الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للكورد؟
وهاب شاه محمد
2026 / 10 / 3مواضيع وابحاث سياسية
قال قصر بكغنهام إن الملك تشارلز لن يتجنب التطرق إلى دور بريطانيا في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي خلال جولته في منطقة الكاريبي، لكنه لن يعتذر رسمياً عن "أحلك أيام ماضينا". وتأتي زيارة تشارلز وزوجته الملكة كاميلا إلى جزر الباهاما وجيانا، قبل التوجه إلى أنتيغوا وبربودا لحضور اجتماع رؤساء حكومات الكومنولث، وسط مطالبات متزايدة من دول منطقة الكاريبي والدول الإفريقية بأن تدفع بريطانيا والقوى الاستعمارية الأخرى تعويضات عن تورطها في الرق.
ورغم استبعاد الحكومة البريطانية دفع أي تعويضات، وتأكيد متحدث القصر أن مسألة التعويضات والاعتذارات من اختصاص الحكومة، فإن الزيارة فتحت النقاش واسعاً حول الإرث الاستعماري والتأثير المتوارث عبر الأجيال. وفي الوقت الذي يُثار فيه الحديث عن التزام بريطانيا بمواجهة تاريخها الاستعماري في الكاريبي وأفريقيا، يُطرح سؤال جوهري وأصيل في الشرق الأوسط: متى ستعتذر كل من بريطانيا وفرنسا للشعب الكردي عن قرن كامل من التقسيم والتجاهل والتبعات الإنسانية والسياسية الباهظة؟
الهندسة الاستعمارية وتفكيك جغرافية كردستان
Colonial Engineering and the Dismantling of Kurdistan’s Geography
عقب الحرب العالمية الأولى وإعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط الحديث عبر اتفاقية سايكس-بيكو (1916)، وُعد الشعب الكردي بموجب معاهدة سيفر (1920) بحق تقرير المصير وإنشاء كيانه القومي المستقل. لكن التراجعات الغربية والحسابات الاستعمارية النفعية سارعت إلى إسقاط هذا التعهد المكتوب.
أدى إبرام معاهدة لوزان (1923) إلى تجريد الكرد من حقوقهم السياسية والقومية، وتجزئة أراضيهم التاريخية قسراً بين أربع دول في المنطقة (تركيا، العراق، سوريا، وإيران).
فرض الحدود وتصميم الكيانات التابعة
Imposing Borders and Designing Client States
لم تُدرج الأراضي الجبلية والمناطق الكردية ضمن الدول الناشئة في المنطقة استجابةً لإرادة أو قوة تلك الحكومات؛ فقد كانت هذه الكيانات (كالعراق وسوريا) خاضعة كلياً للانتداب والإدارة الاستعمارية المباشرة لبريطانيا وفرنسا، ولا تمتلك أي سيادة أو قدرة عسكرية لمعارضة أي مشروع غربي بتأسيس دولة كردية.
بل إن لندن وباريس هما اللتان فرضتا دمج الجغرافية الكردية قسراً داخل هذه الدول الحديثة لأسباب استعمارية بحتة:
استخدام الإدارات المركزية كـ "أداة ضبط وكيلة": فضلت القوى الاستعمارية إدارة المناطق الكردية عبر حكومات مركزية تابعة لها في بغداد ودمشق لتجنب التكاليف المباشرة لإدارة المناطق الجبلية.
السيطرة على الثروات والنفط: تم تعزيز ضم ولاية الموصل وإقليم كركوك لضمان هيمنة شركات النفط البريطانية والفرنسية على مكامن الطاقة وممرات الملاحة والتركيب الجيوسياسي.
التراجع أمام القوة التركية الكمالية: القوة الإقليمية الوحيدة التي رفضت معاهدة سيفر ميدانياً هي الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك. وأمام إنهاك القوات الغربية عقب أزمة تشاناك (1922)، فضلت بريطانيا وفرنسا المساومة وإبرام معاهدة لوزان على حساب التطلعات القومية الكردية.
ازدواجية المعايير بين الكرد ودول "الهندسة الاستعمارية"
Double Standards: The Kurds vs. States of "Colonial Engineering"
تُظهر هذه القضية ازدواجية معايير أصلية في النظام الدولي؛ حيث ساهمت بريطانيا وفرنسا في تشكيل وتدعيم استقلال عشرات الدول الصغرى والكبرى في الخليج العربي والكاريبي ومناطق أخرى، واستقبال رؤسائها بالتشريفات والبروتوكولات الملكية والجمهورية والدفاع عنها في المحافل الدولية، في حين عُرقلت التطلعات الوطنية لشعب يتجاوز عدده عشرات الملايين يعيش على أرضه التاريخية.
الجرائم المترتبة والمسؤولية المستمرة للدول
Resulting Crimes and the Continuing Responsibility of States
لم تكن القرارات الاستعمارية في عشرينيات القرن الماضي مجرد أحداث أرشيفية منتهية في كتب التاريخ، بل أنتجت آثاراً وتداعيات مستمرة أدت إلى عقود من الحروب، والتهجير القسري، وحملات الإبادة الجماعية (كالأنفال وحلبجة) على يد الأنظمة المركزية.
تستند المطالبة الأخلاقية والقانونية بالاعتذار وتصحيح المظالم إلى مبادئ رئيسية:
الاستمرارية القانونية للمؤسسات (State- Continuity): الدولة المعاصرة ترث المكاسب والنفوذ والأصول من تاريخ مؤسساتها الاستعمارية، مما يرتب عليها التزامات أخلاقية وقانونية متوارثة عن الجرائم والقرارات السابقة.
الجرائم المتجددة الآثار (Continuing- Violations): سلب الإرادة القومية وتقسيم الشعب الكردي أوجد واقعاً مأساوياً متواصلاً، مما يجعل حكومات اليوم مسؤولة عن التبعات القائمة والعمل على تصحيحها وفق الشرعية الدولية.
القدرة التنفيذية والموانع السياسية لتصحيح التاريخ
Executive Power and Political Obstacles to Correcting History
يمتلك كل من بريطانيا وفرنسا النفوذ السياسي، والدبلوماسي، والاقتصادي، والعسكري اللازم، بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، لقيادة مسار دولي لتصحيح جريمة تقسيم كردستان والعمل على تشكيل دولة قومية كردية مستقلة، ولا يمكن لأي قوة إقليمية منعهما إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية؛ فقد أثبتت السوابق التاريخية (مثل دعم استقلال جنوب السودان أو كوسوفو) أن القوى العظمى قادرة على إعادة رسم المبادئ عندما تقرر ذلك.
غير أن امتناعهما عن هذه الخطوة التاريخية لا يعود إلى عجز في الإمكانية، بل إلى عدة موانع سياسية ونفعية:
تفضيل المصالح الاستراتيجية على الأخلاق: خشية التصادم مع حلفاء إقليميين أساسيين (مثل تركيا عضو الناتو، والحكومات المركزية القائمة).
الحفاظ على موازين القوى: الخوف من فتح ملف تغير الحدود في المنطقة وما ينطوي عليه من كلفة جيوسياسية.
التنصل من التبعات المالية والحقوقية: الخشية من أن الاعتراف بالمسؤولية التاريخية سيفتح باب المطالبات بالتعويضات الشاملة أمام عشرات المستعمرات والشعوب المظلومة سابقاً.
آفاق المستقبل والواجب الأخلاقي
Future Prospects and the Moral Imperative
إن غياب الاعتذار والتحرك الرسمي حتى الآن يعكس هيمنة النفعية السياسية (Realpolitik) على قواعد النظام الدولي. ومع ذلك، تبقى المطالبة بالكرامة والحرية، وتوثيق الجرائم أمام المحاكم والأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبناء المؤسسات الذاتية الموحدة، هي الطريق الأساسي لتعديل ميزان القوى وإرغام بريطانيا وفرنسا والمجتمع الدولي على تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والشرعية، وإعادة الحق للشعب الكردي للعيش بكرامة واستقلال على أرضه التاريخية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إيران تهدد باستهداف الكابلات ومراكز البيانات في المنطقة.. ما
.. باكستان تفرض الطوارئ في معقل عمران خان.. ما التحركات المقبلة
.. ترامب يلوّح بقطع الدعم.. هل يوقف زيلينسكي استهداف منشآت الطا
.. بيرنهام يرجح تورط الحرس الثوري باستهداف قاعدة فيرفورد
.. إيران: اتهامات بريطانيا بشأن فيرفورد محاولة لتبرير مشاركتها