الحوار المتمدن - موبايل



نحو إعادة تشكيل اليسار الدرزي

مهدي سعد

2010 / 4 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


تمر الطائفة الدرزية في إسرائيل بفترة بالغة الحساسية والدقة نتيجة التحولات العديدة التي عصفت بها في السنوات الأخيرة على صعيد كيانها الداخلي وعلاقتها بمحيطها العربي والمؤسسة الإسرائيلية. ولا بد للمتابع أن يلاحظ مدى مفصلية وتاريخية هذه التحولات وقوة إسقاطاتها على واقع الطائفة ووضعيتها ضمن البيئة التي تعيش فيها. واللافت في الأمر أن اليسار الدرزي بقي عاجزًا عن قراءة التغيرات العميقة التي حدثت في بنية الطائفة ولم يستثمرها في صالحه، وأرجح أن هذا العجز يرجع إلى كون بعض القوى اليسارية ما زالت تحلل الواقع على أساس شعارات كانت قد حملتها في سبعينات القرن الماضي ولا تزال مصرة على صوابيتها وملاءمتها للمرحلة الراهنة.

ولعل أبرز تلك التحولات هي تصاعد النزعة الفاشية في صفوف الطائفة ككل وبين الشباب على وجه الخصوص، إذ يتبين لنا أن الأفكار العنصرية والشوفينية تأخذ طريقها في التغلغل لعقول الناس بوتيرة متسارعة. ولا شك أن الجهة الرئيسية التي تتولى نشر هذه السموم هي حركة الشبيبة الدرزية التي تضم في إطارها آلاف الشباب الدروز الذين تتم تنشئتهم فيها على ما تسميه "تطوير الوعي الإسرائيلي، حب الوطن والمواطنة الصالحة" حسب ما جاء في "أهداف الحركة"، بالإضافة إلى تشجيع الشباب على الالتحاق في الجيش الإسرائيلي. ويكفي أن نشير إلى أن رئيس هذه الحركة هو عضو كنيست عن حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان، لنعرف مدى خطورتها على وضعية شبابنا ومستقبلهم.

من المعروف أن النزعات الفاشية تجاه المجموعات الأخرى لا بد في النهاية من أن تنقلب على المجموعة ذاتها وتزعزع بنيانها الداخلي، وهذا ما نلاحظه لدى الطائفة الدرزية التي ينتشر بين ظهرانيها العنف على مختلف أشكاله ولاسيما الاعتداء على الممتلكات العامة، حرق السيارات، إلقاء القنابل وإطلاق الرصاص الحي. ونسمع في الآونة الأخيرة عن ظهور عصابة تطلق على نفسها اسم "الكف الأسود" تأخذ على عاتقها مهمة القيام بأعمال إجرامية تطال كل من يخالف نظرتها المتخلفة للحياة. ولا شك أن المرأة هي الحلقة الأضعف في الدائرة التي تستهدفها هذه العصابة، إذ تقوم بإطلاق أحكام أخلاقية على النساء باسم الدين والعرض وتلجأ بموجبها إلى حرق سياراتهن بحجة حرصها على ما تسميه "كرامة الطائفة وشرفها".

والغريب في هذه المسألة أنها تلقى في غالب الأحيان الدعم والتأييد من قبل السواد الأعظم من المجتمع، الذي يضفي على تلك الممارسات البربرية نوعًا من الشرعية الدينية والاجتماعية، علمًا بأن الدين والقيم الإنسانية التي تربينا عليها يرفضان هذه الأشكال من السلوك الهمجي. وأميل إلى الاعتقاد بأن تمكن الأفكار الفاشية من اختراق "الوعي الدرزي" ناتج عن فقدان منظومة القيم الأخلاقية لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة، إذ يعاني الإنسان الدرزي في بلادنا من حالة ضياع على صعيد الانتماء إلى هوية واضحة المعالم، فلقد عملت السلطة على تفريغه من الشعور بانتمائه للعروبة كرافد ثقافي وحضاري يشكل عنصرًا هامًا من مكونات الهوية الدرزية ونجحت في ذلك. وفي المقابل طرحت السلطة مشروع "التدريز" لحصر المواطنين الدروز ضمن دائرة انتماء مغلقة على نفسها ومتعصبة لذاتها، إلا أن هذا المشروع لم يرتكز على أساس معرفي سليم ولم يكن الهدف منه سوى تجهيل النشء الدرزي بحقيقة أصله وانتمائه وتاريخه. والناتج الطبيعي من عمليتي "التفريغ" و "التدريز" هو البلبلة والفراغ وعدم الإحاطة بمكونات الذات ومميزات الجماعة.

كل هذا يحدث ويتعمق وسط غياب مشروع بديل ينقذ الطائفة الدرزية من حالة الضياع التي وصلت إليها، فاليسار الدرزي أخذ دوره بالتراجع ولم يعد يمتلك القوة النسبية التي كان يتمتع بها في السابق بعد أن استهدفته السلطة ومزقته وزعزعت وحدته فأصيب بخيبات عديدة أدت إلى انكفائه عن ممارسة الفعل النضالي المطلوب منه. من هنا تنبع الحاجة إلى إعادة تشكيل اليسار الدرزي من جديد ليتولى زمام المبادرة في طرح تصور حديث لوضعية الطائفة على ضوء التطورات التي حصلت في السنوات الأخيرة.

أعتقد أن هناك تيار يساري درزي آخذ في التبلور في أوساط عدد لا بأس به من الناشطين الدروز في الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في صفوف الأقلية العربية في إسرائيل. ما يميز هذه النخبة المستنيرة عن "اليسار التقليدي" هو امتلاكها لثقافة أكاديمية عالية تمكنها من تحليل مجريات الأمور بمنطق علمي مغاير لما اعتدنا عليه من مقولات سياسية متقادمة. هناك أهمية كبيرة لتأطير هذه المجموعة في جسم واحد يأخذ على عاتقه تنفيذ مهمة إعادة تشكيل اليسار الدرزي ليلعب الدور المناط به على الساحة السياسية المحلية والقطرية. من هنا يجب أن نبدأ.







اخر الافلام

.. ما موقف بريطانيا من إقامة حدود مع إيرلندا بعد البريكيست؟


.. تفجير انتحاري في غزة يستهدف نقطة أمنية تابعة لحماس


.. أعراس في لبنان أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة!!




.. الباحث السياسي محمد السبتي: التدخلات القطرية أصبحت ثابتة ويج


.. عثور مدهش على خاتم ضاع 13 سنة