الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
اليمن وازدواجية المعايير في التدخل الأجنبي
جاسم المعموري
2026 / 10 / 4مواضيع وابحاث سياسية
هاهم ال سعود يعودون مرة اخرى لشن الحرب على الشعب اليمني الأبي المقدام , وكأنهم اعطوا فسحة من الزمن حتى تنتهي لعبة حماس ونتياهو, ولا يعتبرون حربهم تدخلا في الشأن اليمني الداخلي ويبدو أن معنى (التدخل الاجنبي) لا تحدده طبيعة الفعل , بل هوية من يقوم به. يعني اذا قامت به اسرائيل وامريكا وحلفائهما في المنطقة فهو تدخل مشروع وحروب مشروعة فتستطيع دول أن تشن الغارات , وترسل السلاح , وتمول أطرافا يمنية , وتقدم المعلومات الاستخبارية والتدريب والدعم العسكري , وتفرض القيود على الموانئ , وتشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حرب استمرت سنوات ودمرت بلدا بأكمله , ثم يجري التعامل مع كل ذلك بوصفه جزءا من ترتيبات الأمن الإقليمي أو حماية المصالح والحلفاء, أما اذا قدمت إيران السلاح أو الخبرة او أي شكل من اشكال المساعدة للشعب اليمني , فإن اللغة تتغير فجأة لتصبح : ( تدخل إيراني) , و(تهديد للأمن الإقليمي) , (وخطر يستوجب العقوبات والحصار وربما الحرب) الخ.
السؤال الذي يجب طرحه هنا ليس هل تدخلت إيران في اليمن فعلا في اليمن ام لا ؟ بل لماذا يسمى فعل إيران تدخلا بينما لا يطبق المعيار نفسه , وبالوضوح نفسه , على الآخرين؟!
لم يبدأ التدخل والعدوان العسكري السعودي في اليمن سنة 2015, ففي عام 2009 دخلت السعودية الحرب ضد انصار الله , وشنت قواتها الجوية ضربات على مواقع لهم داخل اليمن بعد امتداد المواجهات إلى الحدود السعودية, وبعد سنوات قليلة جاءت الحرب الأكبر, فمنذ مارس/آذار 2015 قادت السعودية تحالفا عسكريا شن آلاف الغارات الجوية داخل اليمن , وشاركت الإمارات بقواتها ونفوذها ودعمها لتشكيلات يمنية , وقدمت الولايات المتحدة للتحالف المعلومات الاستخبارية والمشورة العسكرية والدعم اللوجستي والتزود بالوقود , بينما استمرت صفقات السلاح بمليارات الدولارات.
ولم تكن نتائج هذه الحرب نظرية, فقد وثقت الأمم المتحدة سقوط أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير البنية التحتية , كما وثق فريق الخبراء الدوليين التابع لها الغارات التي أصابت أهدافا مدنية , والقيود الشديدة التي فرضت على الموانئ اليمنية وأعاقت وصول المواد الأساسية. ولم يكن اليمن في تلك السنوات يتلقى (تأثيرا سياسيا) من الخارج , بل كانت طائرات أجنبية تقصف أراضيه , وأسلحة أجنبية تستخدم في الحرب , وقوى يمنية مختلفة تتلقى المال والسلاح والمساندة من الخارج.
ثم جاءت الولايات المتحدة وإسرائيل لتشنا بنفسيهما ضربات داخل الأراضي اليمنية. وهكذا اتسعت دائرة الدول التي ترى لنفسها حق استخدام القوة داخل اليمن , كل منها تحت عنوان مختلف فمرة حماية الملاحة , واخرى حماية إسرائيل , وثالثة مواجهة الحوثيين , ورابعة حماية السعودية , وخامسة مواجهة إيران أو حماية الأمن الإقليمي, وهلم جرا, ومع ذلك تبقى إيران , في جانب واسع من الخطاب السياسي والإعلامي , هي (المتدخل الخارجي) الذي ينبغي أن يُفسروا من خلاله الصراع اليمني كله.
وهنا ينبغي التذكير بحقيقة كثيرا ما تضيع وسط الحديث عن (الصواريخ الإيرانية) , وهي ان اليمن لم يكن بلدا خاليا من الصواريخ والاسلحة قبل الحرب ثم جاءت إيران لتسلحه من الصفر. فقد كان الجيش اليمني يمتلك قبل الثورة اليمنية في أيام الربيع العربي ترسانة من الصواريخ والأسلحة الثقيلة , وانتقلت أجزاء مهمة من مخازن الجيش ومنظوماته العسكرية إلى القوى التي سيطرت على المؤسسات والمعسكرات خلال الصراع. ولذلك لا يصح التعامل مع كل صاروخ ظهر في أيدي الحوثيين بوصفه دليلا تلقائيا على أنه جاء من إيران , مع وجود تقارير دولية نسبت في مراحل لاحقة بعض الأسلحة أو المكونات والتقنيات إلى منشأ إيراني. فوجود الدعم الايراني شيء , والادعاء بأن الترسانة الصاروخية اليمنية نفسها صناعة ايرانية او أنها لم تكن موجودة قبل الحرب شيء آخر.
هنا تظهر ازدواجية المعايير بأوضح صورها, فكل تلك الحروب والغارات والتسليح والتمويل والتدخل السياسي والاستخباري لا تستدعي دائما اللغة نفسها , أما عندما تساعد ايران الشعب اليمني على امتلاك وسائل يستطيعون بها مواجهة خصوم يملكون طائرات حديثة وصواريخ وقنابل وجيوشا وميزانيات عسكرية هائلة , تصبح المساعدة الإيرانية هي القضية المركزية , ويصبح اليمن فجأة دولة يجب الدفاع عن سيادتها من (التدخل الخارجي).
أي سيادة هذه التي تنتهكها بندقية أو صاروخ يأتي من إيران , ولا تنتهكها الطائرات التي تعبر الحدود لتقصف صنعاء وصعدة والحديدة؟ وأي منطق يعتبر تسليح طرف يمني من دولة اجنبية تدخلا خطيرا , ثم يجد عشرات التسميات المخففة عندما تسلح دول اخرى الاطراف المقابلة وتدربها وتمولها وتوفر لها المعلومات الاستخبارية والإسناد الجوي؟
الأمر لا يتوقف عند الماضي, اليوم وهو 2 تشرين الاول 2026 كشفت رويترز ان السعودية تعد لعملية عسكرية جديدة ضد الحوثيين , وان قوات يمنية تعمل تحت اشراف الرياض يفترض ان تقود الهجوم البري بدعم من الغارات السعودية , فيما تقدم الولايات المتحدة مستشارين ومعلومات استخبارية , بما فيها معلومات مرتبطة بالاستهداف. أي أننا , بعد أكثر من أحد عشر عاما على بداية الحرب الكبرى , نجد أنفسنا أمام المشهد نفسه: دول من خارج اليمن تخطط , ودولة توفر المعلومات , وأخرى تقدم السلاح والمساندة , واليمنيون هم الذين يقاتلون ويموتون على الارض ,ثم يطلبون من العالم ان ينظر الى ايران باعتبارها المشكلة الخارجية في اليمن.
بينما المشكلة الحقيقية هي القوة القادرة على فرض روايتها تستطيع ايضا ان تختار أسماء أفعالها فتسمي قصفها (عملية دفاعية) , وتسليحها (دعما) , وحصارها (إجراء أمنيا) , وتدخل حليفها (مساندة) , بينما تسمي الفعل نفسه عندما يقوم به الخصم (عدوانا) و(تدخلا) و(زعزعة للاستقرار). واليمن واحد من أكثر الأمثلة قسوة على هذه الازدواجية , لأن اليمني هو الذي دفع الثمن في جميع الحالات
بعد سنوات طويلة من الحرب والقتل والجوع والدمار , ينبغي أن نسأل هذا السؤال ماذا كان سيحدث لو تُرك اليمنيون ليحلوا صراعاتهم بأنفسهم , بعيدا عن الطائرات والأسلحة والأموال والمشاريع الإقليمية والدولية؟ واذا كان التدخل الايراني مرفوضا لأنه تدخل أجنبي , فلماذا لا يكون التدخل السعودي والامريكي والإماراتي والاسرائيلي مرفوضا بالمعيار نفسه؟
لا يمكن بناء العدالة على تناقض حكمين متناقضين لقضية واحدة ,فلا يمكن إقناع اليمني بأن الصاروخ الذي يحصل عليه هو (تدخل أجنبي). بينما الصاروخ الذي يحصل عليه خصمه من دولة أخرى هو (مساعدة مشروعة) , إما أن تكون سيادة اليمن واحدة , وإما أن نعترف بأن الحديث عن السيادة كثيرا ما يستخدم أداة سياسية , ترفع عندما تخدم المصالح , وتوضع جانبا عندما تعارضها.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الدول التي تقرر نيابة عنه من يحكمه ومن يقاتل ومن يتسلح. يحتاج أولا إلى أن يكون اليمن لليمنيين , وأن تكون دماء أبنائه أهم من مصالح الذين يتصارعون فوق أرضه.
جاسم محمد علي المعموري
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إيران تهدد باستهداف الكابلات ومراكز البيانات في المنطقة.. ما
.. باكستان تفرض الطوارئ في معقل عمران خان.. ما التحركات المقبلة
.. ترامب يلوّح بقطع الدعم.. هل يوقف زيلينسكي استهداف منشآت الطا
.. بيرنهام يرجح تورط الحرس الثوري باستهداف قاعدة فيرفورد
.. إيران: اتهامات بريطانيا بشأن فيرفورد محاولة لتبرير مشاركتها