الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوف😨 …
مروان صباح
2026 / 10 / 3مواضيع وابحاث سياسية
/ ليست كل القراءات التىّ يكتسبها الإنسان تأتي من الكتب أو من التصفح ؛ فهناك قراءات أخرى يتعلمها من الوجوه ونبرات الأصوات وطريقة الآخرين في التعامل مع الحقيقة ، فالإنسان لا يتعلم العالم من الكلمات والسطور وحدهما ، بل يقرأه أيضاً من سلوك المحيطين به ، وفي مقدمتهم الأسرة ، فالطفل ، في سنواته الأولى ، لا يمتلك خبرة كافية للتمييز بين الحقيقي والمصطنع ، لكنه يمتلك قدرة كبيرة على الملاحظة والتقليد ، يراقب والديه ، ويتابع طريقة حديثهما مع الآخرين ، وكيف تتغير مواقفهما باختلاف الأشخاص والمصالح ، ثم يبدأ ، من دون وعي ، في إعادة إنتاج ما يراه ، لهذا ، فإن النفاق لا يبدأ دائماً باعتباره قراراً أخلاقياً ، وإنما قد يبدأ باعتباره درساً اجتماعياً يتعلمه الطفل من البيئة التىّ ينشأ فيها ، وهنا يمكن استحضار رواية «أرض النفاق» للروائي المصري يوسف السباعي ، وهي من الأعمال الساخرة ذات البعد الاجتماعي والسياسي ، التىّ عالجت النفاق بوصفه ظاهرة تتجاوز الفرد إلى المجتمع ، فالسباعي لا يتعامل معه كعيب شخصي فحسب ، بل يكشف ، من خلال السخرية والمفارقة ، كيف يمكن أن تتحول الصفات السلبية إلى أدوات للتكيف وتحقيق المصالح ، وهذا هو الجانب الأخطر في المسألة : عندما يصبح النفاق نافعاً لصاحبه ، فإنه لا يعود مجرد سلوك فردي ، بل يتحول إلى آلية اجتماعية ، فالطفل الذي ينشأ في بيئة تجارية ، مثلاً ، قد يرى كيف تُستخدم الابتسامة والمجاملة لاسترضاء الزبون واستقطابه ، ولا يعني ذلك أن التجارة قائمة على النفاق ، وإنما أن الطفل قد يتعلم من المشهد اليومي أن هناك فرقاً بين ما يشعر به الإنسان وما يقوله للآخر .
ومع تكرار هذه المشاهد ، قد تتحول الملاحظة إلى قاعدة سلوكية : قل ما يرضي الآخر ، لا ما تؤمن به بالضرورة ، وعندما تنتقل هذه القاعدة من الحياة اليومية إلى المجال السياسي ، تصبح آثارها أكثر خطورة ، فالسياسة تحتاج إلى الخطاب والإقناع ، لكن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الخطاب عن الواقع ، ويصبح الهدف صناعة صورة عن الحقيقة بدلاً من مواجهة الحقيقة نفسها ، ومن النوادر السياسية المتداولة في هذا السياق حكاية مرتبطة بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف ، عن عامل أُعلن عن منحه منزلاً وسيارة مكافأةً لاجتهاده ، ثم تكرر الإعلان في العام التالي ، رغم أنه لم يتسلم شيئاً ، وحين شكا العامل أمره ، أخرج مدير المصنع الجريدة التى كانت في صفحتها الأولى قد نشرت صورة العامل هو يقف امام البيت وبجانبه السيارة ، فقال الرئيس نيكيتا خروتشوف: «السيارة والبيت استلمتهما بالفعل ، لكن يبدو أنك لا تقرأ صحيفة البرافدا!» ، ولهذا ، كان بعض أعضاء الحزب يتهكمون على جريدة الحزب ، قائلين إنها كانت شديدة الصدق قبل انتصار الثورة ، لكنها تغيّرت بعد ذلك ، ومع تصاعد القضايا العمالية واندلاع الإضرابات ، لم يتردد النظام في اعتقال عدد من محرريها ، في محاولة للحد من الأصوات المنتقدة والتضييق على ما يُنشر من مشكلات تتعلق بالعمال ، فهي من النوادر التي راجت للسخرية من الإعلام الرسمي السوفيتي ، فإن دلالتها تكمن في المفارقة : يمكن للإعلام أن يصنع صورة عن الواقع ، لكنه لا يستطيع أن يحوّل الصورة إلى حقيقة يعيشها الإنسان ، وهنا يتحول النفاق من كذبة فردية إلى مشكلة اجتماعية ؛ إذ يصبح التظاهر بالحقيقة أكثر أهمية من الحقيقة نفسها ، فالإنسان الذي يتعلم منذ طفولته أن الصراحة قد تعرضه للعقاب ، وأن المجاملة تحميه ، وأن إخفاء الحقيقة يجعله أكثر أمناً ، قد لا يرى في النفاق عيباً أخلاقياً ، بل وسيلة ضرورية للبقاء .
وعند هذه النقطة يبدأ التشوه الحقيقي في شخصية الإنسان ، فمهما كبر الإنسان ، ومهما ارتفع مستواه الأكاديمي والثقافي ، قد يبقى عاجزاً عن ممارسة حريته إذا كان قد تعلم منذ البداية أن النجاة تتطلب إخفاء ذاته ، وقد يطلق على هذه القدرة أسماء مثل النضج أو الذكاء الاجتماعي أو حسن التصرف ، بينما قد تكون في جوهرها تكيفاً مع الخوف ، فالنضج هو أن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع الآخرين من دون أن يفقد ذاته ، أما النفاق فهو أن يتخلى عن ذاته كي يحافظ على علاقته بالآخرين ، ومن هنا تصبح القضية مرتبطة بالحرية والكرامة ، لا بالكذب وحده ، فالإنسان الذي يخشى التعبير عن رأيه ، أو الاعتراف بخطئه ، أو الاعتراض على ما يراه خاطئاً ، يعيش تحت رقابة لا تنتهي ، ومع الوقت ، قد تنتقل الرقابة من الخارج إلى الداخل ، فيصبح الإنسان حارساً على نفسه ، وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والمجتمع والسلطة ، فإذا تعلّم الطفل أن السؤال وقاحة ، والاختلاف خطراً ، والاعتراف بالخطأ ضعف ، وأن قول الحقيقة قد تكون له عواقب لا يستطيع تحملها ، فإنه لن يتعلم الحرية بقدر ما سيتعلم تجنب الخسارة .
لذلك لا يكفي أن نسأل : لماذا يكذب الإنسان؟
الأهم أن نسأل : ما نوع البيئة التىّ تجعل الإنسان يحتاج إلى الكذب كي يعيش؟ ، فالإنسان لا يولد وهو يحمل قاموساً جاهزاً للنفاق ؛ إنه يتعلمه كما يتعلم اللغة والعادات وأنماط السلوك ، وكلما اتسعت مساحة الخوف وضاقت مساحة الاختلاف ، ازدادت الحاجة إلى الأقنعة ، ولهذا تبقى الطفولة نقطة البداية ، فالطفل ، قبل أن يدخل في شبكة المصالح والحسابات ، يقول الأشياء غالباً كما يراها ، قد يكون صادقاً إلى درجة الإحراج ، لكنه لا يزال قريباً من ذاته ، أما الإنسان الذي يتقدم في العمر داخل بيئة تقوم على المجاملة والخوف ، فقد يتعلم كيف يقول «نعم» عندما يريد أن يقول «لا»، وكيف يمدح ما لا يعجبه ، وكيف يصمت عندما تصبح الحقيقة مكلفة.
وليس كل ما نكتسبه مع العمر يمثل نضجاً ؛ فبعضه قد يكون مجرد طرق أكثر تعقيداً لحماية الذات .
لذلك فإن حماية الطفل لا تعني عزله عن المجتمع ، وإنما توفير بيئة لا تجعله مضطراً إلى ارتداء قناع كي يحظى بالقبول ، عليه أن يتعلم أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة ، وأن الاختلاف لا يعني العداء ، وأن الصراحة ليست ضعفاً ، وأن الكرامة ليست ثمناً للبقاء ، فإذا اضطر الطفل إلى إخفاء ذاته كي يعيش ، فإن المجتمع لا يربي إنساناً حراً ، وإنما يربي شخصاً يجيد التكيف مع الخوف .
وربما لهذا السبب ، عندما يصل الإنسان إلى لحظة صفاء في حياته ، يتمنى أحيانًا أن يتخلى عن أشياء كثيرة اكتسبها ، مقابل استعادة شيء واحد فقده في الطريق : ذلك الطفل الذي كان يسكن داخله ، قبل أن يتعلم الخوف ، ولعل فقدان ذلك الطفل لا يظهر دائمًا في صورة حنين إلى الماضي ، بل قد يظهر أحيانًا في الطريقة التىّ يبحث بها الإنسان عن الأمان في الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم حالة الطفولية التىّ نراها بين رجال اليوم ؛ فكثير منهم يبحثون عن زوجات يشاركنهم أعباء الحياة ونفقاتها ، وكأنهم في الحقيقة يبحثون عن أمهاتهم ، فلو كان الرجل رجلًا ، لما قبل أن تمتد يده إلى دخل زوجته أو أن يعتمد عليه في تحمّل أعباء حياته .
فالمشكلة ليست أن الإنسان يكبر ، وإنما أن يكبر ثم يكتشف أنه تعلم كيف يعيش ، لكنه لم يتعلم كيف يكون حراً … والسلام 🙋♂ ✍
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المختص بالشأن الإيراني حسن أحمديان: اتهام إيران بشأن قاعدة ف
.. بريطانيا تستدعي السفير الإيراني عقب اتهام إيران بمحاولة استه
.. ماذا قال ماكرون عن احتجاجات طلاب الثانويات؟
.. كيف تؤثر معارك الدلنج على خطوط إمداد الجيش السوداني؟
.. من بساتين عامرة إلى أراض مجرفة.. حكاية موسم الزيتون في غزة