الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أضحك مع فتاوى مشايخ السلفية
محمد ابراهيم عرفة
كاتب
(Mohamed Ibrahim Arafa)
2026 / 9 / 27
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
المقدمة
توجد بعض الفتاوى المنسوبة إلى عدد من المشايخ السلفيين التي تتناول أمورًا تبدو للإنسان المعاصر شديدة الغرابة، إذ تنتقل الأحكام فيها من القضايا الدينية الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية، مثل التحية العسكرية، وإهداء الزهور للمرضى، وغسل اللحم، واستخدام الإنترنت، بل وحتى أجراس المدارس وأجهزة الإنذار. وفيما يلي مجموعة من هذه الفتاوى كما وردت في النصوص المنقولة، مع التعليق عليها بصورة ساخرة.
تحريم التحية العسكرية
ينسب إلى ناصر بن حمد الفهد القول بتحريم أداء التحية العسكرية؛ لأنها، في نظره، تتضمن نوعًا من الخضوع والخنوع للبشر، وقد جاء في النص المنسوب إليه: «لما في أداء التحية العسكرية من مهانة للمسلم وخضوع وخنوع لبشر، مما قد يجعل الرجل التقي ينحني بالتحية العسكرية لمن هو أقل منه شأناً من ناحية التدين». كما يربط النص بين التحية العسكرية وبين تقليد الغرب، باعتبار أن الرتب والنظم العسكرية الحديثة من مظاهر التأثر بالنموذج الغربي.
وهنا يمكن أن نتساءل ساخرين: هل رفع اليد إلى الجبهة في التحية العسكرية أصبح نوعًا من العبادة؟ العسكري عندما يؤدي التحية لا يسجد لمن أمامه ولا يعبده ولا يعتقد أن له صفة إلهية، وإنما يؤدي رمزًا عسكريًا متعارفًا عليه داخل المؤسسة العسكرية. لكن وفق هذا التصور، يبدو أن الأمر تجاوز التحية العسكرية وأصبح قضية عقدية كاملة!
الزهور أصبحت مشكلة!
ومن الفتاوى التي تستحق التوقف عندها فتوى منسوبة إلى عبد الله بن جبرين حول إهداء الزهور للمرضى. فقد سُئل عن انتشار هذه العادة في المستشفيات، وقيل إنها عادة دخيلة انتقلت من المجتمعات الغربية، فأجاب بأن الزهور لا فائدة فيها، ولا تشفي المريض ولا تخفف الألم، وأن شراءها بأثمان مرتفعة ثم التخلص منها بعد فترة يعد إنفاقًا غير نافع، وأن الأولى صرف المال في شيء آخر.
وهنا يمكن أن نتخيل الموقف داخل المستشفى: يزور شخص صديقه المريض، فيقول له: «كيف حالك؟» فيجيبه المريض: «متعب جدًا». فيقول له: «لا تقلق، أحضرت لك شيئًا». فيسأله المريض: «دواء؟» فيجيبه: «لا». «طعام؟» «لا». «إذن ماذا؟» «زهور!» وهنا يظهر الفقيه فجأة: «أعدها من حيث أتيت، فهذا تقليد للغرب!».
وبعيدًا عن السخرية، فالنص نفسه يركز أساسًا على عدم فائدة إنفاق المال على الزهور، لا على كون الزهور شيئًا ضارًا في ذاتها. لكن يبقى السؤال: هل كل شيء لا يعالج المرض يكون بلا قيمة؟ فالزهور قد لا تشفي الجسد، لكنها قد تكون وسيلة للتعبير عن المحبة والمواساة ورفع الحالة المعنوية للمريض.
غسل اللحم بدعة!
ومن الفتاوى التي تبدو غريبة للقارئ المعاصر ما نُقل عن ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (21/523)، حيث جاء في النص: «بل إن غسل اللحم بدعة». ويستدل الكلام بأن الصحابة كانوا يأخذون اللحم فيطبخونه ويأكلونه من غير غسل.
وهنا يدخل الإنسان إلى المطبخ فيجد نفسه أمام معركة فقهية: «ماذا تفعل؟» «أغسل اللحم». «توقف! هذه بدعة!». وهكذا يتحول غسل قطعة لحم إلى مسألة تحتاج إلى حكم شرعي.
وبالطبع، ينبغي التفريق بين كلام فقهي تاريخي قيل في سياق معين وبين الإرشادات الصحية الحديثة المتعلقة بالتعامل مع اللحوم النيئة؛ فالمسألة الصحية اليوم تُبحث وفق علم الأحياء الدقيقة وقواعد سلامة الغذاء، لا بمجرد ما كان يفعله الناس في العصور القديمة.
الإنترنت حرام على النساء!
ومن أكثر النصوص إثارة للدهشة النص المنسوب إلى عثمان الخميس بشأن دخول المرأة إلى الإنترنت، حيث جاء فيه: «وحكم دخول المرأة للإنترنت حرام حرام حرام»، مع اشتراط وجود أحد المحارم معها بسبب ما يمكن أن يوجد في شبكة الإنترنت من الفتن.
وهنا نصل إلى صورة طريفة جدًا: امرأة تريد أن تدخل الإنترنت لتقرأ كتابًا، فيقال لها: «لا». فتقول: «أريد أن أتعلم لغة». «لا». «أريد أن أبحث عن وصفة طبخ». «لا». «لماذا؟» «لأن الإنترنت فيه فتن!».
وهنا يبرز سؤال منطقي: هل المشكلة في الإنترنت نفسه أم في بعض المحتوى الموجود عليه؟ فالإنترنت وسيلة يمكن استخدامها في التعليم والبحث والعمل والتواصل، كما يمكن استخدامه في أشياء محرمة. ولذلك فإن الخلط بين الوسيلة وبين كل ما يمكن أن يُفعل من خلالها يؤدي إلى أحكام شديدة الاتساع.
جرس المدرسة حرام!
ولا تتوقف الحكاية عند الإنترنت والزهور واللحم؛ فقد تناول كتاب «كشف الغلس في حكم الجرس» المنسوب إلى ماهر بن ظافر القحطاني مسألة الأجراس، وذهب النص إلى أن الأجراس المعاصرة تدخل في الحكم نفسه بسبب تشابه صوتها مع الجرس المنهي عنه، ومن أمثلتها جرس الحصص الدراسية، وجرس المنبه في الساعة، وجرس إنذار الحريق، وجرس التنبيه في السيارات.
وهنا تبدأ الكوميديا الحقيقية. تخيل مدرسة بلا جرس: ينظر الطلاب إلى الساعة، وينظر المعلم إلى الطلاب، وينظر الطلاب إلى المعلم، ثم يقول المعلم: «أظن أن الحصة انتهت». فيسأله الطلاب: «كيف عرفت؟» فيجيب: «بالاجتهاد!».
أما جرس إنذار الحريق فالمسألة تصبح أكثر إثارة: «النار تشتعل! شغّل جرس الإنذار!» فيرد شخص ما: «لا نستطيع، الجرس حرام!».
وبعيدًا عن السخرية، فالمسألة هنا تكشف أهمية النظر إلى وظيفة الشيء وسياقه، لا إلى مجرد التشابه في الصوت أو الشكل. فالجرس الذي كان له استخدام معين في سياق تاريخي ليس بالضرورة هو نفسه جهاز الإنذار الحديث الذي يؤدي وظيفة مختلفة تمامًا.
عندما يصبح كل شيء سؤالًا فقهيًا
هذه الأمثلة تثير سؤالًا أوسع من مجرد الضحك على فتوى هنا أو هناك: كيف تنتقل بعض الأحكام من موضوعات دينية أصلية إلى أشياء حديثة بسبب التشابه في الشكل أو الصوت أو الاستخدام؟ وهل يكفي مجرد التشابه بين شيئين لإلحاق أحدهما بالآخر في الحكم؟
فالتحية العسكرية رمز تنظيمي، والزهور وسيلة للتعبير عن المشاعر، والإنترنت أداة متعددة الاستخدامات، والجرس يمكن أن يكون وسيلة لتنظيم الوقت أو التحذير من الخطر، وغسل الطعام مسألة تتداخل فيها الاعتبارات الصحية والعادات الغذائية.
ومن هنا يصبح النقاش الفلسفي والفقهي الحقيقي متعلقًا بمفهوم «العلة» والقياس والسياق وتغير الموضوع والوظيفة، وليس بمجرد السؤال: «هل هذا الشيء يشبه شيئًا آخر؟».
وفي النهاية، تبدو لنا هذه المجموعة وكأنها تقول إن الإنسان يستطيع أن يجد سؤالًا فقهيًا تقريبًا في كل شيء: جرس؟ فتوى. زهرة؟ فتوى. لحم؟ فتوى. إنترنت؟ فتوى. تحية عسكرية؟ فتوى.
وبقي السؤال الأخير: ماذا لو اكتشفوا زر «كتم الصوت»؟!
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الكيل بمكيالين هولندا تترك الإخوان الإرهابيين وتلقي القبض
.. وقفة سلمية للمصريين بهولندا أمام السفارة احتجاجًا على تجاوزا
.. عظة الاحد - القمص مينا القمص بولس: قراءات الأحاد في الكنيسة
.. الرئيس السيسي: تحدثنا على أهمية إعداد الوعاظ والعلماء فيما ي
.. مساعد طيار فلاي دبي وفكر الإخوان.. ماذا كشفت تحقيقات النائب