الحوار المتمدن - موبايل



التجربة الماليزية بطابع فلسطيني

شجاع الصفدي

2011 / 5 / 27
القضية الفلسطينية


لا شك أن للسفر فوائد كثيرة ، أهمها الاطلاع على الثقافات والتجارب الحضارية والفكرية في بلدان أخرى والتعرف على تقاليد ومناهج شعوب الأرض ، ولذلك فإن مسعى السفر سواء كان للسياحة والمعرفة أو للعمل أو بحثا عن لقمة العيش هو مسعى يجب احترامه وحق لكل من يقدم عليه بحكمة وعقلانية .
لكن العجيب والمخجل هو ظاهرة السفر دون أي تفكير لمجرد التخلص من واقع قائم ودون التفكير فيما ينتظر المرء في الدولة المتوجه إليها ، والمضر أن يقدم بعض الشباب دون دراية على السفر وبناء على معلومات خادعة يصبح الهدف لديهم هو السفر بحد ذاته مما يؤدي غالبا لتشردهم وتعرضهم للكثير من الانحرافات والتحولات الخطيرة في السلوكيات والتصرفات ، ويصبح هؤلاء نماذج سيئة تضر بسمعة بلادهم وشعوبهم .
وقد تطرق الكثير من الكتاب لظاهرة سفر الشباب الفلسطيني للخارج وكنت أكثر المتفهمين لرغبة الشباب في السفر بسبب الظروف القاهرة وانعدام التفاؤل في أفقهم ، بل دافعت دوما عن ضرورة التجربة للشباب حتى تتكون لديهم قناعاتهم وخبراتهم التي تعود بالنفع على تصرفاتهم عند عودتهم آجلا أو عاجلا لأرض الوطن رغم كل ما فيه من عراقيل تعترض مضيهم في شق طريق المستقبل .
وقد اعتدنا أن نسمع الكثيرين يتحدثون عن نيتهم السفر لأوروبا حتى لو عن طريق التهريب من خلال دول مثل تركيا وغيرها ، ويستعدون لخوض المغامرة والمخاطرة باستمتاع ، وحتى هذا لم يكن أمرا شاذا أو بشعا بنظري ، بل من حق كل شاب أن يقرر ويختار طريقه كما يراها صوابا ويخوض تجربته الذاتية كما يتأتى له .
لكن الذهول الحقيقي أصابني عندما سمعت عن مصطلح "التجربة الماليزية " والذي حسبما نعرفه منطقيا بأنه تجربة التعلم الالكتروني المتطورة جدا والتي انتهجتها ماليزيا ، الدولة التي طورت نفسها ونجحت في تقديم تجربة علمية واقتصادية رائعة يحتذى بها ، وإذ بمصطلح التجربة الماليزية يتحول عند بعض الشباب الفلسطيني لشيء مختلف تماما عما نعرفه ، حيث يقدم البعض على السفر لماليزيا مستغلين القانون الماليزي القاضي بعدم وجوب الحصول على تأشيرة دخول للفلسطيني ، ويصلون هناك لتبدأ رحلة التشرد والتشتت الذي لا ينقص الفلسطيني أبدا ، فما أن يصل هؤلاء للعاصمة حتى يصدمون بغلاء فاحش لم يكن منتظرا حسبما أوهمهم البعض بحياة رخيصة وسهلة ،فينفقون ما حملوه من مال في مدة وجيزة ويبدأون بالسير في طريق الضياع ، بعضهم يعاند حتى لا يبدو فاشلا أمام أهله ومعارفه في الوطن ، والبعض الآخر يندم ويتدارك ويسعى للعودة لبلاده بعد أن استوعب الدرس جيدا بعدم اتخاذ قرارات عشوائية فاشلة .
لكن الكارثة الحقيقية هي تحول بعض الشباب هناك لظواهر سيئة جدا ، حيث هنالك مجموعات من شبابنا الفلسطيني عندما تنتهي إقامتهم المحدودة يتعرضون للسجن، وبعضهم يلجأ لمقرات الأونروا للحصول على مستند يثبت أنه لاجئ في ماليزيا ، وكأن شعبنا الفلسطيني ينقصه المزيد من الفلسطينيين في الشتات .
وبعضهم يتحول لمجرمين يعتدون على بعضهم البعض بالسكاكين من أجل حفنة دولارات ، والشرطة الماليزية تسجن بعضهم ثم تفرج عنهم كونها لا تستطيع ترحيله ولا تريد تحمل مسؤوليته ، ويستمر في البلطجة لدرجة أن أحد الفلسطينيين شكل عصابة تفرض الإتاوات على أي صاحب مشروع فلسطيني هناك مطالبينه بالدفع لهم مقابل حمايته ، وأنه ملزم بالدفع لأنه فلسطيني مثلهم ! .
والموقف الأغرب في كل هذا الوضع السئ هو موقف السفارة الفلسطينية في كوالالمبور التي يجب أن تساهم في إنهاء هذه الظاهرة العجيبة لكنها لا تلقي بالا لذلك كله ، حتى أن السفارة لا تستقبل أي فلسطيني ولا تدخله أبوابها وأسوارها العالية وكأن الجالسين داخلها في برجهم العاجي ليسوا هناك لخدمة الفلسطينيين وإنما هم في نزهة للاسترخاء والاستجمام . وبدلا من أن تحتضن السفارة بدورها من يرغب بالعودة متراجعا عن خطأه تقدم على طرده وعدم الاعتناء به كمواطن ليعود للشارع ويغرق في الضياع ، بل ويكون معرضا لسقوط أمني وأخلاقي فادح .
كل سفارات العالم تستقبل المراجعين باحترام وتدخلهم للجلوس وتخصص موظفين للتعامل مع احتياجاتهم إلا سفارة فلسطين القائمة على فيلا فاخرة جدا في أرقى أحياء العاصمة الماليزية والتي إن توجه لها أحد الفلسطينيين يكون الكلام معه من خلال سماعة هاتف على البوابة حتى يكاد يشعر أنها السفارة الأمريكية والتي قد تكون مستهدفة بسبب العداء تجاهها من جهات كثيرة.ترى ما سبب شعور السفير الفلسطيني ومسؤولي السفارة في كوالالمبور بالخطر والخوف من مواطنيهم ، ولمَ الحذر الأمني الشديد المتسبب في التعامل من خلف الأسوار مع أبناء شعبهم ؟ .
لا أدري حقيقةً متى تتكاتف كل القوى الفلسطينية المسؤولة لتوقف نزيف الشباب وغربتهم وتدمير مستقبلهم ، ومتى يصبح الشباب الفلسطيني من الأولويات المركزية لأولى الأمر ، ومتى تصبح سفاراتنا في الخارج رسل سلام للفلسطيني ، تحتضنه وتهتم بأمره وتساعده في كبواته إن تراجع عنها ، فالله عز وجل يغفر لعباده، والأب يغفر لأبنائه زلاتهم ويحتضنهم ، أما سفراؤنا _إلا من رحم ربي_ لا يغفرون وليسوا على استعداد لتقديم العون لأحد أو التنازل للتحدث معه عن حاجته ومشكلته وجها لوجه دون كاميرات وسماعات هاتفية !، ويتركون آلاف من الشباب للضياع والتشرد مترفعين عن مساعدتهم ، محمّلينهم مسؤولية كل ما يحدث ، دون مراعاة الظروف القاهرة التي أجبرتهم على ترك أوطانهم ، ومعرضين هؤلاء الشباب لمستنقعات السقوط في شراك مختلفة لا تأتي على الوطن إلا بالأذى والخطر .
وفي مقارنة مؤلمة لا بد أن نرفع القبعة للسفير المصري في كوالالمبور ولموظفي السفارة المصرية هناك والذين تعاملوا أمامي شخصيا مع عدة حالات بشكل إنساني رائع وصل لحد قطع إجازة الأحد وعيد العمال والحضور لمقر السفارة لتيسير بعض المعاملات الطارئة ، وإن كانت تلك بركات الثورة المصرية المجيدة فلنحيي الثورة ، رغم أني مؤمن تماما بأن الرجل والدبلوماسي الخلوق والراقي لا يتغير أدبه مع تغير الأنظمة لأن الطبع والأصل غالب ، ولذا كان التصرف في السفارة أصيلا ومحترما بغض النظر عن تغير الأنظمة .
أخيرا ، آمل أن تصبح التجربة الماليزية العلمية والحضارية هي ما نحاول النجاح فيه كفلسطينيين ،بدلا من أن تتحول التجربة الماليزية عند شبابنا الفلسطيني لتجربة الفشل في ماليزيا واللجوء والتشرد والضياع .
وأتمنى أن يصبح الفلسطيني في الخارج نموذجا مشرّفا لشعبه ، رمزا حضاريا لشعب ثائر ، ليس مجرما بشعا متعديا على الآخرين مشوها صورة الثائر الفلسطيني الذي يجابه الاحتلال بصدره العاري وكوفيته الصامدة .







اخر الافلام

.. توقيع اتفاقيات تعاون بين روسيا وسوريا


.. قناة العربية - البث المباشر


.. البرلمان الأوروبي ينتقد مصر حقوقيا ويشجب التعاون الأمني معها




.. الحصاد-الشيوخ الأميركي يدينه بالإجماع.. تضييق الخناق على بن


.. من واشنطن-مستقبل العلاقات الأميركية السعودية بعد قرارات مجلس