والرسل وشعارات سياسية كشعب الله المختار والأرض المقدسة وأفضلية كتاب التوراة على الكتب الأخرى ، لكونه انزل جملة واحدة ، فالذين هادوا طائفة دينية عريقة حرصت على القراءة والكتابة منذ ظهورها في مصر ، فلا تجد في مجتمعها من هو أمي ، ولما دعها القران الى الإيمان بالله واليوم الآخر رفضته ، لأنه انزل في مجتمع أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، فآلية جمع الآيات والسور شفهيا ومن ثم ضمها في كتاب في مجتمع أمي لم تكن مقنعة بالنسبة لهم ، مقارنة مع كتاب التوراة الذي انزل إليهم جملة واحدة ، فأنكروا ان يكون القران من عند الله ، رد الله عليهم قائلا ، يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم ، ما مقصود هو ان كل شيء خلقة الله مؤهل لحمل رسالته ، أو ربما يساهم في جزء منها من خلال وجوده المادي ، تأكيدا للذين هادوا ان الله هو من بعث في الأميين رسول ، قال الله هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ{1} هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{2} وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{3}
عاش بني إسرائيل من قبل الميلاد ، وحتى القرن السادس الميلادي بوهم الاختيارية والأفضلية الدينية ، كشعب الله المختار وأحباب الله وأوليائه ، فما عادت الأفضلية والاختيارية تخص المؤمنين بالله واليوم الأخر منهم ، إنما باتت شعار سياسي تتشدق به الطوائف الكتابية والقومية ، ولما دعا التنزيل الذين هادوا الى الإيمان بالله واليوم الآخر رفضوه على اعتقاد ، بان لا أفضلية لغيرهم عند الله ، قال الله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، بمعنى ان الله سلب الاختيارية والأفضلية من بني إسرائيل ليجعلها شاملة لكل من يرغب الدخول في فضل الله العظيم
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{4}
وفي القرن الثالث الميلادي ونتيجة للصراعات السياسية على كتاب الإنجيل والمسجد الأقصى ، انشق الحواريون اتبع عيسى ابن مريم الى طوائف دينية سياسية ، فرجعت كل طائفة الى أصل كتابها ، فرجع بني إسرائيل والذين هادوا والأسباط الى كتاب التوراة ، فلم يكتفوا بهذا الانشقاق ، بل انشق التوراتيون الى طوائف أخرى ، فرجع البعض منها الى كتاب موسى الأول المذكور في التوراة ، فوجد شياطين الطوائف الدينية السياسية في هذا التحول ألاعتقادي فرصة تاريخية وتراثية وسلفية ، لكتابة ما يخدم مصالحهم الاقتصادية والسياسية والقومية والأركيولوجية تحت اسم التوراة وكتاب موسى ، فلم يصمد كتاب التوراة الذي حافظ عليه الذين هادوا أمام الصراعات السياسية ، حيث تعرض هو الأخر الى تحريف افقده مضامين الإيمان بالله واليوم الأخر ، فحمل الذين هادوا وأجيالهم المحرف الى القرن السادس الميلادي على اعتقاد بأنها توراة حقيقية ، ولما نقل التنزيل أحداث موسى والتوراة من الماضي الغيبي الى حاضر الدعوة القرآنية لتصحيح التوراة ، كذبوا ما انزل الله فضرب لهم هذا المثل ، قال الله مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها على حقيقتها من القران ، كمثل الحمار يحمل أسفارا، أسفارا تعني أمتعة السفر بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ، فالحمار يشعر بأثقال الأمتعة لكن لا يعلم ما نوعها
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{5}
لا تستغرب عندما تسمع عن مجتمع ديني سياسي يدعي ولايته لله ، وتحت اسمه يرتكب المعاصي والموبقات وفي نفس الوقت يحمل أفضلية منجية من العذاب الأخروي ، فعظم الأديان السياسية تؤمن بمثل هكذا دوغمائية تاريخية وتراثية وسلفية ، فالعذاب في اعتقاد الذين هادوا حقيقة أخروية ، لكنها لا تشملهم لأنهم شعب الله المختار وأولياء لله من دون الناس ، بمعنى ان الدين السياسي استبعد عنهم العذاب الأخروي لأنهم أولياء الله ، أو ربما هوَّنه عليهم لأيام معدودة ، ولتفنيد تلك المزاعم وضع التنزيل الذين هادوا على محك الموت ، للاطلاع على رد فعلهم المخالف والمتناقض مع ما يدعون ، قال الله قل يا محمد للذين هادوا ان زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين ، ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيدهم والله عليم بالظالمين ، قل لهم يا محمد ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم ، ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{6} وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ{7} قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{8}
أكثر الطوائف الدينية السياسية هوسا بالمال هم الذين هادوا ، يرتكز نشاطهم الاقتصادي على استثمار رأس المال والقروض والتجارة العامة ، ولما دعاهم التنزيل الى الإيمان بالله واليوم الأَخر آمن البعض منهم ، غير ان هوس المال جعلهم لا يلتزمون بعض الأعمال الإيمانية ، منها إيقاف أنشطة البيع والمضاربة في يوم الجمعة استعدادا للصلاة ، قال الله يا أيها الذين امنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون ، فإذا قضيت الصلاة فانشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، أما الذين حضروا صلاة الجمعة من الذين هادوا فلهم شان أخر ، فكانت أبصارهم تصرف الى سوق المدينة لمراقبة الزبائن أو الوافدين إليه ببضاعهم ، فان رأوا شيئا من التجارة تركوا الصلاة والنبي قائما على منبره ، قال الله وإذ روا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ، قل ما عند الله خيرا من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{9} فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{10} وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{11}
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الأديان الأربعة الكبرى في العالم
.. ما حقيقة العنف الطائفي والنظرة النمطية وتحديات الإسلام السيا
.. عبر الخريطة التفاعلية.. ما قصة رفات اليهود الذي تطالب إسرائي
.. كيف يمكن لتحالف عربي يهودي أن يحدد هوية رئيس الوزراء الإسرائ
.. عالقون بين جبهتين: كيف يعيش المسيحيون في البلدات اللبنانية ا