الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ثلاث رؤى في خَلق الإنسان

عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث

2026 / 10 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تُعد مسائل خلق الإنسان وبدء الحياة والعالم الأكثر إلحاحًا في العقل البشري، الذي انشغل بمحاولات الإجابة عنها منذ فجر التاريخ. والدليل على ذلك، أنه لا توجد أمة من الأمم تخلو حضارتها من أساطير تتعلق بالخلق والتكوين وأصول الأشياء، وصولًا إلى العصر الحالي حيث تُشغل هذه المسائل حيِّزًا هامًّا في الفلسفات والعلوم الحديثة.
ويقتضي السياق التذكير بحقيقة أن السومريين أولُ من خطَّ الحرف في الحضارات القديمة؛ إذ مكَّنَهم هذا الانجاز التاريخي من تدوين ملاحمهم الشعرية، ومبادئهم الدينية، وتشريعاتهم القانونية.
وتُعد الأسطورة السومرية المتعلقة بخلق الإنسان أولَ نَصٍّ خطته يد البشر في هذا الشأن. ومن السومريين انتقلت هذه الأسطورة إلى الحضارات المختلفة بعنصريها الأساسيين: خلق الإنسان من طين، وتصويره على صورة الإله. فقد اعتقد السومريون أن هيئة الإنسان تشابه هيئة الآلهة، وهو ما تفصح عنه تفاصيل منحوتاتهم المتبقية.
أما سبب خلق الانسان في الموروث السومري، فيعود إلى شكوى رفعتها الآلهة إلى الحكيم "إنكي"، ليجد لها مخرجًا يريحها من عناء الكد المستمر لتأمين بقائها. وهكذا فكر الإله إنكي في خلق الإنسان ليخدم الآلهة، ويوفر لها ما تحتاج إليه من طعام وشراب، ويقوم على زراعة أرضها ورعي أغنامها، متحملًا مشاق العمل عنها. وهكذا، خُلق الإنسان عبدًا للآلهة في المعتقدات السومرية.
تروي الأسطورة السومرية "إنكي وننماخ" عن خلق الإنسان، أن انكي كان غارقًا في نومه عندما قصدته الآلهة الشاكية؛ ونظرًا لتهيبها الدخول عليه، تولت أمه الإلهة البدئية "نمو" مهمة إيقاظه ونقل شكوى الآلهة إليه:
"يا بني إنك نائم حقًّا
فإن الآلهة العظام تضرب أجساد الآلهة الصغار
يا بني اخرج من غرفة نومك
فأنت من خلال حكمتك تدرك كل فن
اصنع بديلًا عن الآلهة حتى يحمل سلَّة العمل عوضًا عنها
نهض الإله انكي على كلمات والدته الإلهة (نمو)
ودخل إلى القاعة المقدسة وأخذ يضرب فخذه وهو يفكر
الحكيم، العليم، البصير، الذي يُدرك كل شيء وكل فن
جَلَبَ الأيدي وصاغ صدره (صدر الإنسان)
انكي، الخالق وضع داخل مخلوقه (الإنسان) شيئًا من حكمته ونادى
أمه الإلهة نمو وقال لها:
أمي: المخلوق الذي أوجدته اربطي به عمل الآلهة
وبعد أن تخلطي الطين الذي تأخذينه من مياه الإبسو
عليك أن تصبغي أل...والطين وتكوِّني المخلوق(الإنسان)".
وفي قراءة ثانية للأسطورة السومرية ذاتها:
فتأمل انكي في الأمر، ثم دعا الصنَّاع الإلهيين المهرة وقال لأمه نمو:
إن الكائنات التي ارتأيت خلقها، ستظهر للوجود
ولسوف نعلق عليها صورة الآلهة
امزجي حفنة طين، من فوق مياه العماق
وسيقوم الصُّنَّاع الإلهيون المَهَرَة بتكثيف الطين وعجنه
ثم كوِّني أنت له أعضاءه
وستعمل معك ننماخ* يدًا بيد
وتقف إلى جانبك، عند التكوين، ربات البيوت
ولسوف تقدرين للمولود الجديد، يا أماه، مصيره،
وتعلق ننماخ عليه صورة الآلهة
(...) في هيئة انسان(...).*
يلفت النظر، وضوح العناصر الرئيسة لهذه الأسطورة في قصص الخلق التوراتية. ففي سِفر التكوين نقرأ: "وجَبَلَ الرَّبُّ الإله آدم ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نَفْسًا) (سِفر التكوين: 7:2-8).
وفي السِّفرِ ذاته نقرأ أيضًا: "فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأُنثى خلقهم"(التكوين 27:1- 28).
وعليه، فإن فكرة خلق الإنسان من طين، وعلى صورة الإله، قد صاغها السومريون قبل ورودها في سِفر التكوين التوراتي بقرون.
وتكررت الفكرة ذاتها في الحضارة البابلية، وعلى وجه التحديد في أسطورة "أتراحاسيس". تقول الأسطورة إن صغار الآلهة كانوا يقومون بأعمال شاقة في الأرض، من حفر للقنوات وحمل للأثقال. ومن شدة التعب تمردوا، فكان الحل خلق كائن يقوم بالعمل المضني بدلًا منهم، ومن هنا بدأت عملية خلق الإنسان.
يقترح الإله إنكي، المشترك بين السومريين والبابليين، خلق البشر، فتنهض بالمهمة الإلهة "نينتو" بخلقهم من الطين. لكن الطين وحده لا يكفي؛ فيُذبح أحد الآلهة، ويُخلط دمه بالطين، ومن هذا الخليط تؤخذ أربع عشرة قطعة ومنها يولد سبعة رجال في جهة وسبعة نساء في الجهة الثانية. وهكذا، يبدأ الخلق بدفعة من البشر وليس برجل وامرأة.
يسترعي الانتباه وجهُ الشَّبَه في مروية خلق حواء من ضلع آدم بين مأثور الأساطير القديمة ونصوص التوراة.
تقول التوراة في سِفر التكوين: "فأوقع الرَّبُّ الإله سباتًا على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحمًا. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم وأحضرها إلى آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تُدعى امرأة لأنها من امرءٍ أُخذت"(التكوين 2: 12- 24).
في النصوص السومرية، وتحديدًا في اسطورة "انكي وننخرساج" حول جنة دلمون (البحرين الحالية) نجد أن الضلع يُلفظ في السومرية (تِيْ)، وكان أحد أضلاع الإله انكي الثمانية الممروضة بعد أن أكل من نباتات غرستها الإلهة ننخرساج في أرضها. لذا، كان لزامًا لشفائه، حسب الأسطورة أن تخلق ننخرساج إلهة خاصة بهذا المرض سمَّتها الأسطورة (نِنْ- تِيْ)، أي سيدة الضلع، أو السيِّدة التي تحيي.
تجدر الإشارة إلى أن حواء في العبرية تعني "التي منها كل حي"، وكان هذا الاسم ترجمة حرفية للإلهة (نن- تي) السومرية، إلهة الطب والشفاء والحياة ويعني اسمها الإلهة أو السيدة التي تحيي، لكن الاسم (تي) يعني بالسومرية الضلع. وقد لفت نوح كريمر عالِم السومريات إلى هذا التشابه، وربطه بصورة حواء في سِفر التكوين.
تأسيسًا على ما تقدم، نحن أمام ثلاث رؤى لخلق الإنسان: رؤية أساطير الأولين، ورؤية الدين، ورؤية العِلم الحديث. ولا بد أن القاريء لاحظ التشابه بين الرؤيتين الأوَّلِيَّين، أما العلم فيرى أن الإنسان ظهر وتطور عبر مراحل استغرقت مئات آلاف الأعوام.
ويؤمن كاتب هذه السطور، بجدوى مقاربة العلم في هذا المضمار. فبالعلم وليس بغيره، توصل الإنسان إلى ما ينعم به من تقدم ورقي ورفاه في حياته.
*ننماخ: الأرض الأم في الأسطورة السومرية.
*الفراغات في بعض مقاطع الأسطورة هكذا وردت في المصدر الأصلي.
ملاحظة: المصدر الرئيس للمعلومات المتضمنة في المقال، كتابنا (الانسان والدين/ بعقولها تتقدم الأمم وليس بأديانها).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكيل بمكيالين هولندا تترك الإخوان الإرهابيين وتلقي القبض


.. وقفة سلمية للمصريين بهولندا أمام السفارة احتجاجًا على تجاوزا




.. عظة الاحد - القمص مينا القمص بولس: قراءات الأحاد في الكنيسة


.. الرئيس السيسي: تحدثنا على أهمية إعداد الوعاظ والعلماء فيما ي




.. مساعد طيار فلاي دبي وفكر الإخوان.. ماذا كشفت تحقيقات النائب