الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رسائل الى حنان في الزمن الصعب (35)
حسين علي الحمداني
2026 / 9 / 3الادب والفن
صغيرتي الجميلة، طاب يومك..
ما بين أن أقرأ كلمة «حبيبي» وأن أسمعها، أربعة أصابع فقط؛ هي المسافة بين العين والأذن، بين حاسة النظر وحاسة السمع. لكنني اليوم سمعتها وأنا أنصت إلى شريط كاسيت وصلني منك. البعض يحتاج إلى أن يقطع مسافات طويلة، وأن يعبر من قارة إلى أخرى، كي يسمع حروف هذه الكلمة السحرية من شفاه انتظر طويلًا حتى يراها وهي تلوك تلك الحروف. كم أنا محظوظ إذن، حين تتحقق أحلامي معك.
بدأت أشعر أننا اقتربنا كثيرًا من موعد اللقاء. شريط كاسيت حمل لي صوتك مجددًا، وضحكة طالما حلمت بها. أشعر أننا طوينا فعلًا المسافات وسخرنا منها؛ بدأت آلاف الكيلومترات التي يقال إنها تفصل جغرافيًا بيننا تبدو لي كأنها المسافة بين غرفتي ومكتب البريد الذي استلمت منه صوتك.
إنه شهر جوان، العشرون من جوان، أي العشرون من حزيران. وصلتني رسالتك بعد ستة أيام. بدأت أحب هذا اليوم، العشرين من جوان.
احفظي هذا التاريخ جيدًا: 20 جوان 1994، لميلاد المسيح، والعام الثاني من ولادة صداقتنا وحبنا. العرب يؤرخون بالحوادث، وأنا وأنت منهم. ربما أنت قرطاجية، رغم أن عليسة فينيقية. أما التاريخ بالنسبة لي، فهو ببساطة: قبل حنان وبعد حنان. لنتفق على ذلك؛ من حقنا أن نكتب تقويمنا الخاص.
كم مرة سمعت صوتك اليوم؟ لا أدري كم مرة.
آه... بالأمس فقط قلت لك إنني سأغازلك مقابل البسكويت. يا إلهي، الرسالة لم تصلك بعد، لكن البسكويت وصل! ويا إلهي، ومعه شوكولاتة أيضًا.
قرأت على علبة البسكويت: «صنع في تونس». سيكون لي وحدي، طالما نحن في عطلة. ومن حقك أن تطلبين مني مغازلتك. أعدك بذلك. سأغازلك علنًا أمام كل القراء الذين يطالعون «جمهورية بثينة» في جريدة الصريح. وبيننا، أرسلت قبل يومين مادة بعنوان «ألف عام من الحب»، ربما تنشر بعد أسبوع.
20 جوان... سأكتب هذا التاريخ في ذاكرتي حتمًا. سيكون له شأن في السنوات القادمة. ربما نلتقي في هذا التاريخ، في سنة ما. لم لا؟ أنت أيضًا تذكريه جيدًا، صغيرتي.
بسبب الجو الحار وضعت الشوكولاتة في الثلاجة، أو في الفريزر، رغم أن الكهرباء لا تأتي إلا ساعة كل أربع ساعات، لكنها ستظل باردة وشهية.
تسألين: كيف أعيش في ظروف الحصار؟
أنت متابعة جيدة للأخبار، وربما أفضل مني، لأنك تمتلكين لغة أو أكثر تسمعين من خلالها الأخبار بالفرنسية والإنكليزية، وتصلك صحف ومجلات كثيرة. أما أنا، فخياراتي محدودة: اللغة الغربية، وراديو مونت كارلو، وصوت أمريكا، وإذاعة لندن، وأحيانًا أغفو والمذياع إلى جوار أذني.
لا أخفي عليكِ، الحصار مميت. الأسعار ترتفع، رغم أن الحكومة توفر حصة غذائية في حدود إمكانيات الدولة، تشمل الطحين والرز والسكر والزيوت والشاي. لكنها، مهما كانت مقننة، وبأي قدر من التنظيم، تبقى حياة لم تعتد عليها الأسرة العراقية في تاريخها.
العراق أرض خير، والعراقي كريم بطبعه. وأحيانًا تصلنا إمدادات من الحنطة من بني حمدان، الذين يمتهنون الزراعة، فتُعزز خزين الدقيق لدى أم حسوني، التي توسع علينا في الأرغفة بين الحين والآخر.
هي عرفت أن ثمة بسكويتًا وصل إليّ، فضحكت وقالت: «عندما فطمتك من الرضاعة كان البسكويت والشاي أكلك المفضل».
وتعرف أيضًا أنني ما زلت أستيقظ في منتصف الليل جائعًا. تتعمد هي أن تضع لي قطعة خبز صغيرة، أو حبة فاكهة، أو حتى قدح ماء. وإن لم أجد شيئًا، أضطر إلى النهوض والذهاب إلى المطبخ وفتح الثلاجة، التي لم تعد تحتوي على شيء مغرٍ. لكنك أحيانًا تجد بقايا من طعام، فتتذوقها، فيسكت ذلك الجوع الوهمي.
أعرف أنه جوع وهمي. قبل سنوات الحصار كنت أجد في الثلاجة ما يغريني، وحتى في الجيش كنت أضع تحت وسادتي شيئًا يؤكل، وغالبًا ما كان بسكويتًا.
لهذا فإن بسكويت اليوم التونسي سيكون هنا، عند الطاولة وأمام سريري. وتأكدي أنني سأكون جائعًا في منتصف الليل، وسأتناول واحدة فقط.
ولا زالت المحررة ترسل لي سجائر بدل مكافآت النشر. يبدو أن المكافآت زادت؛ ففي آخر مرة أرسلت لي سجائر «مارلبورو»، فتحها موظف الرقابة في البريد وضحك وقال:
«سجائر لا يمكن أن يدخنها إلا الوزير!»
ضحكت أنا أيضًا. فتحت العلبة وقدمت له سيجارة. ضحك وقال:
«حسوني، كان قرا رسائلك لي.. قال هذه السيجارة لك، دخنها واترك العلبة لي».
ضحكت وقلت له: «من عيني».
أخذ العشر. هو بات صديقًا لي، يعرفني، وكلما جاء طرد يسلّمه لي بمحضر، كما يقول.
مرة أخرى، شكرًا على البسكويت، أيتها الحبيبة الرائعة.
أعرف أنه واجبك تجاه طفل فُطم تَوًّا.
دمتِ لي.
المخلص
حسوني
27 يونيو 1994
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع
.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى
.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات