الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
داود السلمان
2026 / 10 / 3الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ما قرأت ليوسف كرم من كتب: تاريخ الفلسفة اليونانية، تاريخ الفلسفة الأوروبية، تاريخ الفلسفة الحديثة، العقل والوجود، والطبيعة وما بعد الطبيعة. وكان أسلوبه المميز هو ما جعلني أُعجب به؛ فقد كان قادرًا على أن يقدم الأفكار الفلسفية بلغة واضحة، رصينة، بعيدة عن التعقيد المتكلف، من غير أن يفقدها عمقها، هذا ما كنت اراه في هذا الكاتب. وحين يكتب عن فيلسوف أو مذهب، تشعر أنك أمام عقل مرتب يعرف كيف يمسك بخيوط المسألة، وكيف يقود القارئ من فكرة إلى أخرى دون أن يضيعه في متاهات الاصطلاحات، لها أول وليس لها آخر.
وليوسف كرم فضيلة لا أجدها دائمًا عند المؤرخين للفلسفة: إنه لا يكتفي بسرد تاريخ الأفكار، بل يحاول أن يفهم منطقها الداخلي، وأن يضع كل فيلسوف في سياقه الفكري. ولهذا وجدت في كتبه متعة خاصة، خصوصًا حين يتناول الفلسفة اليونانية أو الفلسفة الحديثة؛ فهو يملك قدرة واضحة على التلخيص والترتيب وإعادة بناء المشهد الفلسفي بحيث يبدو للقارئ متصل الحلقات.
لكن ثمة رأيًا ينفرد به، أو على الأقل يلفت النظر بشدة، وهو أنه لا يعتبر نيتشه فيلسوفًا، بل يرى فيه أديبًا جعل نفسه فيلسوفًا. وهذا، بالنسبة إليّ، هو الرأي الذي يصعب عليّ أن أتجاوزه أو أن أتسامح معه، حتى وأنا أقدّر يوسف كرم وأعجب بمنهجه وأسلوبه. بل أجد أن هذا الحكم تحديدًا يضع بيني وبينه مسافة لا أجدها حين أقرأ له عن سقراط أو أفلاطون أو أرسطو أو ديكارت أو كانط أو اسبينوزا.
المشكلة ليست في أن يختلف كرم مع نيتشه؛ فالاختلاف مع نيتشه أمر طبيعي، بل ربما كان نيتشه نفسه من أكثر الفلاسفة الذين يستفزون الاختلاف. ويمكن للمرء أن يرفض جانبًا كبيرًا من فلسفته، وأن يعترض على مفهومه للأخلاق، أو على نقده للمسيحية، أو على حديثه عن إرادة القوة، أو على أسلوبه في الكتابة، من غير أن ينكر عنه الصفة الفلسفية. فكون الفيلسوف مثيرًا للجدل لا يجعله أقل فلسفة.
والأهم أن نيتشه لم يكن مجرد أديب يستخدم الفلسفة مادة للزخرفة الأدبية. صحيح أن أسلوبه أدبي بامتياز، لاسيما في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وأنه كتب بالأمثال والشذرات والاستعارات، وأن عبارته كثيرًا ما تحمل جمالًا أدبيًا لا نجده في الكتابة الفلسفية التقليدية. لكنه استخدم هذا الأسلوب ليعيد طرح أسئلة فلسفية شديدة الجذر: ما حقيقة القيم الأخلاقية؟ من أين جاءت؟ هل الأخلاق التي ورثناها مطلقة أم لها تاريخ وشروط؟ ما الذي يجعل الإنسان يطيع قيمة معينة؟ هل الحقيقة غاية في ذاتها؟ وما علاقة المعرفة بالحياة والقوة والرغبة؟
هذه ليست أسئلة أديب قرر أن يتفلسف؛ إنها أسئلة تقع في صميم الفلسفة، حتى لو كانت طريقة نيتشه في تناولها مختلفة عن الطريقة التي اعتادها الفلاسفة المدرسيون أو النسقيون.
وربما هنا يكمن سبب الالتباس في الحكم على نيتشه. وهنا لا نريد أن نعيد ما قلناه في فصل خاص حول نيتشه في هذا الكتاب. لقد اعتدنا أن نبحث عن الفيلسوف في بناء نسق متكامل، وفي التعريفات الدقيقة، وفي البرهنة المتدرجة، وفي المصطلحات التي تظل ثابتة من أول الكتاب إلى آخره. وإذا جعلنا هذا النموذج هو المعيار الوحيد للفلسفة، فإن نيتشه سيبدو غريبًا، بل عصيًا على التصنيف. لكنه لم يكن يحاول أن يكون كانط آخر، ولا هيغل آخر. لقد أراد أن يغير طريقة السؤال نفسها.
ولعل من المفارقات أن يوسف كرم، بحكم اهتمامه بتاريخ الفلسفة، كان يدرك أن الفلسفة لم تكن دائمًا على صورة واحدة. سقراط لم يترك مؤلفات، وأفلاطون كتب محاورات، وأوغسطين مزج التأمل الفلسفي باللاهوت والسيرة، وباسكال كتب شذرات، وشوبنهاور جمع بين التحليل الفلسفي والأسلوب الأدبي. فهل يكفي اختلاف الأسلوب عن النموذج المألوف لإخراج صاحبه من تاريخ الفلسفة؟
قد يكون من المشروع القول إن نيتشه أديب فيلسوف، أو فيلسوف ذو موهبة أدبية استثنائية. أما قلب المعادلة والقول إنه أديب جعل نفسه فيلسوفًا، فأراه حكمًا يضيّق معنى الفلسفة أكثر مما ينبغي. فالفلسفة ليست جنسًا أدبيًا له شكل واحد، وإنما هي قبل كل شيء طريقة في مساءلة الأفكار والمفاهيم والقيم ومحاولة الكشف عن أسسها ونتائجها.
ومع ذلك، لا ينقص هذا الاعتراض من قيمة يوسف كرم عندي. بل ربما يجعل قراءته أكثر إثارة؛ فالكاتب الذي نعجب به ليس بالضرورة الكاتب الذي نتفق معه في كل شيء. وأحيانًا يكون الاختلاف مع شخصية فكرية أحببناها أكثر فائدة من الاتفاق معها، لأنه يجبرنا على العودة إلى النصوص، ومراجعة أحكامنا، والسؤال عن معنى الفلسفة نفسها.
لقد جعلني يوسف كرم أحب تاريخ الفلسفة، وربما جعلني اختلافه مع نيتشه أقرأ نيتشه بعناد أكبر. وهذه مفارقة جميلة: أن يفتح لك فيلسوف بابًا إلى الفلسفة، ثم يدفعك رأيه في فيلسوف آخر إلى إعادة النظر في معنى الفيلسوف ذاته.
لهذا أستطيع أن أقول إن إعجابي بيوسف كرم باقٍ، لكن تحفظي على موقفه من نيتشه باقٍ أيضًا. وأجد أن الحكم على نيتشه بأنه «أديب جعل نفسه فيلسوفًا» لا ينصف المشروع الفكري الذي تركه وراءه. يمكن نقد نيتشه، ويمكن رفض كثير من أفكاره، ويمكن حتى القول إن أدبيته طغت أحيانًا على برهانه؛ لكن هذا كله شيء، ونفي الصفة الفلسفية عنه شيء آخر تمامًا. وفي تقديري، كان نيتشه فيلسوفًا، لكنه اختار أن يكتب الفلسفة بطريقة جعلت الحدود بين الفلسفة والأدب أقل وضوحًا، وربما كان هذا تحديدًا أحد أسباب بقاء أثره إلى اليوم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد قصف الرياض.. هل يدافع ترمب عن السعودية أم يترك الرد لحلف
.. ترمب: يجب تغيير زيلنسكي - شبكات
.. هجوم مرعب من نمر مفترس على شاب.. فكيف قاومه؟ - شبكات
.. طرد محجبات من المدارس في أذربيجان.. هل حظر الحجاب؟ - شبكات
.. الخامسة | -الرد سيكون حاسما-.. التحالف يتوعد ميليشيا الحوثي