الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كيف تبني دول الخليج امنها؟

حسين علي الحمداني

2026 / 10 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


هناك في الشرق الأوسط أكثر من طريقة لبناء الأمن، وكل دولة اختارت النموذج الذي يناسب جغرافيتها وحجم سكانها وطبيعة التهديدات التي تواجهها. ويمكن النظر إلى التجربة الإقليمية من خلال ثلاثة نماذج رئيسية.
النموذج الأول هو نموذج الجيش الكبير، كما في إيران وإسرائيل والعراق في زمن صدام حسين. يقوم هذا النموذج على العقيدة القتالية، والتجنيد، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، وبناء قوة قادرة على خوض حروب طويلة. وهو نموذج يمنح الدولة قدرة كبيرة على الردع، لكنه مكلف اقتصادياً، ويتطلب موارد بشرية ومالية ضخمة، وقد يتأثر بالعقوبات أو بانهيار الاقتصاد كما حدث في العراق.
النموذج الثاني هو نموذج الدول التي أصبح الجيش فيها مؤسسة مركزية في الدولة، كما في مصر وسوريا والجزائر وتركيا خلال مراحل مختلفة من تاريخها. فالجيش هنا لا يؤدي وظيفة الدفاع الخارجي فقط، وإنما يشارك بدرجات متفاوتة في إدارة الاقتصاد والسياسة والحفاظ على تماسك الدولة ومنع الانقلابات. وقد وفر هذا النموذج استقراراً في بعض المراحل، لكنه وضع أعباء كبيرة على الاقتصاد، وأحياناً جعل المؤسسة العسكرية طرفاً أساسياً في الحياة السياسية.
أما دول الخليج، فلم يكن بإمكانها ببساطة اتباع أي من النموذجين. فعدد مواطني دول مجلس التعاون مجتمعين محدود مقارنة بجيرانها الكبار، ولذلك طورت خلال العقود الماضية نموذجاً مختلفاً يمكن تسميته «الأمن بالشبكة».
بدأت هذه الشبكة من تدويل الأمن. فمنذ لقاء الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود عام 1945، أصبحت العلاقة بين أمن الخليج والقوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، جزءاً من المعادلة الاستراتيجية للمنطقة. واليوم توجد قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية مهمة في قطر والإمارات والكويت والبحرين، إلى جانب وجود عسكري لقوى أخرى، الأمر الذي جعل أمن الخليج مرتبطاً بمصالح دول كبرى خارج حدوده.
ثم جاءت الطبقة الثانية: القوة الاقتصادية. فدول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات وقطر، لم تكتفِ ببناء احتياطيات مالية ضخمة، بل أصبحت صناديقها السيادية مستثمرة في قطاعات وشركات وأسواق عالمية. وهنا تتحول الثروة من مجرد وسيلة للإنفاق إلى جزء من منظومة النفوذ والحماية. فاستقرار الخليج لم يعد شأناً إقليمياً فقط، وإنما أصبح مرتبطاً بمصالح مالية واقتصادية في عواصم وأسواق عالمية.
أما الطبقة الثالثة فهي محاولة بناء الاستقرار في المحيط. فقد استخدمت دول الخليج المساعدات والودائع والاستثمارات لدعم دول عربية وإقليمية تواجه أزمات اقتصادية أو سياسية. والفكرة واضحة: كلما كان الجار أكثر استقراراً، قل احتمال تحول أزماته إلى تهديد أمني عابر للحدود.
داخلياً، قامت المعادلة الخليجية على عقد اجتماعي مختلف أيضاً: مستوى مرتفع من الخدمات والدعم وفرص العمل مقابل درجة عالية من الاستقرار السياسي. وقد ساعدت الثروة النفطية على توفير السكن والطاقة والدعم والخدمات، إلى جانب بناء أجهزة أمنية ومؤسسات دولة قادرة على احتواء الاضطرابات قبل تحولها إلى أزمات واسعة.
وفي العقد الأخير أضيفت طبقة جديدة هي القوة الناعمة. كأس العالم في قطر، وإكسبو دبي، وموسم الرياض، والمشروعات السياحية والعمرانية الكبرى، وشركات الطيران والمطارات، كلها أصبحت جزءاً من صورة الدولة وأدوات نفوذها. فكلما ارتبطت الدولة بشبكات السياحة والطيران والاستثمار والتجارة العالمية، أصبح استهدافها أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً.
والفرق الجوهري بين هذه المدارس يكمن في السؤال الذي تطرحه كل دولة على نفسها. بعض الدول تسأل: كيف أربح الحرب؟ فتجيب ببناء جيش أقوى. ودول أخرى تسأل: كيف أحافظ على تماسك الدولة وأمن النظام؟ فتمنح المؤسسة العسكرية دوراً واسعاً. أما النموذج الخليجي فيطرح سؤالاً مختلفاً: كيف أمنع الحرب من الوصول إليّ أصلاً؟
ولهذا فإن الأمن الخليجي لا يوجد في الثكنة وحدها، بل في القاعدة العسكرية، والبنك، والصندوق السيادي، والمطار، وشركات الطيران، والاستثمارات العالمية، والعلاقات الدولية، والقوة الناعمة.
لكن هذا النموذج ليس محصناً من المخاطر. فهو يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار الشراكات الدولية، ويتأثر بأسعار الطاقة، ويبقى حساساً لأي تهديد لطرق الملاحة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، كما أن الاعتماد على الحماية الخارجية يظل نقطة نقاش استراتيجية مستمرة.
ومع ذلك، فإن التجربة الخليجية تقدم نموذجاً مختلفاً في بناء الأمن: بدلاً من بناء جدار عسكري حول الدولة، بنت شبكة من المصالح حولها. وربما تكمن قوة هذه الشبكة في أن حماية الخليج لم تعد مصلحة خليجية فقط، بل أصبحت مصلحة اقتصادية واستراتيجية لعدد كبير من القوى الدولية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المختص بالشأن الإيراني حسن أحمديان: اتهام إيران بشأن قاعدة ف


.. بريطانيا تستدعي السفير الإيراني عقب اتهام إيران بمحاولة استه




.. ماذا قال ماكرون عن احتجاجات طلاب الثانويات؟


.. كيف تؤثر معارك الدلنج على خطوط إمداد الجيش السوداني؟




.. من بساتين عامرة إلى أراض مجرفة.. حكاية موسم الزيتون في غزة