الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة الذاكرة الوطنية .

صباح حزمي الزهيري

2026 / 9 / 3
الادب والفن


من قصص تولستوي بالغة القصر بعنوان (( الهر والفئران )) : تكاثرت الفئران في منزل , أقام هر فيه وأخذ يطاردها , أدركت الفئران أن أمورها أخذت تسوء , فقالت فيما بينها : (( أيتها الفئران , لن ننزل بعد الآن من جحرنا , ولا يستطيع الهر أن يبلغ هذا المكان )) , ما أن كفت الفئران عن النزول من جحرها حتى أخذ الهر يبحث عن حيلة يمكنه بها أن يصطادها , تشبث بالسقف بإحدى قدميه , وترك نفسه يتدلى من فوق , وتظاهر بأنه ميت , ألقت فأرة نظرة خاطفة خارج جحرها , وقالت : (( يا أخ , تستطيع إن شئت أن تتحول إلى كيس , فليس هذا هو الذي يدنيني منك )) , تستعرض لنا هذه القصة صراعاً رمزياً مكثفاً يتناول مفهوم الذكاء السياسي , والتكيف مع المخاطر , وحدود الحيلة أمام الوعي والتجربة , ورغم إيجاز القصة الشديد , إلا أنها تحمل في طياتها عمقاً فلسفياً ودرساً إنسانياً باليغ الأثر.

اعتمد الهر على القوة المباشرة والمطاردة التقليدية , وهي استراتيجية أثبتت نجاحها مؤقتاً حتى أدركت الفئران موضع ضعفها وقررت التراجع , فكان انتقال الاستراتيجية من القوة إلى الخدعة , وهذا التحول يعكس كيف يلجأ القوي إلى (( المكر والدهاء )) عندما تعجز القوة الغاشمة عن تحقيق الغاية , ثم تمكنت الفئران من حماية نفسها ليس بمواجهة الهر, بل بفهم حدود قدراتها , فاتخذت قراراً جماعياً بالاستقرار في المكان الذي لا يصله العدو - الجحر - , وهذا هو (( وعي الضعيف وسلاح التضامن )) بما يعبر عن أهمية الوقاية والتفكير العقلاني في إدارة الأزمات لدى الأطراف الأضعف.

سقوط الحيلة أمام الذاكرة والتجربة عندما لجأ الهر إلى حيلة دراماتيكية بتمثيل الموت والتعلق بالسقف كالكيس المتدلي , وهي حيلة تعتمد على استغلال فضول الضحية أو غفلتها , لكن الفأرة لم تنخدع بالمظهر الخارجي , لأنها اختبرت طبيعة الهر سابقاً , الدرس هنا أن الخبرة والتجربة السابقة تمثل حصانة ضد الخداع مهما تغيرت أشكاله , وجاء رد الفأرة (( تستطيع إن شئت أن تتحول إلى كيس )) محتفظاً بالمسافة الآمنة ومغلفاً بالسخرية كأداة للمقاومة الذكية , وهذا الرد لم يكشف حيلة الهر فحسب , بل أفقده فاعلية سلاحه الجديد (( الخدعة )) موضحاً أن اليقظة الحقيقية تجعل مكائد الماكرين بلا قيمة.

الأبعاد العميقة في أدب تولستوي الإنساني , الصراع بين الظاهر والباطن حيث يظهر الهر في شكل كيس ساكن بلا حياة (( الظاهر )) , لكن حقيقته تظل مفترساً ينتظر اللحظة المناسبة (( الباطن )) , ولذا تحذر القصة من الاغترار بالظواهر والتغيرات الشكلية التي يبديها الخصوم , ثم الحكمة اللحظية فلم تتطلب الحماية إستراتيجيات معقدة , بل تطلبت فقط (( الملاحظة الدقيقة )) وعدم الاندفاع وراء الرغبة أو الفضول , لنصل الى المغزى النهائي فالقوة لا تعني بالضرورة الانتصار الدائم , والمكرلا ينجح إلا إذا وجد بساطة وغفلة في الطرف الآخر, والوعي بالذات وبالعدو هو الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كل الحيل.

الدرس : تتجلى أبعاد هذه الأقصورة الأدبية بصورة حية عند إسقاطها على واقع الوطنيين العراقيين الذين يواجهون صراعاً ممتداً مع قوى الهيمنة والمصالح الضيقة , فكما واجهت الفئران بطش الهر في بداية الأمر , يخوض الوطني العراقي مواجهة نضالية مع سياسات الإبعاد والمطاردة والضغط المستمر , غير أن التجربة القاسية ألهمت الشارع الوطني وعياً جمعياً يدرك أن الاستمرار في سلك الطرق التقليدية يجعله عرضة للاستهداف , فكان التراجع التكتيكي , والتحصن بالوعي والثوابت الوطنية , بمثابة (( الجحر الآمن )) الذي يعصم الهوية الوطنية من الذوبان والاندفاع غير المحسوب , مكرسين بذلك مفهوم الصمود الواعي وتفادي الفخاخ المنصوبة.

وفي المقابل , حينما أدركت الأطراف المتربصة بالوطن أن أسلوب القوة المباشرة والضغط المعلن لم يعد يجد نفعاً أمام ثبات الوطنيين , لجأت إلى تغيير أقنعتها والتلون بأشكال جديدة , تماماً كالهر الذي ادعى الموت وحاول التخفي في هيئة كيس ساكن , تظهر هذه الصورة في المحاولات المتكررة لإعادة تدوير الشعارات البراقة , أو رفع رايات الإصلاح الصوري لتخدير الشارع , إلا أن الوطني العراقي , المحصن بمرارة التجارب السابقة والخبرة المتراكمة , بات يمتلك بصيرة نافذة تمنعه من الاغترار بالمظاهر أو التراجع عن حذره , فيدرك أن (( الكيس المعلق )) لا يغير من حقيقة المفترس , وأن اليقظة المستمرة هي السلاح الوحيد لإحباط المخططات مهما تنوعت أقنعتها.

تؤكد هذه القراءة السردية أن الحسم في معارك البقاء لا يخضع لمعيار القوة المادية الفائقة فحسب , بل لمعيار الوعي والذاكرة الحية , إن ثبات الوطنيين العراقيين وإدراكهم لطبيعة الخدع والأقنعة المتغيرة يمثل الحصن الحقيقي لسيادة الوطن وأمان أهله , فالمكر مهما بلغ ذكاؤه , يتهاوى سريعا حين يصطدم بعقل نبه وتجربة عركتها الأيام , ليبقى الوعي دائماً هو الخط الدفاعي الأول والأقوى في وجه كل التحديات.

صباح الزهيري .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع




.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس


.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى




.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات