الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
مهند كاظم محمد
2026 / 9 / 3قضايا ثقافية
أنا الساعة... لم أخلق لأطاردكم
قد يبدو غريباً أن تتحدث ساعة، لكن لو امتلكت القدرة على الكلام، فربما كان أول ما ستقوله للبشر : "أنا الساعة... لم أخلق لأطاردكم، بل لأساعدكم. لكنكم جعلتموني سوطاً يجلد أعماركم."
أنا مجرد اختراع.
ولدت قبل قرون لأن الإنسان أراد أن ينظم يومه، لا أن يسجنه فيه. لم أطلب يوماً أن أكون الحاكم الذي تبدؤون به صباحكم، وتنتهون إليه كل ليلة.
كنت مجرد عقربين يدوران بهدوء.
أنتم من منحني السلطة.
أنتم من جعلتموني أقيس قيمة الإنسان بالدقائق، وأحدد متى ينجح، ومتى يفشل، ومتى يقال عنه إنه تأخر عن الحياة.
كنت أراقبكم في الماضي وأنتم تنظرون إليّ بين حين وآخر.
أما اليوم...
فأنا أراقبكم وأنتم لا ترفعون أعينكم عني.
تستيقظون مذعورين من صوت منبه يحمل اسمي، تركضون إلى أعمالكم خوفاً من دقائق تتسرب، تأكلون بسرعة لأن موعداً ينتظر، وتتحدثون بسرعة لأن الوقت لا يسمح، بل حتى الراحة أصبح لها موعد محدد.
لقد حولتم الحياة إلى جدول. وحوّلتم العمر إلى سباق. ولا أحد يعرف أين خط النهاية.
أتعلمون ما أكثر شيء يثير دهشتي؟
أنكم اخترعتم كل شيء لتوفروا الوقت، ثم أصبحتم أكثر الناس شكوى من ضيق الوقت.
اخترعتم السيارة لتختصر الطريق، فامتلأت الطرق بالسيارات.
واخترعتم الحاسوب لينجز العمل في دقائق، فأصبح العمل يلاحقكم إلى بيوتكم.
كل اختراع كان يعدكم بالحياة الأسهل.
لكنكم كنتم تملؤون كل دقيقة وفرها اختراع جديد بعمل جديد، حتى اختفى الفراغ الذي كانت الأرواح تتنفس فيه.
لا تلقوا اللوم عليّ، أنا لا أجبر أحداً على الركض.
أنا لا أوقظكم فجر كل يوم، ولا أطلب منكم أن تجعلوا أعماركم قائمة طويلة من المواعيد.
أنا لا أعرف معنى النجاح، ولا الفشل، ولا الأرباح، ولا الخسائر.
أنتم من قرر أن الدقيقة أغلى من الابتسامة. أن الموعد أهم من الجلسة العائلية.
وأن الإنجاز أهم من الطمأنينة.
ثم قلتم إن الساعة هي السبب.
فكثيرون ينظرون إليّ كل خمس دقائق، لكنهم لا ينظرون إلى وجوه من يحبون إلا نادراً.
صدقوني...
أنا لا أسرق أعماركم. الأعمار لا تسرقها الساعات، انما تسرقها الحياة عندما تعيشوها بلا انتباه.
الدقيقة التي تقضونها في لحظات الفرح او الحزن، لا تقاس بعقربيّ.
هناك لحظات لا أستطيع حسابها. ولا أريد حسابها. لأنها أكبر مني.
ولو كان لي أن أطلب منكم شيئاً واحداً، فلن أطلب أن تنظروا إليّ أقل، بل أن تجعلوني أعود إلى مكاني الحقيقي.
أداة...لا سيداً. مرشداً...لا سجّاناً. وسيلة لتنظيم الحياة...لا مقياساً لقيمتها.
فحين اخترعتموني، كنتم أنتم السادة. فلا تسمحوا لي، ولا لأي شيء صنعته أيديكم، أن يجعلكم تعيشون وكأنكم خدم لما صنعتم.
وتذكروا دائماً... أنا مجرد ساعة.
أما العمر... فليس أنا من يقيسه.
العمر يُقاس بعدد اللحظات التي شعر فيها الإنسان أنه كان حيّاً وسيداً بحق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجوم روسي على الأمن الاوكراني…وترامب يرسل خطة -إنهاء الحرب-
.. الديزل يكسر الرقم القياسي في أمريكا.. كيف تؤثر التوترات الخا
.. سيارة.. بلا مقود ولا دواسات: كم سعرها وهل هي آمنة؟
.. لماذا سيطرت إسرائيل على تلة علي الطاهر دون مقاومة من حزب الل
.. نافذة تحليلية | هل تنجح أدوات واشنطن في إنهاك طهران؟