الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لبنان بين الطائفية والمشروع القومي: جدلية الانقسام والسيادة نقد البنية الطائفية وإمكانات التحوّل نحو دولة وطنية
حسن خليل غريب
2026 / 10 / 1العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
يمثّل لبنان حالة نموذجية لأزمة الدولة في العالم العربي، حيث يتعايش مشروعان متناقضان: مشروع الطائفية الذي يُعيد إنتاج الانقسام ويُبقي الدولة رهينة للتدخلات الخارجية، ومشروع قومي يسعى إلى بناء دولة وطنية كاملة السيادة.
هذا التناقض يتجاوز حدود السياسة اليومية ليصبح صراعًا وجوديًا بين منطق المزرعة الطائفية ومنطق الدولة الحديثة.
في هذا السياق، يبرز المشروع القومي العربي كإطار تحرري قادر على إعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس المواطنة الجامعة، فيما تكشف الطائفية عن كونها أداة يستخدمها الاستعمار لإضعاف الدولة وإدامة التبعية.
إن دراسة هذه الجدلية تفتح الباب أمام فهم أعمق لإمكانات التحوّل في لبنان، سواء عبر استلهام تجارب عربية أخرى أو عبر مواجهة التحديات البنيوية الداخلية.
أولاً: الطائفية ما لها وما عليها:
1-الطائفية عامل داخلي تستفيد منه القوى الاستعمارية: النظام الطائفي ليس مجرد تقليد اجتماعي، بل أداة استعمارية أُعيد إنتاجها منذ تأسيس الكيان اللبناني. الطائفية تُحوّل الدولة إلى اتحاد طوائف، وتُبقيها عاجزة عن ممارسة سيادة حقيقية. بهذا المعنى، الطائفية ليست مجرد خلل داخلي فحسب، بل جزء من مشروع خارجي لإبقاء لبنان ضعيفًا ومفتتًا.
2-المشروع القومي كبديل جذري: في مواجهة الطائفية، يطرح المشروع القومي رؤية بديلة تقوم على المواطنة والهوية الوطنية الجامعة. هذا المشروع لا يكتفي بإصلاحات جزئية، بل يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس علمانية وديمقراطية، بحيث يصبح الانتماء للوطن لا للطائفة. هنا يظهر التناقض الجذري: إما دولة مواطنة حديثة، أو مزرعة طائفية تُدار بمنطق المحاصصة.
3-العدالة الاجتماعية كشرط للاستقرار: الطائفية تتغذى من الفقر والتهميش، بينما العدالة الاجتماعية تُضعف منطق الانقسام. لذلك، فإن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح من دون إصلاح اقتصادي–اجتماعي يضمن التنمية المتوازنة بين المناطق. العدالة الاجتماعية ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل شرط سياسي لبناء دولة حديثة.
4-المقارنة مع تجارب عربية أخرى: في تونس، مثّل الدستور المدني بعد الثورة محاولة لتجاوز الانقسامات وبناء دولة المواطنة. وفي الجزائر، شكّل المشروع القومي بعد الاستقلال إطارًا لبناء دولة حديثة رغم التحديات. هذه التجارب تؤكد أن تجاوز الانقسام ممكن، وأن الطائفية ليست قدرًا محتومًا، بل خيار سياسي يمكن تغييره.
وفي الخلاصة، يقف لبنان أمام مفترق طرق تاريخي، إما الاستمرار في منطق المزرعة الطائفية الذي يُعيد إنتاج الانقسام ويُبقي الدولة رهينة للتدخلات الخارجية، أو الانخراط في مشروع قومي حديث يعيد تأسيس الدولة على أسس المواطنة والعلمانية والعدالة الاجتماعية. التناقض بين الطائفية والمشروع القومي ليس مجرد جدل فكري، بل صراع وجودي يحدد مستقبل لبنان كدولة كاملة السيادة أو ككيان هشّ مفتّت. إن تجاوز الطائفية ليس خيارًا إصلاحيًا جزئيًا، بل ضرورة تاريخية لبقاء لبنان في محيطه العربي كدولة وطنية حديثة.
ثانياً: الحركات الدينية السياسية تحمل سلبيات بنيوية عميقة:
تمثّل الحركات الدينية السياسية نقيضًا لمشروع الدولة الوطنية والقومية. إن هذه الحركات لا تُنتج مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل تُعيد إنتاج الانقسام والارتهان. ويمكن تلخيص سلبيات هذه العلاقة في النقاط التالية:
1-تقويض مفهوم الدولة الوطنية: الحركات الدينية السياسية، تُقدّم الولاء للعقيدة أو المذهب على حساب الولاء للوطن، ما يؤدي إلى تفكيك الدولة وتحويلها إلى كيانات مذهبية متنازعة. هذا التوجّه يُضعف فكرة السيادة الوطنية ويجعل الدولة رهينة لمرجعيات دينية خارجية.
2-تعطيل المشروع القومي العربي: إن المشروع القومي العربي يقوم على وحدة المصير والهوية، بينما الحركات الدينية السياسية تُعيد تعريف الانتماء على أساس ديني أو مذهبي، مما يُفكّك الروابط القومية ويحوّل الصراع من وطني إلى طائفي.
3-تبرير التدخل الخارجي: حين تُقدّم هذه الحركات نفسها كحامية لطائفة أو مذهب، فإنها تفتح الباب أمام القوى الإقليمية والدولية للتدخل تحت شعار "حماية الأقليات" أو "نصرة المؤمنين"، وهو ما يكرّس التبعية ويُضعف استقلال القرار الوطني.
4-إلغاء العقل النقدي: توظيف الدين في السياسة يُحوّل العقيدة إلى أداة تعبئة عاطفية، ويُقصي الفكر النقدي والعقلاني الذي تحتاجه المجتمعات لبناء نهضتها. بذلك، تتحوّل السياسة إلى ساحة للفتاوى لا للحوار الوطني.
5-إجهاض الإصلاح الاجتماعي: الحركات الدينية السياسية تميل إلى المحافظة على البنى التقليدية، وتُعارض الإصلاحات التي تمسّ بنية السلطة أو العلاقات الاجتماعية، مما يُعيق التطور الديمقراطي والعدالة الاجتماعية التي تُشكِّل أساسًا لبناء الدولة الحديثة.
وفي الخلاصة، إن العلاقة مع الحركات الدينية السياسية هي علاقة تُنتج الانقسام لا الوحدة، والتبعية لا السيادة. فهي تُضعف المشروع الوطني اللبناني، وتُحوّل الدين من منظومة قيمية إلى أداة صراع سياسي. لذلك، يجب فصل الدين عن الدولة، وإلى بناء مشروع قومي–مدني يُعيد الاعتبار للمواطنة والعقل النقدي، باعتبارهما الطريق الوحيد لخلاص لبنان والعالم العربي من الطائفية السياسية ومن هيمنة الأيديولوجيا الدينية على المجال العام.
ثالثاً: إيجابية في العلاقة مع العمق العربي، وسلبية العلاقة مع القوى التي تُصدِّر الطائفية،
1-العلاقة بين المشروع القومي العربي وخلاص لبنان من الطائفية السياسية: هي علاقة تفاعلية ذات انعكاسات إيجابية متبادلة، لأن كليهما يقوم على فكرة تجاوز الانقسام الداخلي وبناء هوية جامعة. حسن خليل غريب، في مقالاته الفكرية، يرى أن المشروع القومي العربي ليس مجرد إطار سياسي، بل هو منظومة قيمية يمكن أن تعيد للبنان توازنه الوطني.
2-المشروع القومي كإطار للتحرر من الطائفية: المشروع القومي العربي يقدّم للبنان نموذجًا بديلًا عن الانتماءات الطائفية، إذ يربط الهوية الوطنية بالانتماء العربي لا بالمذهب أو الطائفة. هذا التحول الفكري يفتح الباب أمام بناء دولة المواطنة، حيث يصبح الولاء للوطن لا للطائفة، وهو ما يضعف جذور النظام الطائفي من الداخل.
3-لبنان كمنبر لتجديد الفكرة القومية: في المقابل، يقدّم لبنان للمشروع القومي العربي تجربة فكرية غنية، لأن تعدديته الثقافية والدينية يمكن أن تتحوّل من مصدر انقسام إلى نموذج للتعايش العربي. عندما يتحرّر لبنان من الطائفية، يصبح نموذجًا مصغّرًا لوحدة عربية ممكنة، ويبرهن أن القومية ليست إلغاءً للتنوع بل تنظيمًا له في إطار وطني جامع.
4-ثالثاً: التكامل بين البعدين السياسي والثقافي: المشروع القومي العربي يوفّر للبنان مظلة سياسية تحميه من الارتهان للخارج، بينما يقدّم لبنان للمشروع القومي بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا يعزّز فكرة الحرية والتعدد. هذا التكامل يجعل من القومية العربية مشروعًا واقعيًا لا شعاراتيًا، ويحوّلها إلى أداة لبناء الدولة الحديثة.
5-إعادة تعريف السيادة: السيادة لا تُبنى فقط على استقلال القرار السياسي، بل على استقلال الوعي الجمعي. المشروع القومي العربي يعيد للبنان عمقه العربي، فيتحرّر من الارتهان للمحاور الإقليمية، ويستعيد دوره الطبيعي كجسر بين المشرق والمغرب العربيين.
وفي الخلاصة، الانعكاسات الإيجابية المتبادلة بين المشروع القومي العربي وخلاص لبنان من الطائفية السياسية تكمن في أن كليهما يعيد تعريف الهوية على أساس المواطنة والانتماء القومي، لا على أساس الطائفة أو الولاء الخارجي. فكلما تقدّم المشروع القومي في المنطقة، ازدادت فرص لبنان للتحرّر من نظامه الطائفي، وكلما اقترب لبنان من بناء دولة وطنية حديثة، ازداد المشروع القومي العربي واقعيةً ومصداقيةً.
هذا التفاعل المتبادل هو ما يجعل من فكرة القومية العربية، أفقًا للتحرّر الوطني ومدخلًا لبناء الدولة الحديثة في لبنان والعالم العربي معًا.
الخاتمة العامة
يقف لبنان أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في منطق الطائفية الذي يُعيد إنتاج الانقسام ويُبقي الدولة رهينة للتدخلات الخارجية، أو الانخراط في مشروع قومي حديث يعيد تأسيس الدولة على أسس المواطنة والعلمانية والعدالة الاجتماعية. العلاقة الإيجابية مع العمق العربي تمنح لبنان فرصة للتحرّر من أزماته البنيوية، بينما العلاقة السلبية مع الحركات الدينية السياسية تُعيد إنتاج الانقسام وتفتح الباب أمام التبعية. إن تجاوز الطائفية ليس خيارًا إصلاحيًا جزئيًا، بل ضرورة تاريخية لبقاء لبنان كدولة وطنية حديثة في محيطه العربي. بهذا المعنى، يصبح المشروع القومي العربي ليس مجرد بديل فكري، بل أفقًا للتحرّر الوطني ومدخلًا لبناء دولة حديثة قادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الكيل بمكيالين هولندا تترك الإخوان الإرهابيين وتلقي القبض
.. وقفة سلمية للمصريين بهولندا أمام السفارة احتجاجًا على تجاوزا
.. عظة الاحد - القمص مينا القمص بولس: قراءات الأحاد في الكنيسة
.. الرئيس السيسي: تحدثنا على أهمية إعداد الوعاظ والعلماء فيما ي
.. مساعد طيار فلاي دبي وفكر الإخوان.. ماذا كشفت تحقيقات النائب