الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مهرجانٌ بلا سينما... حين تُباع الأوهام في قاعةٍ مستأجرة! رؤية في (مهرجان نينوى السينمائي ما يسمى ( الدولي)

هشام الكيلاني

2026 / 10 / 3
الادب والفن


مهرجانٌ بلا سينما... حين تُباع الأوهام في قاعةٍ مستأجرة!
رؤية في (مهرجان نينوى السينمائي ما يسمى ( الدولي)
تظلُّ الثقافةُ، في جوهرها، نداءَ حقيقةٍ لا زيف فيها، غير أنَّ ما نراه اليوم يُمارَس باسم الفنون يبتعدُ كثيراً عن روح الفن ورسالته. أن يُعْلَن عن إقامة "مهرجان سينمائي دولي" في مدينةٍ مثل الموصل، وهي التي لا تملك اليوم حتى ربع دارِ عرضٍ سينمائي كما ذكر احد الاخوة الصحفيين ، ولا تجد في أرجائها شاشةً واحدةً تحتضن ضوءَ عرضٍ محلي أو سينمائي، فهذا ليس مجرد مفارقة، بل هو تجسيدٌ صارخٌ للسطحية والتعامل الشكلي مع القضايا الثقافية.
كيف يستقيم المعنى حين يُطْلَق اسم "الدولي" على احتفاليةٍ تغيب عنها الملامح الأساسية لفن السينما ..؟
أين هي الأفلام الموصلية أو العاقدة على الإنتاج المحلي ..؟
أين أهل الاختصاص من سينمائيين ونقّاد وصنّاع أفلام الحقيقة الذين يُفترض أن يكونوا العصب الأساسي لمثل هذه الفعاليات ..؟
حين يتوارى أهل الفن، وتُقام التظاهرات في غياب مقوماتها الأولى، يتحول الفن من رسالة نقدية وجمالية إلى مجرد لافتة برّاقة تُغطي استنزافاً للموارد وإهداراً للطاقات.
إنَّ المشهد الثقافي في الموصل لا يحتاج إلى مهرجاناتٍ استعراضية تنتهي بانتهاء أضوائها المؤقتة، بل يحتاج إلى "بنية تحتية" حقيقية تؤسس لنهضةٍ مستدامة. إن الأجدر بتلك النفقات والميزانيات الكبيرة هو الاتجاه نحو مشاريع بَنّاءة تُعيد للمدينة وجهها الحضاري, منها تأسيس قصرٍ للثقافة ليكون صرحٌ شاملٌ يضم قاعة مسرحٍ متكاملة، ودار عرضٍ سينمائي مجهزة، ومدرجاً مفتوحاً لمعارض الفنانين التشكيليين والمصورين الفوتوغرافيين.
مقرٌّ يليق بالنوابض الإبداعية مثل إيجاد مقر دائم ومحترم لنقابة الصحفيين ونقابة الفنانين واتحاد الكتاب والادباء في الموصل ، ليكون بيتاً أهلياً يجمع الطاقات المبدعة.
وليكون بيئة للحوار والتخطيط يجب أن تكون هناك قاعاتٍ مجهزة للاجتماعات والندوات الدورية التي يديرها أهل الاختصاص والخبرة، لا اللجان العابرة الى الازقة المظلمة .
إن إقامة مهرجان سينمائي في مدينة تفتقر للشاشة والمسرح يُشبه غرس شجرة في الهواء؛ لا أصل لها ولا ثمر. وصورة باهتة للثقافة المتسلقة, الثقافة الحقيقية تبدأ من الحجر والخشبة والشاشة، تبدأ من احترام المبدع المحلي وتوفير المساحة التي يُنتج فيها إبداعه، قبل استدعاء الألقاب الفاخرة والاستعراضات الفارغة.
لقد حان الوقت لتوجيه الجهود نحو البناء الفعلي، كي لا تظل الموصل مسرحاً لمهرجانات بلا مسارح، وسينما بلا شاشات.
كل الذي يقدم في الظلام بعيداً عن مثقفي المدينة واهل الاختصاص والذي له بصمة هي تحمل أقنعةُ الفساد في الموصل حين يُدير "الدخلاء" مهرجاناً سينمائياً بلا سينما!
لم يعد الأمر مجرد سوء تنظيم أو شططٍ إداري يُمكن غضُّ الطرف عنه، بل تجاوز ذلك ليكون تعبيراً صريحاً عن حالةٍ من الاستهانة بعقول الثقافيين وأبناء الموصل. أن يُسْنَد إشراف مهرجانٍ سينمائي "دولي" إلى شخصياتٍ لا تربطها بالسينما أدنى صلة معرفية أو مهنية، في وقتٍ يُستبعد فيه السينمائيون الحقيقيون، والنقاد المخضرمون، وأهل الاختصاص الأكاديمي والفني، فهذا ليس صدفة، بل هو استراتيجية منهجية لتمرير صفقاتٍ تُغلف باللافتات البرّاقة.
إن استبعاد القامات الفنية والاحتفاء بالدخلاء والطارئين يُقرّب الصورة أكثر فأكثر من حقيقتها المرة, أن المهرجان ليس فعالية ثقافية، بل هو واجهةٌ نموذجية للفساد المالي والإداري. تُصرف الميزانيات، وتُعقد الصفقات، وتُوزع المكافآت تحت بند "دعم الثقافة والفن"، بينما الواقع يشهد أن الفن منه براء، وأن الثقافة لم ينلها من هذا الزخم سوى التهميش والإقصاء.
كيف لمدينةٍ تاريخية كالموصل، تملك رصيداً إنسانياً وفنياً عميقاً، أن تُترك مقدراتها الثقافية بضاعةً بيد من لا يعرف الفرق بين عدسة الكاميرا وشاشة العرض؟
إن خطورة هذا النهج لا تقتصر على إهدار المال العام فحسب، بل تتعداه إلى تزييف المشهد الثقافي, وتصدير صور زاهية مزيفة للإعلام على حساب الحقيقة، وإيهام الرأي العام بنهضة سينمائية لا وجود لها على الأرض.
إحباط الكفاءات الموصلية و ممارسة الإقصاء بحق الفنانين والنقاد الحقيقيين الذين يُفترض أن يكونوا هم الركيزة والواجهة لأي حراكٍ سينمائي.
وتكريس الفساد باسم الفن هو تحويل الفعاليات الثقافية إلى مواسم جباية واستثمار تجاري رخيص، تضيع فيه أصول العمل الإبداعي ومقوماته.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد نقدٍ عابر، بل صرخةُ مواجهة بوجه هذا العبث. إن أردتم سينما ومهرجانات في الموصل، فابنوا القاعات، وجهزوا الشاشات، وسلموا القياد لأهل الفن والتخصص، وأبعدوا يد الفساد والدخلاء عن جسد الثقافة الموصلية؛ فالمدن العريقة لا تُبنى بالديكورات الزائفة، والإبداع لا يُصنع بأيدي الطارئين.
إنه مهرجانٌ بلا سينما تُباع من خلاله الأوهام في قاعةٍ مستأجرة!
ويبقى للكلام بقية مادام في العمر بقية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قطع المياه عن شقته وتعدى عليه .. الفنان عابد عنانى يحرر محض


.. المخرج أحمد عبد الجليل: جائزة الدولة للتفوق تتويج لمشواري ال




.. مؤانسات أدبية- الرواية والصحراء (تقديم شفيع بالزين)


.. وزير الثقافة السوري يكشف للـLBCI: سقف الحريات في سوريا والفر




.. تضارب الروايات بشأن السيطرة على باب المندب والتطورات الميدان