الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
يوميات من مدونات الوجع
فرات المحسن
2026 / 9 / 3الادب والفن
كان يوماً قائظاً. انتابه إحساس بضيق الصدر وشيء من كدر. لهاثه كان مسموعاً. راح يغذ السير نحو أقرب منطقة يستطيع الحصول فيها على وسيلة نقل توصله إلى البيت، حين حوصر بمجموعة رجال عند الطرف الجنوبي لشارع حيفا القريب من الزقاق الذاهب نحو جسر الشهداء وسط بغداد. رفعوا جسده الناحل بخفة وسرعة فائقتين، ودفعوا به نحو حوض سيارة مظللة رباعية الدفع. كانوا غلاظاً فظين. منذ اللحظة الأولى وجهوا له سيلاً هادراً من الشتائم. كان قد عرف دوافعها مسبقاً، لذا لم ينبس بكلمة للرد.
تخيل هذا الذي حدث قبل قدومهم المباغت، فليس من المناسب أن يستسلم لهم طواعية، لذا وضع في تفكيره سيناريو المواجهة المحتملة، واستحكامات يجب عليه اتخاذها. من الممكن أن يكون هناك اشتباك وصراع بالأيدي، عندها سيدافع عن نفسه، ولن ينقاد لهم بسهولة، تلك كانت نواياه وهو يجهز نفسه لمغامرة ترك ساحة الاعتصام في ساحة التحرير.
كان اختطافه متوقعاً، لذا كان يتوجس خيفة أن يؤخذ غدراً، دون حدوث مواجهة حقيقية مع الخاطفين. فقد وجهت له العديد من رسائل التهديد التي أتخم بها هاتفه، ولكن دائماً ما استخف بمحتواها، واعتقد أنها لا تعدو كونها لعبة صبيان ليس إلا. ولذا لم تراوده رغبة مسحها ورميها بعيداً رغم مشاعر الضيق والحنق التي تنتابه في كل مرة تعلن رنة هاتفه ورودها، لحين ساعة اختطاف وقتل زميله المعلم محمد خيون خريبط العرادي، الذي وُجد قبل يومين مرمياً في منطقة مهجورة خارج العاصمة، بجسد ممزق. عند تلك الحادثة اضطر لمعاودة قراءتها بحثاً عما تخفيه وتضمره من تهديد حقيقي لحياته.
قبل خروجه من الخيمة الشاخصة وسط ساحة التحرير، وكان ذلك قراره الذي اتخذه مساء البارحة، في ساعة ضجر وبعجالة ودون تروٍ، فقد أخذت صور زوجته وأبنائه وحفيديه تراوده بإلحاح، وتضعف إرادته على المطاولة. ستة أيام من الابتعاد عن الأهل والأحفاد بدت جد طويلة ومؤذية، ويحتاج أيضاً لحمام دافئ وملابس نظيفة.
نبهه بعض الأصدقاء لضرورة أخذ الحيطة والحذر إن رغب في الابتعاد عن الساحة، فتلك مسألة تحتاج للكثير من الفطنة والحصافة والحذر الشديد، وبالذات هذه الأيام. فحوادث اختطاف المنتفضين باتت شبه يومية وعلنية أيضاً، وما عادت بذات أهمية تذكر عند السلطات، وشاطرها هذا التغافل اللئيم الكثير من وسائل الإعلام، فهناك من يتعقب المنتفضين منذ لحظة مغادرتهم مكان الاعتصام ويصطادهم مثل طرائد. تكرر ذلك في الأيام الأخيرة بشكل مفزع. فوقائع عمليات القنص ومثلها الاختطاف شارك فيها العديد من الأطراف ذوي الملامح الغائمة، لذا أشار عليه شركاؤه في الخيمة بضرورة اتخاذ الأزقة المتداخلة والبعيدة ممرات للابتعاد عن الساحة.
توقف وقد اعتراه بعض القلق، سار مسافة ليست بالقصيرة، وكان يتلفت بحذر شديد، ثم هرول. توغل في أزقة ملتوية أضاع فيها وقتاً طويلاً، فلم يسبق له أن درج في تلافيفها، وما كان يملك اليقين والدراية بمداخلها ومخارجها. بعدها اجتاز جسراً تمهل وهو يسير فوقه، متأملاً ضجة طيور النورس وهي تقترب من سياجه الحديدي الأخضر، لتلتقط نثار خبز عافه أحدهم.
هبط من الجسر وأخذ يجاور جدران الدكاكين المرصوفة على طول الشارع، ثم اختار التوغل في الأزقة الضيقة، محاولاً الوصول إلى الشارع المفضي لقلب منطقة «علاوي الحلة». لم يتبقَ غير الشيء اليسير ليكون الطريق بعدها سالكاً نحو وسط المنطقة، حيث المرآب الكبير للسيارات. فجأة توقفت بجواره سيارة رباعية الدفع مظللة، وبسرعة فائقة ترجل منها خمسة رجال بملابس مدنية ولحى مشذبة وابتسامات متشفية. بمرافقة سيل كلمات بذيئة، أحاطوه. تسمر مكانه، فلم تمنحه المباغتة فرصة التفكير بالهروب، واختفى لحظتها عن ذهنه رهان ذلك السيناريو الذي سهد وهو يجسده في مسرحية ضج بها رأسه في ليالٍ اشتد سوادها وهو يطالع سقف الخيمة الحاجب لضوء القمر.
كان المكان ضيقاً لا يسمح بحرية الحركة والإفلات، لذا سهل عليهم مهمة محاصرته واعتقاله. كانوا وكأنهم قد دُرّبوا على إتقان مهامهم، مثلما هم رجال الصاعقة في الجيوش النظامية. دون عسر ومقاومة، قيدوا يديه إلى الخلف بأنشوطة بلاستيكية، كانت تضغط على ساعديه، فشعر وكأنها حد سكين، ثم غطوا رأسه بكيس قماش كالح اللون، رفعوه بخفة، وألقوا جسده وسط الحوض الخلفي لسيارتهم. لم تستغرق عملية اختطافه غير دقائق معدودات، فقد كانوا مهيئين لها بشكل جيد وبإتقان احترافي.
توقفت السيارة بعد مسير ما يقارب الساعة، سمع بعدها صوت صرير ثقيل لباب حديدي يفتح.
كانوا بعجالة من أمرهم، لذا سحبوه من حوض السيارة الخلفي ورموه أرضاً فسقط مثل كيس رمل ثقيل. انكفأ على وجهه فوق أرض ترابية، ليجلس أحدهم بجسده الثقيل فوق ظهره، ومع رائحة العطن المنبعثة من غطاء الرأس شعر بالاختناق وضيق وألم شديد في الصدر. تقدم أحدهم وسحبه من ساعده ليساعده على النهوض. اقترب أحدهم منه وضغط بأصابع يابسة كأنها أقلام حديد عند الحفرة الرخوة بين الكتف والرقبة، يبدو بحركته هذه وكأنه يتقن طرق التعذيب. أحس بفحيح يلامس رقبته، ثم صوت يهمس بخبث:
- من الذي دفعك لمثل هذا الموقف المعارض للحكومة؟ إلى أي جهة حزبية تنتمي؟ أخبرنا وإلا سوف يحدث ما لا تتوقعه، ولن يكون في صالحك وصالح عائلتك.
شعر وكأنه سبق له أن سمع هذا الصوت، سمعه يتحدث في أحد أركان ساحة التحرير، في خيمتهم أو بالقرب منها، كان صوتاً خشناً أجشَّ جافاً. جال بتفكيره داخل الخيمة وجوارها، ولكنه لم يستطع بكامل اليقين استحضار وجه صاحب الصوت.
عاد الصوت وكرر أسئلته:
ــ ما الذي جعلك تذهب وأنت في هذا العمر وتحرض الشباب على التظاهر والانتفاض ضد الحكومة؟ أنتم مجموعة «الجوكرية»، سيكون حسابكم عسيراً.
في تلك اللحظة، ودَّ أن يرى وجه هذا الرجل الخبيث، ليتيقن جيداً من ملامحه التي وجدها قفزت فجأة أمام عينيه بكامل قبحها، كان يجلس معهم في الخيمة ذاتها، نعم، يجالسهم هناك. فكر بضرورة الامتناع عن الإفصاح عن معرفته لهذا الشخص، فذلك حتماً سيكون دافعاً لقتله. طلب منهم رفع الغطاء عن رأسه، فرد أحدهم عليه بضربة كف قوية ترنح إثرها ووقع على الأرض، فبدأت ركلاتهم تتوالى بقوة وسرعة. استخدم أحدهم حزاماً جلدياً راح يجلده به، أخذ يتلوى وجعاً وبذل جهداً فائقاً لأجل كتم أنينه. كان يحاول تحاشي الضرب، ولكن مع غطاء الرأس ما كان ليستطيع معرفة من أين تهوي عليه الركلات. استمروا لفترة ليست بالقصيرة شعر وكأنها دهر، ثم أغمي عليه.
استفاق إثر رشاش ماء سُكب على رأسه، ثم سمع الصوت الأجش يأمرهم بالتوقف:
ــ دعوه الآن، فيكفي ابن العاهرة هذا ما تلقاه هذه المرة من أحذية وضرب، لعله يرعوي.
ــ فعل جبناء، تنفردون بنا واحداً تلو الآخر.
ــ أخرس وإلا فجرت رأسك.
ــ افعلها، ماذا تنتظر؟
ــ أرسلوه إلى مركز الشرطة في منطقته ليقبع هناك، وأخبروا الضابط «أبا أنس» بأن هذا الملعون يمارس الدعارة والقمار، ويحتاج لعقوبة قاسية بما يستحق.
ــ أبو رقيه، هذا عنيد ولسانه سليط، ولم ينل اليوم ما يستحقه من تأديب.
ــ أعرف هذا، لعله يتأدب بعد هذا الدرس، خذوه.
رفعوه بخفة ورموه ليتكور جسده في حوض السيارة التي انطلقت نحو مركز الشرطة مخترقة الشوارع دون توقف.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الدكش يكشف ما فعله عموته مع زيزو بعد هدف الاهلي و سر موقف جم
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم محمود التانى تجربة مختلفة و قصة بع
.. اون سيت- أيه الفكرة وراء كتابة أفلام تصلح لكل الأعمار مع الس
.. اون سيت- إياد صالح : فيلم الحريفة أستوحيت شخصياته من مدرستى
.. اون سيت- أزاي قدر إياد صالح أنه يظهر الكوميديا بدون ايحاءات