الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يبقى اسم الغزاة… انجلترا وفرنسا وروسيا نموذجا
عبد علي سفيح
باحث اكاديمي
2026 / 10 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
اعداد: عبد علي سفيح
صباح الخير لمن يحب أن يقرأ التاريخ لا ليحفظه، بل ليتساءل!
في ثقافتنا العربية، لا يزال الاستعمار والاحتلال جرحًا مفتوحًا في الذاكرة. نرفض الاحتلال، ونرفض أن يتحول اسم المحتل إلى جزء دائم من هوية الأرض التي احتلها.
وهذا مفهوم. لكن عندما نقرأ تاريخ أوروبا، نجد مفارقة تستحق التوقف:
أحيانًا يرحل الغزاة… لكن أسماءهم تبقى!
بل قد يختفي الغزاة أنفسهم كجماعة مستقلة، ويندمجوا في السكان، وتختفي لغتهم وثقافتهم القديمة، بينما يبقى اسمهم على الخريطة قرونًا طويلة.
لنأخذ ثلاثة أمثلة:
1 . إنجلترا
بعد انسحاب الرومان من بريطانيا في القرن الخامس الميلادي، وصلت إلى الجزيرة مجموعات جرمانية(ألمانية)، أبرزها الأنجل والسكسون والجوت، قادمة من مناطق تقع في شمال ألمانيا وجنوب الدنمارك.
استقرت هذه المجموعات في أجزاء من بريطانيا، ونشأت لاحقًا الممالك الأنجلوسكسونية. ومن اسم Angles – الأنجل جاء اسم: انجلترا England، أي، بصورة مبسطة، «أرض الأنجل».
وهكذا أصبح اسم جماعة مهاجرة ومحاربة اسمًا لبلد بأكمله.
2 .فرنسا
قبل فرنسا، كانت هذه البلاد تُعرف في العصر الروماني باسم غاليا، وكان يسكنها عدد كبير من الشعوب الغالية ذات الجذور الكلتية.
ثم ظهر الفرنجة، وهم اتحاد من شعوب جرمانية(ألمانية)، وتمكن ملكهم الشهير كلوفيس من توسيع سلطته في بلاد الغال. ومع مرور القرون، اندمج الفرنجة في السكان المحليين، وتداخلت الشعوب والثقافات واللغات.
لكن ماذا بقي؟
الاسم! فرنسا France, أي «بلاد الفرنجة».
والأغرب أن اسم الفرنك ظل حاضرًا في التاريخ الفرنسي حتى أصبح اسم العملة الفرنسية قبل اليورو. فالشعب اندمج…
لكن اسمه بقي.
3 . روسيا
أما قصة روسيا فهي أكثر تعقيدًا. ففي القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ظهرت في أوروبا الشرقية جماعات إسكندنافية عُرفت بالفارانجيين، واختلطت بالسلاف وغيرهم من شعوب المنطقة. ونشأت كيانات سياسية ارتبطت باسم روس، ومن أبرزها دولة كييف روس. ومع تطور التاريخ، أصبح اسم «روس» أساسًا لتسميات لاحقة، ومنها روسيا.
مرة أخرى: قد يختفي الأشخاص من مسرح التاريخ، لكن الاسم يبقى.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التفكير.
نحن العرب كثيرًا ما نتساءل: لماذا لا تزال بعض آثار الاستعمار موجودة؟
لماذا بقيت أسماء فرضها المحتل؟
لماذا لا تُمحى أسماء الغزاة من ذاكرة الأرض؟
لكن التاريخ الأوروبي نفسه يخبرنا أن هذه الظاهرة ليست جديدة.
فالأنجل والسكسون والجوت جاءوا إلى بريطانيا، ثم أصبحت «إنجلترا» اسم البلاد.
والفرنجة دخلوا بلاد الغال، ثم أصبحت «فرنسا» اسم البلاد.
والروس/الفارانجيون دخلوا أوروبا الشرقية، ثم أصبح اسم «روس» جزءًا من اسم واحدة من أكبر دول العالم.
وهنا سؤال يستحق التأمل: هل يستطيع الغازي أن ينتصر مرة ثانية، بعد أن يرحل، إذا بقي اسمه على الخريطة؟
قد ينهزم الجيش. وقد يسقط الملك. وقد تختفي القبيلة. وقد يذوب الغزاة في السكان الأصليين.لكن الاسم…قد يعيش ألف عام!
ولهذا فإن التاريخ ليس فقط تاريخ الملوك والجيوش والحروب. إنه أيضًا تاريخ الأسماء. فالخريطة التي نراها اليوم ليست مجرد خطوط وحدود؛ إنها في كثير من الأحيان متحف مفتوح لطبقات متراكمة من الغزوات والهجرات واللغات والشعوب التي مرت من هنا.
والسؤال الأهم ربما ليس:
من غزا هذه الأرض؟
بل من بقي اسمه عليها بعد أن انتهى كل شيء؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الكيل بمكيالين هولندا تترك الإخوان الإرهابيين وتلقي القبض
.. وقفة سلمية للمصريين بهولندا أمام السفارة احتجاجًا على تجاوزا
.. عظة الاحد - القمص مينا القمص بولس: قراءات الأحاد في الكنيسة
.. الرئيس السيسي: تحدثنا على أهمية إعداد الوعاظ والعلماء فيما ي
.. مساعد طيار فلاي دبي وفكر الإخوان.. ماذا كشفت تحقيقات النائب