الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لسنا آخرَ الليبيين .. (الجزء الثاني)
ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)
2026 / 10 / 3
مواضيع وابحاث سياسية
لسنا آخرَ الليبيين (الجزء الثاني)
(ما لم تكتبه مقالاتي من قبل - 2)
الجزء الثاني من أربعة أجزاء
(من الاحتلال الإيطالي إلى ميلاد الدولة)
✍ بقلم: ليلى أحمد الهوني
بعد أن مررنا في الجزء الأول على الجذور العميقة لتاريخ ليبيا، من عصورها القديمة، مرورًا بمراحلها الإسلامية والعثمانية، وصولًا إلى الحركة السنوسية، نصل الآن إلى مرحلة ستترك أثرًا بالغًا في تشكيل ليبيا الحديثة: الاحتلال الإيطالي، والمقاومة، ثم الطريق إلى الاستقلال وبناء الدولة.
ثم جاء الغزو الإيطالي سنة 1911.
دخلت إيطاليا ليبيا في إطار مشروع استعماري توسعي، وبدأت الحرب الإيطالية العثمانية، التي انتهت بخروج الوجود العثماني الفعلي من ليبيا.
لكن خروج العثمانيين لم يعنِ خضوع الليبيين.
فقد بدأت مقاومة طويلة الأمد ضد الاحتلال الإيطالي الفاشستي في طرابلس وبرقة وفزان، واختلفت أشكالها وقياداتها من منطقة إلى أخرى.
ففي برقة، ارتبطت المقاومة كثيراً بالحركة السنوسية، وقد برزت عدة رموز في مقاومة الاحتلال الإيطالي، من أشهرهم عمر المختار، الذي صار لاحقًا أحد أبرز الوجوه الحاضرة في الذاكرة الليبية والعربية للمقاومة ضد الاحتلال الإيطالي.
وفي طرابلس الغرب، كانت هناك مقاومة محلية وقبلية وسياسية متعددة، وبرزت عدة أسماء في مواجهة الاحتلال الإيطالي، من أشهرهم رمضان السويحلي من مدينة مصراتة، إلى جانب رموز أخرى أسهمت في تاريخ المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي في الغرب الليبي. كما ظهرت سنة 1918 تجربة الجمهورية الطرابلسية، التي كانت محاولة سياسية مهمة لتنظيم الحكم في غرب البلاد.
وفي فزان، لم تكن المقاومة غائبة، بل برزت عدة رموز وطنية ومحلية في مواجهة التوسع الإيطالي ومحاولات الحفاظ على الاستقلال المحلي، ومن أشهر هذه الأسماء أحمد سيف النصر، الذي ارتبط اسمه بتاريخ فزان السياسي والوطني، وبحضورها في مسار المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي ثم في مرحلة الاستقلال.
لم يكن الاحتلال الإيطالي مجرد تغيير في السلطة السياسية.
في المرحلة الفاشية، استخدمت إيطاليا سياسات شديدة القسوة لإخضاع السكان، شملت الإعدامات، ومعسكرات الاعتقال، والتهجير، والنفي، ومصادرة الأراضي، وسياسات التجويع، إلى جانب مشروع استيطاني هدف إلى نقل مستوطنين إيطاليين إلى ليبيا.
وقد دفع الليبيون ثمنًا إنسانيًا واجتماعيًا واقتصاديًا كبيرًا.
ولم تكن المقاومة الليبية كتلة واحدة بلا خلافات، بل كانت فيها اختلافات قبلية وسياسية ومناطقية، لكنها اشتركت في رفض الاحتلال والسعي إلى مقاومته بشتى الوسائل المتاحة.
وفي سنة 1934 جمعت إيطاليا طرابلس وبرقة وفزان إداريًا تحت اسم ليبيا، بوصفها مستعمرة واحدة.
وهذه نقطة مهمة في فهم تاريخ الدولة الحديثة؛ لأن اسم ليبيا أصبح في هذه المرحلة اسمًا رسميًا لكيان استعماري يجمع الأقاليم الثلاثة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى اسم الدولة الليبية المستقلة.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وأصبحت ليبيا ساحة من ساحات الصراع بين دول المحور والحلفاء.
وبانتهاء الحرب، انتهى الحكم الإيطالي في ليبيا، لكن الاستقلال لم يأتِ فورًا.
فقد أصبحت برقة وطرابلس لفترة تحت الإدارة البريطانية، بينما أصبحت فزان تحت الإدارة الفرنسية.
وهنا بدأ سؤال جديد:
ماذا سيكون مصير ليبيا؟
هل تعود إلى شكل من أشكال الوصاية الأجنبية؟
هل تُقسم بين القوى المنتصرة؟
أم تصبح دولة مستقلة؟
بعد نقاشات دولية وصراعات سياسية، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 289 في 21 نوفمبر 1949، الذي نص على أن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952.
وبدأت بعد ذلك عملية سياسية لتشكيل جمعية وطنية ووضع دستور والاستعداد للاستقلال.
وكانت ليبيا من أوائل الدول التي نالت استقلالها من خلال عملية جرت تحت إشراف الأمم المتحدة.
ثم جاء جيل آخر وجد نفسه أمام سؤال أصعب:
كيف تتحول هذه الأرض، التي عاشت قرونًا بأقاليم وتجارب وسلطات مختلفة، إلى دولة واحدة؟
في 24 ديسمبر 1951 أُعلن استقلال ليبيا باسم المملكة الليبية المتحدة، تحت حكم الملك محمد إدريس السنوسي.
وكان النظام في البداية نظامًا اتحاديًا فيدراليًا يجمع أقاليم برقة وطرابلس وفزان.
ونص دستور سنة 1951 على ملكية وراثية، ونظام اتحادي، وحكومة برلمانية، ومؤسسات دستورية للدولة الجديدة.
لكن الدولة التي وُلدت يومها لم تكن دولة غنية.
كانت ليبيا من البلدان الفقيرة، قليلة السكان، محدودة الموارد، وتعاني نقصًا كبيرًا في البنية التحتية والخدمات والمؤسسات.
واعتمدت الدولة في سنواتها الأولى على المساعدات الخارجية وعلى اتفاقيات مع دول أجنبية.
ثم تغير المشهد مع اكتشاف النفط بكميات تجارية سنة 1959، وبدء استغلاله وتصديره في السنوات التالية.
أصبح النفط مصدرًا أساسيًا للدخل، وبدأت الدولة تدخل مرحلة جديدة من التنمية، توسعت فيها مشاريع التعليم والصحة والطرق والإدارة والخدمات.
وفي الستينيات وُضعت خطط للتنمية، ومنها الخطة الخمسية للفترة 1963-1968، التي هدفت إلى توظيف موارد النفط في تطوير البلاد.
لكن الحديث عن إنجازات مرحلة الاستقلال لا ينبغي أن يمنعنا من الحديث عن قيودها السياسية.
فبعد أول انتخابات عامة في فبراير 1952، حُظرت الأحزاب السياسية، وحُل حزب المؤتمر الوطني، وأُبعد بشير السعداوي عن البلاد.
كما كانت للملك صلاحيات واسعة النطاق، منها تعيين الحكومة وحل مجلس النواب.
ولهذا لا يصح تصوير العهد الملكي على أنه ديمقراطية مكتملة، كما لا يصح اختزال تلك المرحلة في أخطائها وحدها.
فهي مرحلة شهدت تأسيس الدولة المستقلة، ووضع الدستور، وبناء مؤسسات وطنية، وبداية إدارة الثروة النفطية، وفي الوقت نفسه شهدت قيودًا على العمل السياسي والحزبي ومحدودية في المشاركة السياسية.
وفي أبريل 1963 أُلغي النظام الاتحادي، وتحولت ليبيا من دولة فيدرالية إلى دولة موحدة، وتغير اسمها من المملكة الليبية المتحدة إلى المملكة الليبية.
وهذه التجربة التاريخية مهمة جدًا في نقاشنا الحالي حول شكل الدولة.
فالفيدرالية في حد ذاتها ليست شتيمة، وليست أيضًا حلًا سحريًا لكل مشكلة.
والمركزية أيضاً، ليست في حد ذاتها ضمانًا للوحدة، كما أن اللامركزية ليست في حد ذاتها طريقًا إلى الانقسام.
كل هذه صيغ لتنظيم السلطة داخل الدولة ليس أكثر، وتُقاس قيمتها بما تحققه من عدالة وكفاءة ومشاركة، وبما تضعه من ضمانات تمنع الاستئثار بالحكم والثروة.
ومع نهاية هذه المرحلة، كانت ليبيا قد انتقلت خلال عقود قليلة من الاحتلال والمقاومة إلى الاستقلال وبناء الدولة، ثم إلى دولة موحدة تمتلك موردًا نفطيًا متناميًا.
لكن في صباح الأول من سبتمبر 1969 سيفتح فصلًا جديدًا ومختلفًا في تاريخ البلاد، وهو ما ننتقل إليه في الجزء الثالث.
يتبع في الجزء الثالث من أربعة أجزاء: من انقلاب سبتمبر إلى ما بعد فبراير.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إيران تهدد باستهداف الكابلات ومراكز البيانات في المنطقة.. ما
.. باكستان تفرض الطوارئ في معقل عمران خان.. ما التحركات المقبلة
.. ترامب يلوّح بقطع الدعم.. هل يوقف زيلينسكي استهداف منشآت الطا
.. بيرنهام يرجح تورط الحرس الثوري باستهداف قاعدة فيرفورد
.. إيران: اتهامات بريطانيا بشأن فيرفورد محاولة لتبرير مشاركتها