الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رأس المال الرقمي الأردني: الثقة أولاً
رانيا غازي أبو غوش
2026 / 10 / 3الادارة و الاقتصاد
البنية الجديدة لرأس المال الرقمي الأردني: الثقة أولاً
لا ينتقل رأس المال إلى البيئة الرقمية لأن السوق أطلق منصة حديثة أو أتاح تطبيقاً جديداً، بل لأنه يجد منظومة تحمي الملكية، وتضمن سلامة التسعير، وتوفر المعلومة في وقتها، وتضع حدوداً واضحة للمخاطر. هذه هي المرحلة التي يدخلها الأردن اليوم: الانتقال من رقمنة الأدوات إلى بناء الثقة بوصفها بنية تحتية للاستثمار.
تظهر الأرقام أن سوق رأس المال الأردني يملك قاعدة حقيقية لهذا الانتقال. فقد حققت الشركات المدرجة في بورصة عمّان أرباحاً بعد الضريبة بلغت 1.2005 مليار دينار في النصف الأول من عام 2026، بارتفاع 14.3% عن الفترة المقابلة. وارتفعت القيمة السوقية إلى 28.8 مليار دينار، فيما وصل متوسط التداول اليومي إلى 13.6 مليون دينار، مقابل 8.8 مليون دينار في الفترة نفسها من عام 2025. هذه مؤشرات إيجابية، لكنها لا تعني أن التحدي انتهى؛ فالنمو المالي يحتاج دائماً إلى سوق أكثر عمقاً وشفافية وقدرة على استيعاب المستثمر المحلي والأجنبي.
تأتي منصة التداول الإلكترونية المحدّثة Optiq في قلب هذا التحول. فالقيمة الحقيقية للمنصة ليست في سرعة تنفيذ الأمر فقط، بل في تحسين آلية اكتشاف السعر. واعتماد مزاد ما قبل الإغلاق يوسّع مشاركة المتعاملين في تحديد سعر الإغلاق، ويعزز عدالة التسعير، ويحد من احتمالات التأثير غير الطبيعي في الأسعار. وهذه خطوة مهمة لأن سعر الإغلاق ليس رقماً فنياً عابراً؛ بل مرجع للقيمة السوقية، ولقرارات المحافظ الاستثمارية، ولتقييم الأداء والائتمان والضمانات. ويمكن تلخيص هذه الفكرة بمعادلة مالية مبسطة:
كفاءة السوق = شفافية الإفصاح + عدالة التسعير + سيولة التداول − مخاطر التلاعب وعدم تماثل المعلومات
وفي هذا السياق، يمثل نظام الإفصاح الإلكتروني بلغة XBRL تقدماً مؤسسياً مهماً. فقد زودت 99% من الشركات المدرجة، وعددها 155 شركة، البورصة ببياناتها المالية المرحلية للنصف الأول ضمن المدة المحددة. والنتيجة ليست امتثالاً شكلياً؛ بل تخفيض كلفة الوصول إلى المعلومة، وتضييق الفجوة بين المستثمر الكبير والمستثمر الفرد، وتحسين قدرة السوق على تسعير الأصول وفق الحقائق لا وفق الشائعات.
وتزداد حساسية هذا الملف مع حجم مساهمة المستثمرين غير الأردنيين، التي بلغت 46.2% من القيمة السوقية للشركات المدرجة بنهاية آب 2026. كما بلغت مشترياتهم منذ بداية العام حتى نهاية آب نحو 262 مليون دينار، مقابل مبيعات بقيمة 329.7 مليون دينار، أي صافي بيع يقارب 67.7 مليون دينار. وهذه الأرقام لا تصلح وحدها لإصدار حكم على اتجاه الاستثمار، لكنها تؤكد أن رأس المال الخارجي لا يكتفي بالنمو والأرباح؛ بل يراقب جودة الحوكمة، واستقرار القواعد، وعمق السيولة، وسهولة الخروج والدخول في السوق.
من هنا، لا ينبغي اختزال الأصول الافتراضية في النقاش حول المضاربة. الأردن يسير في مسار أكثر انضباطاً: قانون لتنظيم التعامل بالأصول الافتراضية، ونظام لترخيص مزودي خدماتها، ومشروع تعليمات تنفيذية يركز على الشفافية، وحماية أصول العملاء، وضبط التسويق والإعلان. وبالتوازي، يضع مشروع قانون الأوراق المالية المعدل لسنة 2026 إطاراً لتطوير الأوراق المالية الرقمية ومواءمة اختصاصات الهيئة مع التحولات الجديدة. وهذه مشاريع تشريعية في مسارها الدستوري والتنظيمي، ويجب التعامل معها بدقة بوصفها بنية قيد الاستكمال، لا كإنجاز مكتمل قبل نفاذه. المعادلة الأهم ليست تقنية، بل حوكمية:
قيمة الثقة الرقمية = حماية أموال العملاء + يقين تشريعي + أمن سيبراني + رقابة على التداول − مخاطر الاحتيال وغسل الأموال والتعطل التشغيلي
ولهذا يكتسب مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية خاصة، مع إدراج مزودي خدمات الأصول الافتراضية ضمن الجهات المبلغة، وتوسيع أدوات العناية الواجبة وتتبع العمليات المشبوهة. فالسوق الرقمية التي لا تحمي نفسها من الأموال غير المشروعة لا تجذب استثماراً مؤسسياً طويل الأجل، مهما بلغت كفاءة منصاتها.
وتتسق هذه الخطوات مع البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029، الذي يضع أمام هيئة الأوراق المالية مساراً واضحاً: خطة للتحول الرقمي في سوق رأس المال، ونظام رقابي للتداول، ومنصة إلكترونية لفصل أموال الوسطاء عن أموال العملاء، وتنشيط السوق الثانوية للسندات. والهدف الأعمق ليس رقمنة الإجراءات، بل تحويل سوق رأس المال إلى قناة أكثر كفاءة لتمويل الشركات والمشروعات، وتنويع أدوات الاستثمار، وتقليل الاعتماد المفرط على التمويل المصرفي التقليدي.
الاختبار الحقيقي في تشرين الأول ليس إطلاق خدمة جديدة، بل قدرة المؤسسات على تحويل هذه المنظومة إلى ثقة قابلة للقياس: زمن إفصاح أقصر، سعر أكثر عدالة، حماية أعلى لأموال المستثمرين، استجابة أسرع للحوادث السيبرانية، ورقابة فاعلة على المخاطر. عندها فقط يصبح رأس المال الرقمي الأردني أكثر من تداول إلكتروني؛ يصبح أداة تمويل آمنة، وجاذبة، وقادرة على دعم النمو والاستثمار في اقتصاد يتجه بثبات نحو المستقبل.
المراجع المعتمدة في التحرير: بورصة عمّان؛ هيئة الأوراق المالية؛ البنك المركزي الأردني؛ البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029؛ مشروع قانون تعديل قانون الأوراق المالية لسنة 2026؛ مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2026
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الدولار والضرائب والعجز التجاري.. كيف تواجه لبنان أزماتها؟
.. إيران تحت الحصار.. التضخم وتراجع العملة يهددان الاقتصاد
.. بعد حظر 9 أيام.. الصين تستأنف صادرات الديزل والبنزين ووقود ا
.. الصالح في حوار مع رئيس التحرير: الدور الخامس لاستكمال التشري
.. نافذة اقتصادية| من العقوبات إلى التفاهم.. هل تنقذ الإمدادات