الحوار المتمدن - موبايل



الحركات الشعبية العربية ونتائجها السياسية / الفكرية*

لطفي حاتم

2011 / 3 / 21
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



من المبكر استخلاص النتائج السياسية لحركات الاحتجاج الشعبية التي تجتاح العالم العربي بسبب تعدد مسار تطورها المتمثل بين التغيرات الثورية والإصلاحات الديمقراطية ورغم تعدد مسارات تطور الاحتجاجات الشعبية تحدوني الرغبة في تأشير بعض من نتائجها السياسية وتوثيق أهم دروسها الفكرية التي حملت تطورات سياسية / اجتماعية لشعوبنا العربية، وبهذا السياق أحاول التقرب من النتائج والأفكار عبر دالات تتشابك فيها الرؤى التحليلية والدروس الفكرية / السياسية متناولاً التغيرات السياسية التي أحدثتها الحركات الشعبية على الدولة الوطنية متوقفاً عند الحركات الاحتجاجية وطبيعة قواها الاجتماعية فضلا عن متابعة تأثيرها على الامن الاقليمي .
انطلاقا من تلك الدالات الناظمة لروح المداخلة التحليلية أحاول مقاربتها بروح سجالية تتجاوب وتسارع المتغيرات التي تتطلب المتابعة الفكرية والسياسية .

1

قبل البدء بتناول التغيرات السياسية لابد من القول ان هبات الجماهير العربية تشابهت في مطالبها السياسية وتماثلت في شعاراتها المتضمنة إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية ورغم هذا التماثل إلا ان تلك المطالبات تباينت بتفاصيلها العامة .
لغرض رصد النتائج الأولية المطالبات الشعبية دعونا نؤشر تلك التغيرات على : ـ

1 : ـ المؤسسة العسكرية


ــ حملت الانتفاضات الجماهيرية شعارات هادفة الى إلغاء احتكار السلطة الناتج عن الشرعية الانقلابية ومؤسساتها السياسية ورغم ما تحقق من تلك المطالبات إلا أن تلك التبدلات الجارية على النظم السياسية لن تقود مباشرة الى الشرعية الديمقراطية بشكلها التاريخي لكنها ـ التغيرات ـ تفضي الى التداول السلمي للسلطة بين النخب السياسية الرافضة لتحول الشرعية الانقلابية الى جمهوريات وراثية تعيق فصائل النخب المتنفذة من المساهمة في صنع القرار السياسي .
ــ ان الخشية من احتكار السلطة وتحولها الى جمهوريات وراثية مثلته المؤسسة العسكرية باعتبارها المؤسسة المنظمة والمسلحة القادرة على حفظ أمن الدولة من جانب وحماية الحركات الشعبية ومطالبها السياسية من جانب آخر مستندة بذلك ـ المؤسسة العسكرية ـ الى تغيرات استراتيجيتها العسكرية المتمثلة بتعزيز دورها الدفاعي وايكال إدارة سلطة الدولة الى قوى سياسية منتخبة .
ـــ مناهضة المؤسسة العسكرية لاحتكار السلطة ارتكز على كثرة من الأسباب منها تشابك روحها الوطنية مع تطلعاتها القومية ، ومنها حيازتها وأدارتها لكثير من المصانع العسكرية ذات الأهداف الاستراتيجية وأخرها الخشية من تهميش دورها في الحياة السياسية .
ــ حيازة المؤسسة العسكرية لمصانع الإنتاج العسكري والمؤسسات الاستراتيجية الأخرى حول بعض أطرافها القيادية الى فئة اجتماعية لها مصالحها الاقتصادية والسياسية المترابطة والعالم الخارجي لذلك فان بناء النظام السياسي على قاعدة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة يتجاوب ودور المؤسسة العسكرية الهادف الى السلم الأهلي المستند الى توازن مصالح الفئات الحاكمة السياسية والاقتصادية.

خلاصة القول أن مناهضة طواقم المؤسسة العسكرية لقيادات سياسية تبغي الاحتفاظ بالسلطة وتحويلها الى أنظمة سياسية وراثية لا يتجاوب والمواقع الوطنية لدور المؤسسة العسكرية المتمثل بحماية نظام دستوري يستمد شرعيته من الإرادة الوطنية والتداول السلمي للسلطة.



2 ــ الأجهزة الأمنية

شكلت الأجهزة الأمنية الشرطة السرية منها وشرطة مكافحة الشغب أداة قمعية بيد السلطة التنفيذية وسياجا مسلحاً لحماية المؤسسات الإدارية / والتشريعية وتجلت وظيفتها العامة في الهيمنة على آليات القمع الموجه ضد القوى الاجتماعية المناهضة للأنظمة الاستبدادية فضلا عن روحها الهجومية الهادفة الى كسر قوة المنتفضين .
ان الوظيفة القمعية للأجهزة الأمنية والاستخباراتية في النظم الاستبدادية تتحول بسبب غياب الرقابة الى أجهزة خاصة لحماية تلك الأنظمة فاقدة بذلك سماتها الوطنية وبهذا المعنى يمكن تفسير طبيعة النزاع المتواصل بين المؤسسة العسكرية التي تتصف بروحها الوطنية الدفاعية وبين وظائف مؤسسات الأمن الداخلي المرتكزة على المهام القمعية.
ان التوصيف المشار إليه لطبيعة القوى الأمنية لا يعني عدم انحياز أفراد من هذا الفصيل أو ذاك الى الشارع المعارض بعد تطور الأعمال الكفاحية .

3 : ـ الجهاز البيروقراطي للدولة

شكل فساد الإدارة العليا للأجهزة البيروقراطية أحد المعاقل الأساسية للأنظمة الاستبدادية الامر الذي يتطلب إعادة بناء الدولة وجهازها البيروقراطي بما يتناسب ومصالح البلاد الوطنية وبهذا المسار طالبت الاحتجاجات السلمية بتفكيك الأبنية السياسية للنظم الاستبدادية وبالتحديد منها مؤسسات الحزب الحاكم فضلا عن تحطيم المؤسسات التمثيلية من المجالس التشريعية والبلدية متزامنة مع تعرية رموز الفساد الاداري التي استحوذت على الثروة الوطنية ومحاكمة سياستها المقامرة بمصالح البلاد الوطنية .


4 : ـــ الأجهزة الإعلامية

شكل الإعلام الرسمي بوظيفته الأيديولوجية المضللة أداة مهمة من أدوات الضبط الاجتماعي وذلك بسبب قدرته على صياغة الرؤى السياسية والأمنية الزاهية الهادفة الى تسويق سياسة النظم التسلطية مبعداً الجماهير الشعبية عن مصاعب الحياة الواقعية وتداعياتها الاجتماعية واستناداً الى الوظيفة التضليلية تسعى كتلة العاملين في مؤسسات الدولة الإعلامية للدفاع عن النظم الاستبدادية عبر صياغة وعي جماهيري فارغ من المحتوى الاجتماعي المعني بحياة الناس الواقعية وهمومهم اليومية .
ان الاشارة الى وظائف الإعلام الرسمي وخدمته النظم التسلطية لا تمنع القول من حدوث تغيرات كبيرة بسبب الثورة التكنولوجية التي أفضت الى نقل الوقائع وفحصها فضلا عن تحليلها بسبب انتشار الفضائيات المستقلة والحكومية والتي ساهمت بشكل فاعل في نقض محاولات التشويه والتزييف ونقل الحقيقة الى الناس ، وبهذا السياق شكل الإعلام العابر للحدود والمتمثل بشبكات التواصل الاجتماعي دورا تحريضيا وتعبويا جماهيريا من خلال الشعارات العامة والدعوة الى تنظيم الاحتجاجات الشعبية وبهذه الوظائف الجديدة لشبكات التواصل الالكترونية تطفو على السطح الأفكار اللينينية المتمثلة بكون الصحيفة قائدا ومعبأ ومنظما للحزب الثوري ولكنها هذه المرة تصبح شبكات التواصل منظماً أممياً بفعل الثورة التكنولوجية .

ان تحديدنا لدور المؤسسات السيادية في آلة الدولة الوطنية تطرح على بساط البحث التساؤلات التالية هل التبدلات التي أحدثتها الانتفاضات الشعبية على أجهزة الدولة السيادية كافية لتأكيد انتصار الثورة . ؟ وهل يقود حياد المؤسسة العسكرية الى تغيير الأنظمة الاستبدادية . ؟ وما هي الأفكار الجديدة التي يمكن اعتمادها لمواصلة الكفاح الجماهيري . ؟
محاولة التقرب من الإشكالات المثارة نحاول التعرض الى النتائج والتأثيرات التي أنتجتها الانتفاضات الشعبية والتي يمكن تلخيصها بالتالي : ـ

ــ تفكيك الشرعية الوطنية للنظم الانقلابية والوراثية ومحاولة بناء الدولة على أسس الشرعية ( الشعبية ) والتي تتلخص ركائزها ( أ ) بإرساء النظام السياسي على قاعدة دستورية تعني بالتداول السلمي للسلطة على اساس الشرعية الانتخابية. ( ب ) الفصل بين السلطات وتفعيل دور السلطة القضائية بمستوياتها الرقابية والتفسيرية على حماية الدستور ونزاهة الشرعية الانتخابية. ( ج ) إطلاق حرية العمل السياسي والإعلامي وما يعنيه ذلك من إشاعة الديمقراطية بمضامينها السياسية وتفعيل حرية الفكر والإعلام .
ـــ فشل التعويل على التدخلات العسكرية الخارجية المغلفة بشعارات ديمقراطية ومن خلال التأكيد على ديمقراطية شعبية تستند الى السمات الوطنية .
ــ تعبيد الطريق أمام القوى المطالبة بالديمقراطية لاغناء كفاحها السياسي بمضامين طبقية تستند الى التوازن الاجتماعي المحمي بالضمانات الاجتماعية .

خلاصة القول ان سلطة الشرعية الانتخابية ورغم التطورات الايجابية التي طرأت عليها تبقى في المحصلة الأخيرة سلطة القوى الاقتصادية / السياسية الفاعلة في المجتمع أي تلك القوى الاجتماعية الماسكة بزمام السلطة رغم التغيرات في طبيعة النظام السياسي التي أجريت عليها .

2

الأفكار التي أنتجتها الليبرالية الجديدة والمتسمة بتناقض شعاراتها السياسية المتمثلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان من جانب والرافضة لمثيلاتها الاجتماعية من جانب آخر انعكست بشكل جلي على الجماهير العربية حيث ان الكثير من الكتل السكانية خاصة الشبابية منها جرى استبعادها عن المشاركة في الحياة السياسية بسبب تفشي البطالة في صفوفها الناتج عن سياسة الخصخصة وإبعاد الدولة عن الحياة الاقتصادية ولغرض تحقيق مصالحها الفعلية وظفت الكتل الشبابية شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان عبر مناهضة الفساد واحتكار السلطة والمطالبة بجعل الدولة أداة للتوازن الاجتماعي المرتكز على رعاية الإنسان السياسية والاجتماعية .
ان تحرك الشباب السلمي ونجاحهم في التغيير تدفع الباحثين والمحليين السياسيين الى تسجيل بعض الموضوعات الفكرية / السياسية الهامة لكفاح شعوبنا العربية والمتجسدة بــ: ـ

ــ إمكانية توظيف الشعارات التي حملتها العولمة وأيديولوجيتها الليبرالية لصالح التغيير الديمقراطي المحاط بتضامن دولي رغم تناقض التغيرات الديمقراطية التي حملتها الحركات الشعبية مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى .

ـــ أفضت الحركات الاحتجاجية المناهضة للاستبداد والتهميش الى تجديد الحياة السياسية ومدها بقوى اجتماعية افرزها الطور الجديد من العولمة متخطية للطبقات الاجتماعية والأحزاب السياسية .

ـــ أعادة الروح السلمية لتلك الانتفاضات النظر بمفاهيم أساسية منها العنف والتطرف حيث قدمت الاحتجاجات الشعبية نهجاً كفاحيا جديدا لبلوغ التغييرات السياسية على قاعدة سلمية وجعل الشارع موقعاً أساسا لتغيير موازين القوى لصالح قوى الإصلاح والديمقراطية بديلا عن العمل السري الانقلابي ، وثانيهما ألغت الاحتجاجات السلمية موضوعة عنف الثورة والانقلاب العسكري الذي اعتمدته قوى قومية وأخرى يسارية في حقبة المعسكرين . وبهذا المعنى يمكن القول ان كفاح الحركات الشعبية قدم أساليب كفاحية جديدة تتسم بالروح السلمية المناهضة لكل أشكال العنف الامر الذي أعطى مرونة لها في مواجهة آلة القمع الاستبدادية .
ـــ ـ أكدت الحركة الشعبية إمكانية تجاوز الأبعاد الطائفية رغم محاول قوى دولية وإقليمية إضفاء أبعاد طائفية على بعض الاحتجاجات السلمية .


ــ تشترط النتائج السياسية التي أحرزتها الحركات الشعبية مواصلة الكفاح الوطني نحو إحداث تغيرات ديمقراطية لصالح التوازنات الطبقية وبهذا المرحلة تستطيع القوى اليسارية الديمقراطية دفع عملية التغيير الاجتماعي عبر مرتكزين اساسيين أحدهما تبني مصالح القوى الاجتماعية ذات الانتماءات الطبقية المتعددة والمتضررة من النهوج الاقتصادية الليبرالية والاستبداد والأخر إعادة بناء نهوجها السياسية على قاعدة فكرية تنطلق من إعادة بناء مفهوم السياسية ونقله من علاقة قوة بين الطبقات الاجتماعية المتنازعة الى علاقة قوة بين التكتل الديمقراطي المتعدد الأطياف الطبقية وبين السياسات التخريبية للطور الجديد من التوسع الراسمالي .

3

النتائج السياسية التي أفرزتها الحركات الشعبية الهادفة الى بناء الأنظمة السياسية على قاعدة الديمقراطية والمشاركة الشعبية تقود الى تبدلات إقليمية بمستويات مختلفة أهمها ( أ ) بناء علاقات عربية ـ عربية متوازنة تستند الى مصالح المنطقة انطلاقا من مراعاة حقوق الإنسان والدفاع عن المصالح الوطنية وبهذا المعنى فان العلاقات العربية قد تبتعد عن سياسة المحاور التي ميزت السياسية العربية في العقود الأخيرة .( ب ) فتحت التطورات السياسية في المنطقة العربية الأبواب أمام تعاون إقليمي يرتكز على موازنة المصالح الوطنية / الإقليمية وبهذا المنحى فإن هناك رؤى لم تكتمل بعد تشير الى إمكانية ظهور توجهات عربية ـ تركية ـ إيرانية تسعى الى بناء الامن الاقليمي على قاعدة الشراكة الاقتصادية والعمل على تحقيق السلام مع الدولة العبرية انطلاقا من قوانين الشرعية الدولية .
ان نشوء مثل هذا التكتل بغض النظر تغيرات بنية النظام السياسي الإيراني سيؤدي الى عزلة إسرائيل الإقليمية وسيحد من نزعاتها العدوانية الامر الذي يفتح آفاقا جديدة لبناء الدولة الفلسطينية انطلاقا من حدودها الوطنية المفترضة في عام 1967.
( ج ) نشوء أنظمة وطنية ديمقراطية يقود الى بناء سياسية وطنية / عربية مستقلة ينقل أغلب الدول العربية من مستوى التبعية الشاملة الى مستوى ( المشاركة ) في بناء علاقات عربية ـ دولية تحددها طبيعة المصالح الوطنية / الإقليمية .

استنادا الى تلك الملاحظات التحليلية العامة لابد من إيراد بعض الموضوعات الختامية التي أراها ضرورية : ـ

أولاً : ـــ أفضت الحركات الاحتجاجية الى دخول البلدان العربية مرحلة جديدة من مراحل تطورها سمتها الأبرز المطالبة بالديمقراطية والإصلاح وما يشترطه ذلك من تفكك شرعية النظم الاستبدادية المرتكزة على احتكار السلطة وهدر حقوق الإنسان .

ثانياً : ـ أجبرت الانتفاضات الشعبية السلمية الأسرة الدولية على احترامها ومساندة مطالبها الديمقراطية .

ثالثاً : ـ ـــ تقود التغيرات السياسية التي حملتها الموجة الجديدة من الانتفاضات الشعبية الى تغيير ميزان القوى الاقليمي وما يتضمنه ذلك من بناء علاقات عربية / إقليمية / دولية ترتكز على توازن المصالح الوطنية / الدولية .


الهوامش

* تتحد المداخلة بالنتائج السياسية / الفكرية التي أحدثتها الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر العربية







اخر الافلام

.. البابا فرنسيس يساند المهاجرين والفقراء وينصح بالاهتمام بهم…


.. شاهد: اشتباكات بين الشرطة الفرنسية ومتظاهرين


.. شاهد: مئات المتظاهرين يطالبون ميركل بمغادرة مدينتهم




.. حركة نداء تونس..محاولة لرأب الصدع


.. 7 BONUS Kshama Sawant at Socialism 2018