الحوار المتمدن - موبايل



دور المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية في عمليةالتحول الاقتصادي الرأسمالي

نجم الدليمي

2009 / 12 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


د.نجم الدليمي

المقدمة

ان عملية التحول الاجتماعي والاقتصادي التي جرت في الاتحاد السوفييتي من نموذج التخطيط المركزي الى نموذج اقتصاد السوق تعد من اولى التجارب على الصعيد العالمي , وهي التي كانت ولا تزال مثار الجدل والنقاش الحاد والواسع بين الاطراف المؤيدة والمناهضة 0
لقد تم التحول الى اقتصاد السوق بفعل تضافر العوامل الداخلية والخارجية في ان واحد لتحقيق الهدف المخطط , اذ لعب الغرب وخاصة الولايات المتحدة الاميركية والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية دورا كبيرا في هذا التحول من خلال تطبيق وصفة صندوق النقد الدوليين عبر ( البيريسترويكا ) و ( الاصلاح الاقتصادي ) منذ عام 1985 حتى يومنا هذا 0 لقد تم التركيز على التجربة الروسية في عملية التحول لما لروسيا من دور واهمية وخصوصية في الميدان السياسي والاجتماعي والاقتصادي على مختلف الاصعدة 0
احتل برنامج ((العلاج بالصدمة )) ونتائجه العمود الفقري في هيكل ما يسمى بـ((التحول الاقتصادي )), وهذه الدراسة هي محاولة لتقييم اهم الابعاد والنتائج لعملية التحول هذه عبر المحاور الاساسية التالية :
المحور الاول : دور الغرب والمؤسسات الدولية في عملية (( التحول الاقتصادي )) 0
المحور الثاني : التحول الى اقتصاد السوق من خلال تطبيق سياسة (( العلاج بالصدمة )) 0
المحور الثالث : تنفيذ برنامج التخصيص 0
المحور الرابع : بعض النتائج الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت خلال الفترة 1985 -1998 0



المحور الاول :

قبل ان نبدأ بتحليل سياسة ((العلاج بالصدمة))ينبغي علينا ربط هذه الحلقة الجديدة مع سابقاتها من حلقات سلسلة المتغيرات التي جرت في الاتحاد السوفييتي منذ عام 1985 حتى الوقت الحاضر 0 لابد من معرفة ماذا حدث ويحدث في الاتحاد السوفييتي – روسيا,هل هو اصلاح اقتصادي ام تخريب اقتصادي ؟ولمصلحة من ؟0 ان هذا يتطلب تبيان اهم المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت منذ وصول ميخائيل غورباتشوف للسلطة حتى يومنا هذا ,وبالتالي يمكن اعطاء وجهة نظر حول ما تم انجاره خلال الفترة من عام 1985 حتى عام 2006 0
في عام 1985 بدأت عملية اعادة البناء ,ومنذ عام 1987 بدأ بتشريع قوانين اقتصادية كثيرة تحمل في نواتها وجوهرها جذورا للعلاقات الانتاجية الرأسمالية في ظل السلطة السوفياتية ,وارست هذه التشريعات مفهوما جديدا وعلاقات انتاج جديدة هو ((القطاع التعاوني ))وهذا القطاع لايمثل في جوهره الكلخوزات التعاونية التي كانت تشكل احد اهم ملامح الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ,فهذا القطاع التعاوني هو من النمط الرأسمالي ,وكان يراد من خلاله العبور من النمط الاشتراكي الى النمط الرأسمالي ,واكتسى هذا القطاع الجديد هالة صاخبة من المصطلحات والشعارات البراقة التي رافقت ولادته ومنها مثلا:التجديد والتعجيل ,اقتصاد السوق ,العلنية ,حقوق الانسان ,الديمقراطية 00))0 فعلى سبيل المثال ((قانون التسيير الذاتي للمؤسسات الحكومية )),ان هذا القانون اعطى لمؤسسات الدولة استقلالية شبه كاملة في اتخاذ القرار سواء فيما يخص السياسة الانتاجية والسعرية ,التسويق والبيع وانتخاب المدراء وهذا النهج هو امتداد لنهج خروشيف والذي عمل على (( تشديد نظام الحوافز الفردية على حساب الحوافز الجماعية وتعزيز استقلالية مدراء الشركات على حساب دور المجاميع العمالية 000وبنفس الوقت قلص دور التخطيط المركزي 00 وتنامي دور السوق ودور البيروقراطيين في عملية التنظيم الاقتصادي00 وانحصر التخطيط وتم فسح المجال امام قوى السوق وامام الفوضى في الانتاج )) (1) وان الدولة لن تتدخل في شؤون المؤسسات بحجة التخلص من ((المركزية القاتلة ))و ((المعرقلة))! علما ان الوضع العام في البلاد غير مهيأ لذلك وكما يقول ميخائيل غورباتشوف ان ((هدفي في الحياة هو القضاء على الشيوعية 00وتقويض النظام السوفييتي من الداخل ومن اجل تحقيق ذلك استعنت بالضبط الحزبي ونقاط الضعف في تركيبته )) (2)

لقد ادت هذه السياسة الجديدة الى خلق فوضى سياسية واجتماعية واقتصادية ,ثم الى اضعاف وتحجيم دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي ونتيجة لذلك ظهر الانخفاض المستمر في الانتاج الزراعي والصناعي ,واصبحت المخازن الحكومية شبه فارغة من السلع الغذائية وغيرها ,وظهر نظام البطاقات التموينية (ظهر ذلك اثناء الحرب العلمية الثانية )مما ادى الى تذمر غالبية المواطنين السوفييت من الوضع الاقتصادي الجديد وعدم الارتياح من الحزب الحاكم والسلطة السوفييتية ,كما رافق ذلك ايضا ظهور ((اقتصاد الظل))الذي بدأيتاجر بالانتاج الحكومي بالدرجة الاولى تحت غطاء ((القطاع التعاوني))مما ساعد هذا التوجه الى ظهور الطفيليين والسماسرة والمافيا التي تاجرت بقوت الشعب وتشابكت مصالح هؤلاء مع مصالح المتنفذين في السلطة التنفيذية ,مما ساعد ذلك على خلق وتراكم الثروة لدى البورجوازية الادارية والبيروقراطية والطفيليين والمافيا 0

بدأت معظم المؤسسات الحكومية ((المستقلة))بزيادة الاجور والمرتبات على اساس ((حوافز))مادية من اجل ((تشجيع))الانتاج ,وهذا تم على حساب عدم ادخال التقانة الحديثة
للمؤسسات الانتاجية ,مما ساعد ذلك على خلق الفوضى في السوق وغياب التوازن بين التيار النقدي والسلعي ,اذ اصبح عرض النقد المتداول اكثر من عرض السلع مما ادى الى ظهور التضخم النقدي المفرط وهبوط قيمة العملة الوطنية وتدهور المستوى المعاشي للغالبية العظمى من المواطنين 0
الغريب في الامر ان نهج ((البيريسترويكا))قد اقر من الحزب الحاكم والسلطة التشريعية والتنفيذية من اجل تحقيق ((العدالة والرفاهية والمساواة))في المجتمع السوفييتي معتقدين انه ((اذا ما انتهت الحرب الباردة بين المعسكرين))سوف يتم ((تحرير جانب كبير من مواردها التي كانت توجه للاغراض العسكرية نحو الانتاج المادي ))الا ان ((تحول هذه الدول (المقصود الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية)الى النظام الرأسمالي ))قد خلق طلبا هائلا من جانبها على المعدات والتجهيزات الانتاجية ,وتلك هي بالدقة ,الفرصة الذهبية التي تتطلع اليها كثير من عواصم دول المنظومة الرأسمالية للتخفيف من حالات الكساد التي تمر بها (3)0
لقد كانت ((البيريسترويكا))نهجا واعيا ومخططا له مسبقا منذ وصول غورباتشوف للسلطة عام 1985 من اجل تحقيق اهداف محددة هي تصفية الاشتراكية كنظام سياسي واجتماعي – اقتصادي وتفكيك الاتحاد السوفييتي الى دويلات ضعيفة ومتناحرة ,اذ ((حدث تفكك روسيا القديمة الموحدة بتأثير عوامل سياسية داخلية ودولية وان احد اسباب هذا التفكك هو فساد تلك النخبة )) وان ((الديمقراطيين الروس الجدد الذين فقسوا من ((بيضة الطغمة الحاكمة ))في نظام غورباتشوف الفاسد ليس لديهم شعور بالمسؤولية ولا فهم عميق لواجبهم 0 وليس من المستغرب في مثل هذا الجو ان تنال المصالح الشخصية والفئوية افضلية كبيرة امام الحاجات القومية العامة 0 وتنتصر هنا ((عقلية الموظف المؤقت))مع شعارها القذر ((اسرق اكثر وخبئ في مكان ابعد وليكن ما يكون))(4)0 وان هذا النهج سوف ((يجر البلاد والشعب الى كارثة اقتصادية وانقلابات اجتماعية وفي نهاية الامر اخضاع البلاد للدول الامبريالية))(5)0 يشير البروفسور فلاديمير ماسليننيكوف انه في حكم الرئيس الروسي بوريس يلتسين تم عقد صفقة بين روسيا وامريكا على بيع 500 طن من اليورانيوم اذ تم بيع هذه الصفقة بـ 11,9 مليار دولار , في حين قيمتها الحقيقية هي 10 تريليون دولار(6) 0
لقد بذل الغرب ومؤسساته الدولية المختلفة دورا هاما وكبيرا من اجل خلق قاعدة سياسية واجتماعية تكون السند الرئيسي للنظام الاجتماعي – الاقتصادي الجديد ,أي بناء الرأسمالية المتوحشة في البلدان الاشتراكية ,وخاصة الاتحاد السوفييتي ,ففي بولونيا تم تأسيس ((حركة التضامن))لمناهضة للنظام الاشتراكي ,وحظيت بالدعم المادي والمعنوي من قبل الغرب ومؤسساته الدولية , وفي الاتحاد السوفييتي من خلال ما يسمى بـ ((البيريسترويكا)) التي سهلت عمل ونشاط البلدان الرأسمالية ومؤسساتها الدولية من خلال تبني شعارات ومنها ((حقوق الانسان ,والديمقراطية ,والعلنية00)) وفي عام 1990 تم تأسيس اول حركة سياسية داخل مجلس السوفييت الاعلى بأسم ((حركة النواب بين الاقاليم))ذات التوجه الغربي ,وان معظم مؤسسيها وقيادييها هم من قيادة وكوادر الحزب الحاكم ,وحظيت هذه الحركة بالدعم المادي والمعنوي والاعلامي من قبل البلدان الرأسمالية وخاصة اميركا ,وفي الوقت نفسه فأن هذه الحركة كانت على صلة وثيقة مع ممثلي ((اقتصاد الظل))في الاتحاد السوفييتي ,وبعدها ظهرت حركات ومنظمات سياسية واجتماعية موالية للغرب ومنها على سبيل المثال ((خيار روسيا الديمقراطي)) برئاسة يغور غايدار ,كتلة ((يابلكا)) برئاسة غورغي يافلينسكي ,حركة ((بيتنا روسيا))برئاسة تشيرنوميردين 0

يقول زيوغانوف : ((لقد وضعت ,منذ البداية ,امام معدي سيناريوهات مأساتنا المعاصرة الذين يقفون وراء الكواليس ,مهمة اعداد وتطبيق اسلوب تحويل البلاد تحويلا مسيطرا عليه الى نظام سياسي جديد مطعم بالديكتاتورية)) 0

في عام 1990 اعد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الامن والتعاون الاوروبي وغيرها من المنظمات تقرير خيوستوتسكي بـ (1200)صفحة بعنوان ((اقتصاد الاتحاد السوفييتي 00 الاستنتجات والتوصيات )) كان الهدف من ذلك هو اعطاء تصور ومقترحات لقادة الدول الرأسمالية للعمل بها وتحديد علاقتهم السياسية والاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي وفقا لشروط محددة ومن اهمها : تم التأكيد على ان الانتقال السريع يتطلب الانفتاح وادخال نظام اللامركزية في التجارة من اجل تعجيل تكامل واندماج الاقتصاد السوفييتي بالاقتصاد العالمي ,وخلال ثلاث سنوات لابد من ضرورة الانتقال الى الاسعار العالمية في العلاقات التجارية ,وخلال سنة الى سنتين ضرورة اقرار الروبل كعملة قابلة للتحول ,وتحرير الاسعار ,وادخال ضرائب جديدة والغاء فروع الوزارات المحلية ,والمساواة في الحقوق والمصالح بين الدولة والقطاع الخاص المحلي والاجنبي ,وتقليص الاعانات والدعم ,وزيادة سن التقاعد ,وتحديد مستوى الاجور 00))0
لقد تم وضع ((برنامج 500 يوم)) على ضوء تقرير خيوستونسكي من قبل الاقتصاديين السوفييت برئاسة البروفسور س0 شتالين , وبتراكوفا ويافلينسكي وفيدروف وغيرهم ,لقد كان الهدف من ذلك هو زج المختصين والسياسيين والمواطنين السوفييت لمناقشة هذا البرنامج ,واصبح الشغل الشاغل لوسائل الاعلام الرسمية بكل انواعها نقل المناقشات العقيمة للمواطنين لهذا البرنامج المأساوي دون التوصل الى نتيجة ملموسة مما ادى ذلك الى خلق الفوضى والارباك السياسي والاقتصادي داخل المجتمع السوفييتي 0 ان الجوهر الاساسي لهذا البرنامج هو شل واضعاف دور الحزب في قيادة وتوجية جهاز الدولة والمنظمات المهنية والاجتماعية ثم الغاؤه ,والعمل على تكوين قاعدة اجتماعية وسياسية تكون سندا للنظام الجديد ,وعلى ضوء هذا البرنامج تم وضع ((برنامج 90 يوم))من قبل القوى ((الديمقراطية))الروسية 0 فيما يخص القطاع الزراعي :
تشير الفقرة الثالثة من هذا البرنامج فيما يتعلق بالارض الزراعية ما يلي :تحويل الملكية العامة للارض الى ملكية خاصة واعطاؤها مجانا لمن يرغب ولمدة عمل تجريبية تصل الى خمس سنوات ولا تقل مساحتها عن 200 هكتار للمزارع الواحد ,والغاء السفخوزات (مزارع الدولة)والكلخوزات (المزارع الجماعية ),وتحويل كافة ممتلكاتها للقطاع الخاص ومجانا ,وفي حالة ظهور مقاومة محلية لهذا البرنامج لابد من تشكيل فرق مسلحة يصل عدد افراد كل فرقة الى 50 شخصا من اجل الاستيلاء على الارض بالقوة 0

في عام 1991 وقع الاتحاد السوفييتي تحت ضغوطات سياسية واقتصادية كبيرة من قبل الغرب ومؤسساته الدولية ,فاقترحت المؤسسات الدولية تشكيل فريق من الخبراء الدوليين لعمل خطة من اجل اصلاح زراعي في الاتحاد السوفييتي تحت عنوان ((استراتيجية الاصلاح في المسألة الغذائية والقطاع الزراعي في الاتحاد السوفييتي))واهم مقترح في هذه الدراسة هو تنفيذ الاصلاح الزراعي في الريف السوفييتي (7)0
ان ((البيريسترويكا))خلقت كل المقدمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من اجل اضعاف ومن ثم تفكيك الاتحاد السوفياتي ,وفي شباط – اذار من عام 1990 التقى ممثلو غالبية البلدان الرأسمالية مع قيادة ((الحركة الديمقراطية))الروسية برئاسة غينادي بوربوليس وتم وضع ثلاثة سيناريوهات من اجل القضاء على السلطة السوفييتية وحددت لذلك الفترة الزمنية وهي نهاية عام 1993 ,ونشرت صحيفة ((البرق)) الروسية هذه الوثيقة بعنوان ((خطة بوربوليس)) وفي واقع الحال تم تنفيذ اخر حلقات هذه الخطة عندما قام الرئيس بوريس يلتسين وفريقه بانقلابهم العسكري في ايلول – تشرين الاول عام 1993 اذ تم حل البرلمان الروسي المنتخب ديمقراطيا بقوة الدبابات والغاء الدستور السوفييتي كأخر حلقات النظام السوفييتي 0 وبهذا الخصوص يشير زيوغانوف (( فكل مرحلتنا المضطربة يمكن ان يطلق عليها اسم مرحلة ((خيانة النخب العظمى))0 فعندما يدير البلاد موظفون صغار ولصوص وسكيرون فأن الاكاديميين ينتحرون))(8)0 وكما يشير البروفسور ديمتري لفوف نحن في وصع كارثي وتأخرت روسيا عن البلدان الرأسمالية المتطورة بـ100 مرة (9) 0

المحور الثاني :
التحول الى اقتصاد السوق من خلال
ما يسمى بـ((العلاج بالصدمة))
في 27/2/1992 اعلنت حكومة ايغورغايدار ((الاصلاحية))برنامجها الاقتصادي المتمثل في تطبيق وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين وبمساعدة رئيسية من قبل الخبراء الغربيين من امثال جيفري ساكس و م0 برينشتام وغيرهم ,وكان هدف ((الاصلاحيين))الروس والخبراء الاجانب هو الغاء اسلوب الانتاج الاشتراكي وخلق اسلوب الانتاج الرأسمالي والعمل على اضعاف دور الدولة ومن ثم الغائه فيما بعد ,وبسبب هذا التحول السريع ((فأن الاوضاع الاقتصادية في روسيا شهدت تدهورا حادا في اعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي 0 وقد اعتقد يلتسين ان الطريقة الوحيدة للتغلب على هذه الازمة هو التحول الى الرأسمالية خطوة واحدة , او ما يسمى العلاج بالصدمة 0 ويتضمن هذا تخفيض الميزانية , وتحرير الاسعار , واصلاح النظام الضريبي , وخصخصت الزراعة والصناعة )) 0 ان ((الاصلاحيين)) الروس الغوا الية السوق الاشتراكي ولم يستطيعوا ان يخلقوا الية جديدة للنظام الجديد , أي الية اقتصاد السوق الرأسمالي , مما ادى الى دخول البلاد في دوامة من الفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية , كما حولوا بلدهم من بلد منتج الى بلد يعتمد على استيراد اكثر من 70% من السلع الغذائية وغيرها , وخلال الفترة من عام 1992 حتى عام 2004 انخفض الناتج المحلي الاجمالي بأكثر من 55% , والقطاع الصناعي بنسبة 76% والانتاج الزراعي بنسبة 61% , وانخفض انتاج الطائرات بـ 250 مرة وانتاج الاسمدة الكيمياوية بـ14مرة (10)0 واصبحت روسيا بلدا مصدرا لاهم المواد الخام الاساسية مثل : المعادن والاخشاب والذهب والماس والنفط والغاز , حيث (( ان انتاج الالماس وتصديره لا يزال حقا حصريا لشركة (ديبرس) الانكليزية اليهودية , كما تسيطر شركة شيبرون الاميركية على معظم انتاج نفط الشمال وتسويقه ,وقد تحولت العديد من المصانع العسكرية ذات التقنية العالية الى مصانع للاواني المنزلية والدراجات الهوائية ووسائل التدفئة 0 وباتت أي صفقة لبيع الاسلحة , لايمكن ان تمر دون الموافقة المباشرة او غير المباشرة للاميركيين عليها))0
لقد عملت حكومة غايدار – تشو بايس ((الاصلاحية))المتطرفة منذ عام 1992 على رفع يد الدولة في تحديد اسعار السلع وتركها الى الية السوق القاسية دون وضع ضوابط معينة , مما ادى الى انفجار ((القنبلة))الموقوتة والقاتلة وهي التضخم المفرط الذي ادى الى انهيار شبه كامل للاقتصاد الروسي ,ورافق ذلك هبوط قيمة الروبل وفقد اهم وظائفه الاساسية ,وبسبب هذا النهج ((الاصلاحي))المتطرف الحق ضرر مادي كبير وخاصة بأصحاب الدخل المحدود0
اذ قدرت الخسائر المادية لهؤلاء في ظل حكومة غايدار وحكومة تشيرنوميردين ما بين 470-530 تريليون روبل ,وبلغى عدد المتضررين ما بين 70-80 مليون شخص0 واذا اضفنا الى ذلك ,الانهيار المالي الذي حدث في اب من عام 1998 فتصل الخسارة المادية الى ما يقارب 600 تريليون روبل 0
ان سياسة تحرير الاسعار المفاجئ والسريع وتركها الى فوضى السوق (السماسرة والمافيا والطفيليين)ادى الى ارتفاع كبير لجميع اسعار السلع وخاصة الضرورية منها ,فقد زادت الاسعار في عام 1995 بالمقارنة مع عام 1991 من 3000 الى اكثر من 26 الف مرة ,وكما زادت اسعار بعض السلع في عام 1996 بالمقارنة مع عام 1991 من 10000 الى 208333 مرة ,وقد ادى ذلك الى هبوط المستوى المعاشي للغالبية العظمى من المواطنين ,وبنفس الوقت تراكمت الاموال الهائلة وبشكل غير مشروع لدى النخبة البيروقراطية الحاكمة والطفيليين والمافيا 000
ان وقوع روسيا بأزمة عامة وشاملة لم يكن سببه ((فساد وعدم صلاحية بعض قرارات الادارة فحسب ,بل الافكار التي كانت للنهج المتبع ايضا ,افكار المذهب النقودي واساليب

((العلاج بالصدمة ))0 ان هذا ((السلاح المعد من قبل اختصاصيي المنظمات المالية العالمية خصيصا للدول النامية والتابعة لم يستخدم في اية دولة متطورة ولم يؤت ثمارا ايجابية))كما ان ((هذه التعويذة لم تؤد الا الى دفن الانتاج ونهب الناس وتجويعهم))0 وخلال سنوات تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي 1992 -2006 انخفض انتاج القصدير بنسبة 90% وانتاج الرصاص بنسبة 60% والحديد الخام والنحاس بنسبة ما بين 69-78 % والبوتاسيوم بنسبة 90% (11)0 وكما فقدت روسيا الاتحادية من خلال تطبيق وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين وللفترة من عام 1992حتى عام 2006 بـ 35 مليون هكتار صالح للزراعة وفقدت روسيا خلال نفس الفترة 37 مليون رأس من الماشية وبالمقابل بلغ الدعم المادي للهكتار الواحد من قبل الحكومة الروسية بـ6 يورو , في حين تقدم الدول الاوربية دعما ماديا للهكتار الواحد سنويا بـ 330 يورو (12)0
وبسبب هذه السياسة االلاعلمية ولعام 2006 على سبيل المثال استوردت روسيا الاتحادية سلعا غذائية قيمتها 22 مليار دولار (13)0 وعلى هذا الاساس احتلت روسيا الاتحادية المرتبة 70 عالميا فيما يتعلق بتأمين ضمان الامن الغذائي للمواطنين , في حين احتل الاتحاد السوفييتي المرتبة 6 عالميا في ضمان الامن الغذائي للمواطنين (14)0
يشير البروفسور بريماكوف (( ومع حلول منتصف عام 1998 ازدادت بقوة العمليات التي بدأت تدفع البلاد نحو الهاوية 0 فقد تقلص حجم الناتج المحلي بشدة وحدث فساد لا مثيل له في الانتاج الصناعي وتوقف النظام المصرفي عن العمل وعمليا تعطلت عمليات دفع تسديد المال في البلاد 00 وظهر خطر حقيقي في حدوث شلل في الاقتصاد الوطني وتفاقمت البطالة وتراكمت الديون في مجال المرتبات والاجور والتي لم تدفع على مدى شهور للموظفين لدى الدولة والقطاع العام ))(15) 0
المحور الثالث:
ما هو الهدف من تنفيذ برنامج التخصيص ؟
تطرح تساؤلات كثيرة عن اسباب تنفيذ برنامج الخصخصة ومنها :من المستفيد الحقيقي من برنامج التخصيص وما هو الهدف ؟لماذا لم يتم بيع مؤسسات الدولة بقيمتها السوقية الحالية والحقيقية ؟هل يمكن اعتبار الخصخصة سرقة منظمة تحت غطاء ((القانون))لصالح فئة محددة من المجتمع ؟ان تجربة روسيا بخصوص تنفيذ برنامج التخصيص تعطي اجابات على اسئلة كثيرة0
يدعى ((الاصلاحيون))الروس ان تنفيذ برنامج الخصخصة ,الهدف الاساسي منه هو توزيع الثروة على الشعب بالتساوي ,من اجل تحقيق ((العدالة والمساواة))!وزيادة الانتاج وتحقيق الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية ,وخلق طبقة متوسطة تكون السند الاجتماعي والاقتصادي للنظام الحاكم 0
ان تجربة روسيا في تنفيذ برنامج الخصخصة تعني بيع مؤسسات الدولة الانتاجية والخدمية (القطاع العام) التي تم بناؤها بجهد وتعب ومال المجتمع لصالح القطاع الخاص الرأسمالي الذي يمثل نواته الاساسية بعض قادة وكوادر الحزب الحاكم واولادهم البيروقراطيين والطفيليين والمافيا والشركات الاجنبية وبأسعار زهيدة حتى بلغت في بعض الاحيان جانبا شكليا في تحديد قيمة هذه المؤسسات 0
ان تنفيذ برنامج التخصيص في روسيا اعتمد بالدرجة الاولى على الخبراء الغربيين ,حيث اشارت الصحف الروسية الرسمية الى وجود 30 الف خبير اجنبي اكثر من نصفهم يعملون في جهاز لجنة الدولة لادارة الاملاك العامة في روسيا من اجل تنفيذ برنامج الخصخصة (16) 0
لقد عمل (( الاصلاحيون )) المتطرفون الروس وفي مقدمتهم ايغوار غايدار ,اناتولي تشوبايس ,الفريد كوخ ,بوريس فيدروف ,غافريل بوبوف ,وغيرهم بالتعاون والتنسيق مع الخبراء الاجانب على بيع مؤسسات القطاع العام التي لها جدوى اقتصادية وخلال فترة قصيرة دون ضوابط وشرعية قانونية ,كما ان السلطة التشريعية منذ عام 1992 حتى عام 1999 لم تقر او تصادق على هذا البرنامج ,بل تم تنفيذه من خلال قرارات رئاسية فقط , وهذا ما عكس ويعكس اليوم حدة الصراع بين السلطة التنفيذية والتشريعية حول اخطر برنامج اجتماعي واقتصادي تم تنفيذه في روسيا ,انه اسلوب غير قانوني ,واحتيالي ماكر خدع الشعب السوفييتي – الروسي فيه من خلال صفقة ((الفاوتشير))وبسبب التنفيذ السريع لبرنامج التخصيص تم اضعاف دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي بشكل كبير وغير منطقي اذ ((تشكل مشاركة الدول اليوم في تنظيم الاقتصاد حتى في البلدان المتطورة ,حسب تقديرات الخبراء الاجانب ما بين 40 و50%,بينما هذه المشاركة انخفضت عندنا (المقصود روسيا)الى نسبة 15-20%(17)0
نورد بعض الامثلة الملموسة على تنفيذ برنامج الخصخصة في روسيا ,اذ تم بيع 500 مؤسسة حكومية كبيرة بسعر 2و7 مليار دولار ,في حين قدرت قيمتها الفعلية بـ(220)مليار دولار ,وهناك تقدير اخر بـ(900)مليار دولار 0 وتم بيع مصنع ليخشوف والذي يعتبر من اكبر المصانع في موسكو بـ4 ملايين دولار ,في حين قدرت قيمته الحقيقية بأكثر من مليار دولار ,وفي صناعة الالمنيوم اشترى مواطن اسرائيلي 26%من اسهم مصنع الالمنيوم ,ومواطن اسرائيلي اخر اشترى 48%من اسهم مصنع اخر للالمنيوم ,وتم بيع مصنع اورالماش من اكبر المصانع في الاتحاد السوفييتي بسعر 3ملايين وسبعمائة وعشرين الف دولار , وتم بيع مجمع الحديد والصلب في مدينة تشيلابينسك لقاء 3ملايين وسبعمائة وثلاثين الف دولار ,وتم بيع مصنع للجرارات في نفس المدينة لقاء (2200000)دولار (18) 0
ان تنفيذ برنامج الخصخصة قد جلب الكوارث والماسي الاجتماعية والاقتصادية للشعب السوفييتي – الروسي ,وقدرت الخسائر الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن تنفيذ هذا البرنامج خلال الفترة من عام 1992 حتى عام 1996 بأكثر من 5و9 كفادريليون روبل بأسعارعام 1995 0
ان برنامج الخصخصة في روسيا لم يحقق زيادة في الانتاج ولا تحسين المستوى المعاشي للمواطنين ولا الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية ,ولن يتم خلق الطبقة المتوسطة ,ان الذي حدث العكس تماما 0 فالانخفاض المستمر للانتاج المادي وزيادة معدل البطالة وتركز الثروة بشكل غير مشروع في ايدي 3-5%من السكان ,ازمة عامة وشاملة في المجتمع ,عدم دفع الاجور والمرتبات في اوقاتها المحددة 0 يؤكد البروفيسور ابالكيين لقد ((بلغت قيمة المتأخرات المستحقة للاقتصاد الوطني حتى الاول من نيسان من عام 1997 كفادريليونا وما ئتي تريليون روبل)) (19)0

يؤكد فلاديمير بافلوفيج رئيس لجنة الدولة لادارة الاملاك العامة في روسيا السابق في لقاء له مع فيكتور تشيرنوميردين رئيس الوزراء السابق والملياردير الجديد حول التجاوزات
التي تمت من خلال تنفيذ برنامج التخصيص وبشكل غير شرعي وغير قانوني ,موضحا لرئيس حكومته بالا رقام والادلة والحقائق الملموسة ,فكان الجواب هو ((لاتعرقل مسيرة الاصلاح 000لا تعرقل عمل اناتولي تشوبايس 00 لاتعرقل عملي 00)) وبعد فترة تمت اقالته من منصبه 0
واعتبر الكاتب الروسي الكسندر سولجينيتسين المعادي للنظام الاشتراكي السوفياتي ,والذي هاجم عملية التخصيص على طريقة غايدار – تشوبايس – كوخ ,انها ((مأساة ونهب واسع النطاق))واعلن ان ((الديمقراطيين لم يجدوا وسيلة لعلاج روسيا من الشيوعية سوى نهبها وتدميرها))ويتساءل ((كيف امكن لبلد عملاق مثل روسيا ان ينهار فجاة وان تتهاوى روحه وجسده دون ان يتعرض لهزيمة كبرى او حرب اهلية 0 ويربط الكاتب بين ذلك الانهيار ووقائع محددة ويقول ((ان شخصا واحدا يملك واحدا وخمسين بالمئة من اسهم مؤسسة اورالماش الروسية العملاقة ,واخر يشتري مائتين وعشرين مليون سهم من مؤسسة غازبروم بروبلات فقدت قيمتها منذ زمن طويل 0 ومنذ عام 1990 لم يرتفع في روسيا بناء مصنع واحد كبير ,وخضعنا خلال ذلك كله لشروط صندوق النقد القاسية 0 بدءا من عام 1990 فاقت نسبة الوفيات في روسيا نسبة المواليد بمليون نسمة تقريبا !0 لقد رفض الكاتب قبول ارفع وسام قدمه اليه الرئيس يلتسين وقال ((لا يمكنني ان اقبل وساما وتقديرا من سلطة قادت روسيا الى كارثة)) (20) 0
ان تنفيذ برنامج الخصخصة في روسيا كان لصالح ((القطط السمان))وللشركات الاجنبية ,وخلق الطغمة الاوليغارشية واعادة توزيع ثروة الشعب لصالح الاغنياء الروس الجدد ,وبالمقابل املاق الغالبية العظمى من المواطنين وتحويلهم الى عبيد ومتسولين وجياع مضطرين لبيع قوة عملهم بابخس الاثمان من اجل ابعاد شبح الموت عنهم وبهذا الخصوص يشير بريماكوف (( ونتيجة لذلك تكونت لدى المواطنين الروس نظرة متشائمة نحو فكرة الانتقال الى اقتصاد السوق00والجدير بالذكر ان الاشخاص الذين تحملوا في تلك الايام مسؤولية السياسة الاقتصادية في روسيا كانوا يدعون انفسهم باليبراليين وكانو يؤكدون على ارتباطهم بمدرسة شيكاغو0 وقد حازوا على الدعم الكامل من قبل الغرب )) (21)0
المحور الرابع :
النتائج الاجتماعية والاقتصادية لسياسة ((العلاج بالصدمة))بعض المؤشرات الاقتصادية
لقد بينت التخصيصات المالية للقطاعات الاقتصادية وحجم الدخل المتداول والدخول النقدية للمواطنيين ,اذ يلاحظ الانخفاض المستمر للتخصيصات الاستثمارية لجميع القطاعات الاقتصادية بسبب النهج الاقتصادي الجديد ,مما ادى الى الانخفاض المستمر للانتاج المادي ,وكذلك يلاحظ انخفاض تخصيصات التنمية الاقتصادية بالمقارنة ما بين عامي 1985 و 1995 بـ(2و9)مرة ,والضمان الاجتماعي بـ(6)مرات ,والدفاع بـ(7)مرات وتطوير العلم باكثر من (17)مرة علما ان وزارة الداخلية هي الجهة الوحيدة التي حافظت على مستوى التخصيص المالي ,بل هناك زيادة ملموسة ,والغريب بالامر هو ان معدل الجريمة في زيادة مستمرة 0
يعاني نظام الحكم في روسيا من ازمة مالية حادة ادت الى انهيار شبه كامل للنظام المصرفي ,وهذا يدل على فشل السياسة النقدية ((للاصلاحيين)) الروس ,أي فشلوا في تحقيق الاستقرار النقدي والنمو الاقتصادي ,وكما يلاحظ ايضا انخفاض قروض البنك المركزي ذات الطبيعة الاقتصادية بالمقارنة بين عامي 1985و1995 بـ (17)مرة ,وحجم الاوراق المالية بـ(17)مرة ,والنقد المتداول بـ(4و11)مرة للفترة نفسها ,ويلاحظ ايضا انخفاض الدخل النقدي لدى المواطنين من 245 مليار روبل عام 1985 الى 115 مليار عام 1995 وانخفض الانفاق الاستهلاكي من 200 مليار روبل الى 75 مليار روبل ,وانخفض متوسط الاجر من 200 روبل الى 60 روبل ,وانخفض متوسط الراتب التقاعدي من 74 روبل الى 30 روبل للفترة نفسها 0
ان فشل السياسة الاقتصادية للنظام الحاكم في روسيا ترك اثرا سلبيا على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي بشكل عام ,وعلى اصحاب الدخل المحدود بشكل خاص ,حيث ان 70%من العاملين بالادارات والمؤسسات الحكومية يتقاضون اجورهم ومرتباتهم بعد عدة اشهر من استحقاقها ,وحتى تصل في بعض الاحيان الى اكثر من سنة 0 وان فئة المتقاعدين تشكل ما بين 25-30%من عدد السكان وان متوسط دخل الفرد منهم لا يتعدى 50دولارا في الشهر ,في حين ان كلفة المعيشة في روسيا يعتبر من اعلى المستويات العالمية 0
يشير البروفسور بريماكوف الى (( النهج الذي اقره الليبراليون المزيفون في مجال الاقتصاد والذي ادى الى استفحال الفساد بين موظفي الدولة والى انتشار الجرائم الاقتصادية وتعسف الموظفين العاملين في دوائر الدولة 00 وفي اواسط عام 1998 اصبح واضحا ان النهج الاقتصادي الذي سلكه الليبراليون اوصل البلاد الى طريق مسدود 00 وان الاوساط الرسمية في الغرب ايدت وبشكل واضح الخط الاقتصادي الذي نفذ في روسيا في التسعينيات )) (22)0
وخلال فترة حكم الرئيس الروسي يلتسين وللفترة من عام 1992 حتى عام 1999 وبسبب تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي تم التخريب وايقاف اكثر من 30 الف مؤسسة حكومية وتم العمل على الغاء الدسبيلين (الضبط) وتم قصف السلطة التشريعية في اكتوبر عام 1993 وانتشرت ظاهرتي تعاطي المخدرات والكحول وبشكل مفرط , وقدرت الخسائر المادية لسياسة الاصلاح الاقتصادي وللفترة المذكورة بـ2,7 تريليون دولار وانخفض المستوى المعاشي للسكان بـ 20 مرة بالمقارنة مع المستوى المعاشي للولايات المتحدة , ويوجد اكثر من 40 مليون مواطن روسي يعيشون تحت خط الفقر (23)0

ومن المأسي التي حلت بالشعب والاقتصاد الروسي بسبب التحول الى اقتصاد السوق الرأسمالي قد تمثلت وشملت كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبهذا الخصوص يشير البروفسور يوري كاجانوفسكي الى ان نسبة الاندثار في قطاع الصناعات النفطية قد بلغت 80% , وفي قطاع الغاز 70% , وفي قطاع استخراج الفحم 60% (24)
بلغت الخسائر المادية من خلال تطبيق برنامج الخصخصة ولعام 1996 فقط بأكثر من 2,5 مرة مما خسره الشعب السوفييتي في حربه الوطنية العظمى (1941 -1945 ) (25) 0 وبسبب هذه السياسة الاقتصادية – الاجتماعية بلغت نسبة المؤسسات الصناعية الخاسرة 70% والمؤسسات الزراعية بنسبة 90% (26) 0
لقد ادت سياسة التحول الاقتصادي من الاقتصاد المخطط الى اقتصاد السوق الرأسمالي الى تفشي بعض الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة على المجتمع والاقتصاد ومنها على سبيل المثال بلغت دورة رأس المال ((اقتصاد الظل)) لعام 2005 وفي موسكو فقط بتريليون دولار (27) 0 وازاد عدد المليارديرية خلال فترة سياسة الاصلاح الاقتصادي وبشكل غير طبيعي ففي عام 1997 كان عددهم 6 زاد الى 8 في عام 2001 , والى 17 في عام 2003 , والى 25 في عام 2004 ثم الى 36 في عام 2005 ثم زاد الى 44 في عام 2006 ثم الى 70 في عام 2007 والى اكثر من 100 في عام 2008 (28) 0
وبنفس الوقت تفشت ظاهرة الرشوة في المجتمع ففي عام 2000 بلغت ما بين 33-40مليار دولار ثم زادت في عام 2004 الى 300 مليار وفي عام 2007 بلغت 316 مليار دولار وشكلت الرشوة في عام 2001 نسبة 11% من الناتج المحلي الاجمالي وزادت الى 43% من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2005 (29) 0
وخلال الفترة 1992 -2005 لم يدخل المدارس 10 مليون طفل وهذا يعني عودة الامية (30) 0 وخلال الفترة من عام 1992 -2004 اختفت 13الف قرية في الريف الروسي ويعود السبب الرئيس الى تخلي الدولة عن دعمها المادي لهذا القطاع العام (31) 0
يؤكد البروفسور بريماكوف الى ان (( نهج الاصلاح الاقتصادي الذي نفذ قد ساعد على ظهور شريحة من رجال الاعمال الخاصة , ولكنه تم بطريقة(( مميزة )) للغاية ادت الى زيادة ثراء حفنه من الناس وبشكل سريع 000 وقام هؤولاء وخلال سنوات معدودة من جني ثروات هائلة 000 وقام الليبراليون المزيفون بأعادة توزيع الثروات الطبيعية في البلاد لصالح الاوليجاركيين )) (32) 0
ويلاحظ انخفاض جميع المؤشرات الاقتصادية ويعود السبب الى غياب السياسة الاجتماعية والاقتصادية العقلانية وانعدام الاستقرار في البلاد ,كما يستمر الهبوط بقيمة الناتج المحلي الاجمالي في روسيا من عام 1990 حتى عام 1996 0 ومنذ عام 1991 اصبحت روسيا تأتي بعد الهند في خلق قيمة الناتج المحلي الاجمالي ,ومنذ عام 1993 حتى عام 1996 جاءت روسيا بعد البرازيل واندونيسيا ,أي يمكن القول ان النهج السياسي والاقتصادي ارجع روسيا الى مصاف البلدان النامية بعد ان كانت تعد من الدول المتقدمة ,وخلال فترة 1987 -1988 احتلت روسيا المرتبة الخامسة عالميا في تحقيق الناتج المحلي الاجمالي ,اما في عام 1997 فقد تراجعت الى المرتبة الرابعة عشرة ,في حين
كان الاتحاد السوفييتي السابق يحتل المرتبة الثالثة عالميا في تحقيق الناتج المحلي الاجمالي 0 ان روسيا كانت ولا تزال البلد الغني بثرواته البشرية والمادية ,ان التحول الى اقتصاد السوق , وجهل وتطرف ((الاصلاحيين))الروس في تطبيق افكار اقتصادية بعيدة عن واقعهم وخصوصيتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ,والامتثال شبه الكامل للغرب وللمؤسسات الدولية في تنفيذ شروطهم الاقتصادية القاسية ,كل ذلك جلب للشعب الروسي الكوارث والماسي الاجتماعية والاقتصادية ,بدليل تراجعت حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الاجمالي من 6625 دولارا لعام 1987 الى 3962 دولارا لعام 1996 ,كما تراجعت مرتبة روسيا الدولية في حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الاجمالي من مرتبة 55 لعام 1987 الى مرتبة 99 لعام 1996 ,ثم الى المرتبة 114 لعام 1997 ,وبهذ انتقلت روسيا الى فئة البلاد الفقيرة من بلدان اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية فيما يخص حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الاجمالي0
الخلاصة :
في نهاية هذا البحث ,نخلص الى بعض الاستنتاجات عن اي دور كان للمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية في عملية الاصلاح الاقتصادي في روسيا الاتحادية وهي:
اولا: نعتقد ان الهدف الرئيسي للغرب ومؤسساته الدولية ليس بناء الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي – روسيا بل العمل على تقويض الاتحاد السوفييتي ومن الداخل ومن خلال ((حلفائهم)) و((اصدقائهم)) ((من قادة)) الحزب الحاكم , وتم تصفية الاشتراكية ومنجزاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية 000 ,وان سيناريو ((البيريسترويكا))قد اعطى ثماره وهو تخريب وتفكيك الاتحاد السوفييتي الى دول ((مستقلة)) ضعيفة وغارقة في المشاكل 0 كما ان هدف الغرب ومؤسساته الدولية الان هو تفكيك روسيا الى دويلات صغيرة وان تعيش في حالة دائمة من عدم الاستقرار ,كما يمارسون ضغوطات متعددة وفي مقدمتها الحصار الاقتصادي غير المعلن على روسيا وخاصة فيما يتعلق ببيع التكنولوجيا والسلاح العسكري لبعض البلدان ,وبالتالي فأن كل هذا وغيره يؤدي الى ترويض وتطويق وتقزيم دور روسيا على صعيد علاقاتها مع رابطة الدول المستقلة وعدم التقارب او الاتحاد فيما بينها ,وبالتالي اضعاف وتهميش دورها على الصعيد العالمي 0 ان ((اضطراب الاوضاع في روسيا قد يكون ذريعة للحديث عن ضرورة السيطرة على سلاحها النووي ,او مشاركة حلف الاطلنطي في قوات ردع لمعالجةالازمات الداخلية 0 والالتفاف على روسيا سيكون تمهيدا لمخططات اوسع تبدا باقامة علاقات وثيقة مع دول البلطيق والقوقاز وتنتهي بضم هذه الجمهوريات السابقة الى حلف الاطلنطي , وبالتالي السيطرة على البحار الاستراتيجية الثلاثة :قزوين والاسود والبلطيق )) ان عدوان الناتو على الشعب اليوغوسلافي ما هو الا بداية حقيقية وخطرة لمشروع الهيمنة والتوسع الاميركي عالميا ,وهو ايضا يعتبر ناقوس خطر جدي وحقيقي على روسيا وبلدان اخرى 0

ثانيا: جهل وتطرف غالبية ((الاصلاحيين))و ((الديمقراطيين))الروس في ادارة وتنظيم الاقتصاد الوطني ,اذ اعتمدوا في نهجهم ((الاصلاحي))على افكار اجنبية ,افكار فريد مان المتطرفة ,وجيفري ساكس وغيرهم 0 متجاهلين عن عمد واقع وظروف بلدهم ,وليس لديهم رؤية سياسية واجتماعية – اقتصادية واضحة في مسيرة ((اصلاحهم الاقتصادي)),فتارة يطرحون ضرورة تطبيق النموذج الاميركي ,وتارة النموذج الصيني ,وتارة النموذج الارجنتيني ,وتارة يطالبون بتطبيق ((ديكتاتورية اقتصادية)) في ظل اقتصاد السوق الرأسمالي !0
ثالثا: نعتقد ان هدف الغالبية من ((الاصلاحيين))الروس هو تصفية كل منجزات الاشتراكية ,وان ايديولوجيتهم هي كيف تصبح وباقل وقت ممكن مليونيرا ثم مليارديرا , حيث ان ((طبقة الاثرياء الجدد الذين اغتنوا بسرعة والذين تشبثوا حتى الموت بالسلطة رأوا فيها الضمانة الوحيدة للمحافظة على ملياراتهم الاثمة))0
رابعا :ان عملية التحول الاقتصادي من الاقتصاد المخطط الى اقتصاد السوق الرأسمالي قد ادخلت روسيا في مأزق ودوامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي منذ عام 1985 ولغاية اليوم , وفي حالة الاستمرار على هذا النهج ستكون النتائج خطيرة على الصعيدين المحلي والخارجي 0
ان المخرج الوحيد من هذا المأزق , هو العمل على تعزيز دور ومكانة الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وبما يحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين وضمان حقوقهم في العمل والتعليم والعلاج والسكن والشيخوخة 0

المراجع
1- نيلسون ارووجودي سوزا , انهيار الليبرالية الجديدة , ترجمة جعفر علي السوداني بيت الحكمة , بغداد , السنة 1999 , صفحة 43-44 0
2- مجلة الحوار , رقم 8 , اب , السنة 2001 , صفحة 9 باللغة الروسية 0
3- رمزي زكي , الليبرالية المتوحشة , دار المستقبل العربي , السنة 1993 , صفحة 108 , 110 0
4- غينادي زوغانوف , دروس الحياة , ترجمة عبد الكريم ابا زيد , دمشق , السنة 1998 , صفحة 113, 118 0
5- ارنست ماندل , البيرويسترويكا روئ نقدية , ترجمة بشير السباعي , القاهرة , دار سينا للنشر , السنة 1998 , صفحة 58 0
6- مجلة الحوار , العدد 10 , اكتوبر , السنة 1999 , صفحة 22 باللغة الروسية 0
7- رادوكين 0 ن0ب ((الاصلاح الاقتصادي الجذري)) في الاتحاد الروسي والامن الغذائي في البلاد , موسكو , السنة 1996 , صفحة 12-13 باللغة الروسية 0
8- غينادي زوغانوف , مصدر سابق , صفحة 125 0
9- جريدة الغد , العدد 28 , تموز ,السنة 2007 باللغة الروسية 0
10- مجلة الشيوعي , العدد 3, حزيران السنة 2003 , صفحة 90-91 باللغة الروسية 0
11- جريدة روسيا السوفيتية ,1/9/2007 باللغة الروسية 0
12- جريدة البرافدا ,31/8/2007 باللغة الروسية 0
13- جريدة البرافدا ,28-29/8/2007 باللغة الروسية 0
14- جريدة البرافدا , 10-13/8/2007 باللغة الروسية 0
15- يفجيني بريماكوف , حقول الغام السياسة , ترجمة عبد الله حسن , دار الفكر , دمشق , السنة 2008 , صفحة 349 0
16- جريدة روسيا السوفيتية , 22/9/1998 باللغة الروسية 0
17- غينادي زوغانوف , مصدر سابق , صفحة 287 – 294 0
18- رادوكين ن0ب0 ((الاصلاح الاقتصادي الجذري في الاتحاد الروسي , مصدر سابق صفحة 37, 39 , جريدة البرافدا , 1/8/1995 وجريدة روسيا السوفيتية ,3/8/1995 , وجريدة ديلوفوي مير , 2/4/1997 باللغة الروسية 0
19- جريدة ديلوفوي مير ,2/4/1997 باللغة الروسية 0
20- جريدة الاهالي (المصرية) , 16/12/1998 0
21- يفجني بريماكوف , مصدر سابق , صفحة 350 0
22- مصدر سابق , صفحة 354- 356 0
23- سيمجير 0ف0ام 0 تطور الاقتصاد الروسي خلال 100 عام (1900-2000) دار النشر (الاقتصادي , موسكو – السنة 2007 , صفحة 56 باللغة الروسية 0
24- جريدة روسيا السوفيتية , 16/6/2005 باللغة الروسية 0
25- جريدة الغد , رقم 25 , حزيران ,السنة 2005 , باللغة الروسية 0
26- الجريدة الاقتصادية , العدد (3) اب , السنة 2005 باللغة الروسية 0
27- جريدة باتربوت , العدد 33 , ايلول ,السنة 2005 باللغة الروسية جريدة باتريوت العدد 35 , ايلول, السنة 2005 باللغة الروسية 0
28- جريدة الصباح 25/7/2007, التلفزيون الروسي , 18/6/2005 0
29- جريدة روسيا السوفيتية ,6/8/2005 ,جريدة الغد ,رقم 29 , تموز 2007 , جريدة البرافدا 6-7/9/2005 0 جريدة الغد ,رقم 36, ايلول , السنة 2005 , جريدة راسيسكيا غازيتا (جريدة روسيا)12/5/2009 باللغة الروسية 0
30- جريدة روسيا السوفيتية ,8/10/2005 باللغة الروسية 0
31- جريدة برافدا – 11-14/11/2005 باللغة الروسية 0
32- يفجيني بريماكوف , الغام السياسة ,تعريب عبد الله حسن , دار الفكر , دمشق , السنة 2008,صفحة 352 0







اخر الافلام

.. أخبار عربية - #قتلى وجرحى في إنفجار مخزن للذخائر وسط #عدن


.. أخبار عالمية - #حداد في #أفغانستان بعد مقتل 140 جندياً في هج


.. أخبار عربية - #داعش إستخدم قذائف هاون محملة بغاز الخردل السا




.. 46 مليون ناخب يقررون مصير سيد الإليزيه الجديد


.. نشرة الإشارة الأولى 2017/4/23