الحوار المتمدن - موبايل


المسيحية والشيوعية

كامل عباس

2007 / 6 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


(( هل وجد المسيح حقا ؟ أم أن قصة حياة مؤسس المسيحية وثمرة أحزان البشرية وخيالها وآمالها , أسطورة من الأساطير شبيهة بخرافات كرشنا , وازوريس و وادونيس ومتراس , لقد كان بولنجيروك والملتفون حوله , وهم جماعة ارتاع لأفكارهم فلنر نفسه ’ يقولون في مجالسهم الخاصة أن المسيح قد لايكون له وجود على الإطلاق , وجهر فلني بهذا الشك نفسه في كتابه خرائب الأمبراطورية الذي نشر في عام 1791 ))(1)
ليس من السهل فصل ما هو تاريخي عما هو أسطوري في كل الدعوات الدينية , ولكن من المؤكد أن المسيح شخصية تاريخية تزّعم حركة ثورية دينية ضد فساد الأمبراطورية الرومانية ممثلة بشخص حاكمها – هيرودوتس - في فلسطين , وهو يشترك مع كل الأنبياء والمصلحين الدينيين الذين جاءوا قبله وبعده , باعتمادهم على السماء من اجل نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف . فإذا استبعدنا الجانب الأسطوري من سيرته وما تحتوي من معجزات وخرافات , لتوجب علينا القول ان المسيح كان ثائرا شيوعيا على طريقته الخاصة ’ عمل بلا كلل من اجل الفقراء والمستضعفين في الأرض وسار أتباعه على خطاه , فأسسوا حركة شيوعية طوبوية ثورية تقوم نظريتها على:
- قول اليسوع لتلاميذه ((الحق أقول لكم انه يعسر أن يدخل غني الى ملكوت السموات’ وأقول لكم أيضا ان مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني الى ملكوت الله )) (2) وقد كان أخوه يعقوب بنفس الوضوح بقوله (( هلّم الآن أيها الأغنياء , ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة , غناكم قد تهرأ, وثيابكم قد أكلها العث , ذهبكم وفضتكم قد صدئا , وصدؤهما أكل لحومكم كنار , قد كثرتم في الأيام الأخيرة , هو ذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ , وصراخ الحاصدين قد دخل الى أذني رب الجنود .. اما اختار الله فقراء هذا العالم .. ورثة الملكوت )) (3)
- وتنظيمها
يقوم على اجتماعات دورية أسبوعية يتم فيها مناقشة كل الأمور التي تتعلق بدعوتهم في جانبها الإيماني والعملي والحركي ’ اتخذت فيما بعد شكل القداس المسيحي الأسبوعي
- وممارستها
تقوم على حياة شيوعية مشتركة بكل شيء كما تحدثنا أعمال الرسل (( وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات , وصار خوف في كل نفس , وكانت عجائب وآيات كثيرة تجري على أيدي الرسل , وجميع الذين آمنوا كانوا معا وكان عندهم كل شيء مشتركا , والملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج , وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة , واذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب , مسبحين لله ولهم نعمة لدى جميع الشعب , وكان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون )) (4)
ثلاثة قرون صبر فيها المسيحيون الأوائل على كل أنواع التعذيب والعزل والملاحقة والاضطهاد وصمدوا صمودا أسطوريا رفضوا فيه الخضوع لقوانين الدولة الرومانية الدكتاتورية وفي مقدمتها إحراق البخور أمام تمثال الأمبراطور وعبادته كونه يجسد إرادة الآلهة في الأرض
صُلب المسيح على خشبة ودقت المسامير في أطرافه , وأعدم بعده بطرس وبولس , ولكن الدعوة المسيحية استمرت وسط ملاحقة واضطهاد أساقفتها (( وتوفي أسقف أورشليم وأنطاكية في السجن وأعدم أسقف روما وطولوز عام 250 م والقي الكثير من المسيحيين الرومان في غيابة الجب , وقطعت رؤوس بعضهم ومات الكثير منهم على قوائم الإحراق والقي عدد منهم الى الوحوش في حفلات الأعياد )) (5) ولكن ذلك لم يمنع من انتشار المسيحية كتنظيم على الأرض مواز للدولة الرومانية له وجوده الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والديني ’ لدرجة أن الأمبراطور الروماني ديسيوس , أعلن أمام أركان دولته في عام 251 م قائلا : انه يفضل ان يكون في روما أمبراطور ثان ينافسه عن ان يكون فيها بابا ينطق باسم المسيحيين , لكن الأمبراطور قسطنطين بعده كان أذكى منه بكثير, فقد وجد ان من الحكمة اعتناق الدين المسيحي وجعله الدين الرسمي للدولة حتى يتم التأثير فيه من داخله بعد ان عجزت الدولة عن التأثير فيه من خارجه , وفعلا اعتنق المسيحية في عام 323م وجعل الدين المسيحي دينا رسميا للدولة , وبدأ بالعمل الجاد من اجل تكييف الدين بما يخدم الفئة القليلة المستغِلة في المجتمع , من اجل ذلك دعا لعقد المجمع المسكوني الشهير في التاريخ عام 325 م وعُقِد تحت إشرافه في نيقية – ازنيق الحالية – في آسيا الصغرى , وفيه تم اعتماد الأناجيل الأربعة – متى , مرقس , لوقا , يوحنا – وأحرقت عشرات الأناجيل الأخرى , وخرج بتعالم مسيحية عالمية ( كاثوليكية )تخدم الدولة والكنيسة معا, وكل من لم يتقيد بها عُد هرطوقيا يجب معاقبتته في الأرض قبل السماء ,
منذ ذلك التاريخ بدأ التحول في تاريخ الكنيسة لتصل بالنهاية الى عكس ما انطلقت منه على كل الأصعدة .
فعلى الصعيد التنظيمي لم يعد هم الكنيسة من أدنى رتبة فيها الى أعلاها- راس الهرم لجالس على الكرسي الرسولي - سوى جمع المال وبأي طريقة كانت بما فيها بيع وشراء المراتب الدينية
وعلى الصعيد الأيديولوجي أصبحت الكنيسة الداعم الأساسي لحق الملوك الالهي في السلطة
وعلى الصعيد السياسي محاكم تفتيش تحرق المخالفين لتعاليمها أحياء كما جرى للطبيب ورجل الدين الأسباني مايكل سرفانتس عام 1553م , وهكذا رأى الكثير من المسيحيين بالبابا بعض صفات الوحش الذي صورها لهم سفر الرؤيا , ومقر إقامة البابوات هو بابل العاهرة المذكور في الأناجيل , كما وصفها الشاعر البولوني الاصل بترارك (( بابل العاصية ’ جحيم الأرض , بالوعة الرزيلة , مستودع أقذار العالم , لانجد فيها إيمانا ولا إحسانا ولا دينا , ولا خوفا من الله , لقد تجمعت فيها كل قذارات العالم وخباثته , ترى كبار السن من رجالها يندفعون غير مبالين الى أحضان فينوس ’ لا يبالون بكبر سنهم او كرامتهم او مالهم من سلطان , بل يرتكبون كل عار , كاّن مجدهم كله لا يعتمد على صلب المسيح ’ بل يقوم على المأكل والمشرب والسكر والعربدة و وهتك الأعراض , والزنا هي أعظم المباهج لمهازل رؤساء الكنيسة )) (6)
وهكذا انتهت أول أممية في التاريخ قامت على أرضية دينية وأخذت على عاتقها الدفاع عن مصالح الفقراء الى عكس ما ابتدأت , وأصبحت الكنيسة نصير الأغنياء وداعم لهم , وانصرف أحبارها وكهنتها لعبادة المال بدلا من عبادة الله .
وبعد المسيح بستة قرون ظهر نبي آخر في جزيرة العرب هو محمد بن عبد الله , مؤسس الأممية الثانية على أرضية دينية . كان همها مثل الأولى الانسان سواء كان عربيا ام عجميا وشعارها تمكين المستضعفين في الأرض , وقد آمن به نفر من الفقراء ولقوا تعذيبا من خصومهم لايقل عن تعذيب المسيحيين الأوائل مثل بلال الحبشي وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وابي ذر الغفاري , ولكن دعوتهم نجحت قبل وفاة نبيهم وبزمن اقصر بكثير من زمن أنصار الدعوة المسيحية , مما دفع المشركين لاعتناق الاسلام من أجل التأثير فيه من داخله بعد ان عجزوا عن التأثير عليه من خارجه , وفعل ابو سفيان ما فعل قبله الأمبراطور قسطنطين , وصبر أبناؤه حتى واتتهم الرياح وحولوا الاسلام من نظام الشورى الى نظام الملك العضوض , وأحاطوا أنفسهم بالفقهاء وكتاب السيرة المدافعين عن الخليفة بنفس الروح الذي دافع فيها الأساقفة عن الحق الالهي للملوك , وعندما قصفت الكعبة بالمنجنيق وحج الكثير من ملوك بني أمية على جمال محملة بالخمر والعاهرات وجد من يدافع عنهم باسم الإسلام ويقول ان الله اكبر من أن يولي أمر امة المسلمين إلى زنديق حتى ولو جاهر بذلك مثل الوليد بن عبد الملك
أتوعد كل جبار عنيد وها آنذاك جبار عنيد
إذا لاقيت ربك يوم حشر فقل يارب مزقني الوليد
وسار الخلفاء العباسيين بعد الأمويين على نفس المنوال وصارت الخلافة في الإسلام تضاهي بابل العاصية في المسيحية , مع فارق ان الخلفاء المسلمون كان طريقهم من السلطة إلى الثروة , اما البابوات المسيحيين فكان طريقهم من الثروة إلى السلطة , والجهتين استبدلتا عبادة الله بعبادة المال (( وفي يوم الأحد 4 صفر سنة 656 ه ( 10 فبراير سنة 1258 م ) خرج الخليفة المستعصم لملاقاة هولاكو , وكان بصحبته أولاده الثلاثة وهم : ولده الكبير ابو العباس احمد , وولده الأوسط أبو الفضائل عبد الرحمن , وولده الأصغر أبو المناقب مبارك , وثلاثة آلاف من القضاة والفقهاء والصوفية والأمراء وأعيان ٍالمدينة , ولما اقترب هذا الركب من دار هولاكو حجبوا عن الخليفة ولم يبق معه إلا سبعة عشر شخصا منهم , ولما احضر الخليفة بين يدي هولاكو قال له الأخير – أنت المضيف ونحن الضيوف فاحضر ما يليق بنا , وقد بلغ من اضطراب الخليفة انه لم يعد يعرف المكان الذي أودع فيه مفاتيح خزائنه , فأمر بكسر عدة أقفال ’ وأحضر لهولاكو ألفي ثوب وعشرة آلاف دينار وكثيرا من الجواهر والنفائس , فلم يلتفت هولاكو اليها ومنحها كلها للأمراء , تم قال للخليفة : ان الأموال التي تملكها على وجه الأرض ظاهرة وهي ملك عبيدنا , ولكن اذكر ما تملكه من الدفائن , وما هي ؟ وأين توجد ؟ فاعترف الخليفة بوجود حوض مملوء بالذهب في ساحة القصر . فحفروا الأرض ’ فكان الحوض مليئا بالذهب الأحمر , وكان كله من سبائك تزن الواحدة ما ئة مثقال , وقد أحصي نساء القصر فكن سبعمائة بين زوجة وسرية وخادمة )) (7)
وجاءت الأممية الثالثة بعد ألف عام على الإسلام وكان مؤسسها( ماركس ) لايقل شجاعة وتضحية وذكاء وإيمانا بالإنسان من المسيح ومحمد , وقد عمل مع رفيق دربه أنجلز لنشر مبادئ الأممية على أسس أرضية بحتة لا دور للسماء فيها وصاغ تعاليمه في كتابه الشهير رأس المال الذي لايقل بلاغة عن الإنجيل والقرآن , وفيه توعد الأغنياء والرأسماليين بالويل والثبور وعظائم الأمور على يد ديكتاتورية البروليتاريا , ودعا للقضاء على الدين الوثني الجديد ممثلا بصنمية السلعة التي أصبحت ترقص في السوق بمعزل عن خالقها الحقيقي لتبدو الأشياء مقلوبة - الميت هو الحي والحي هو الميت - السلعة هي الناطقة والمتحركة والإنسان خالقها هو التابع لها في السوق , وقد جرى لدعوته بعد وفاته ما جرى للمسيح مع فارق أن المسيحية ظهرت في الشرق وشقت طريقها إلى الغرب وهناك أقامت سلطتها, أما دعوة ماركس فقد ظهرت في مركز العالم الغربي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وشقت طريقها الى الشرق فأقامت أول سلطه لها في روسيا و ولذلك كان طريق الشيوعيين نحو المال مشابه لطريق الخلفاء المسلمين أكثر مما هو مشابه لطريق المسيحيين ,
والنتيجة كانت تعميق استغلال الطبقة العاملة تحت يافطة شيوعية , أي أن نهايتها كانت كالأمميتين السابقتين
هضم رأس المال الأمميات الثلاث ونخرها من داخلها , ووصلنا إلى القرن الواحد والعشرين بنظام عالمي جديد كل ما فيه يأتمر بقوانين تعمل لمصلحة حفنة قليلة من الأغنياء بغض النظر عن جنسهم ولونهم وقوميتهم ودينهم , بدون أي اعتبار لأي قيم أو أخلاق والنتيجة تخريب حقيقي في الطبيعة والمجتمع
في الطبيعة , تغير في المناخ , انزياح في الفصول , احتباس حراري , تلوث شامل بما فيه الهواء والماء .
وفي المجتمع حضارة استهلاك ذات بعد واحد همها الحصول على المال بأي وسيلة مهما كانت غير أخلاقية .
السؤال الذي يطرح نفسه , ترى الم يحن الوقت لكي يتمكن كل من يهمهم خلق حضارة جديدة مركزها الإنسان وحقوقه وكرامته , وتوفير فرصة عمل له, من توحيد صفوفهم واستبعاد الجدل البيزنطي بينهم , ليشكلوا حلفا فيما بينهم يفرض نفسه على الأغنياء ومن يعمل لحسابهم سواء كان فقيها للإرهاب أم داعية (للمقاومة الشاملة هي الحل ) سواء كان رجل دين منافق أم شيوعي انتهازي تهمه مصلحته ؟؟؟
وإذا أردنا أن نستفيد من تجارب الامميات الثلاث ’ لقلنا ليس أمامنا من خيار سوى العمل لخلق إنسان يحب أخوه الإنسان ويريد له الخير كما يريده لنفسه ’ في هذا المجال يتفوق المسيح على محمد وماركس, فقد كانت نظريته تقوم على صنع ثورة لاتتم فيها مهاجمة النظام السياسي والاقتصادي القائم وقلبه لتحل نظام جديد سيكرر التطور السابق ويأتي بطبقة جديدة تستلم السلطة وتكيفها من اجل مصالحها , مركز ثورته هي العمل من اجل خلق انسان تطّهر قلبه من الشهوات الأنانية ومن القسوة والفجور والفسق والعنف ’ يحب لأخيه ما يحب لنفسه , عندها ستنبثق عنه قوانين وأنظمة جديدة لمصلحة الجميع .
المسيح ضمير الإنسانية وعلينا أن نعمل بقيمه لنراكم وعيا بشريا يكون همه حضارة مركزها الإنسان وليس المال .
كامل عباس – اللاذقية
................................................................................

هوامش :
1- قصة الحضارة . ويل ديورانت . ترجمة محمد بدران ج 11 ص 203
2- انجيل متى , الاصحاح الثاني عشر , الآية 23 – 24
3- قصة الحضارة ج11 ص 279
4- أعمال الرسل ’ الاصحاح الثاني من الاية 43 إلى الآية 47
5- قصة الحضارة ج11 ص 377
6- قصة الحضارة ج12 ص 100
7- جامع التواريخ , المجلد الثاني ج 2 ص 291








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نشرة الرابعة | تعرف على مسجدي الزرقاء وسديرة بعد اكتمال ترمي


.. أهمية المال في الإسلام | #بذور_الخير الحلقة السابعة


.. ضربة جزاء الزمالك المهدرة ..الحلقة السابعة من مسلسل ضل راجل




.. لقطات مرعبة.. الإخوان يطلقون الرصاص على الشرطة فى رابعة وجام


.. حسان القبي: الجزائر حصلت على تقارير استخباراتية بوقوع لقاءت