الحوار المتمدن - موبايل



البعوض يحارب الملاريا في العراق

ساطع هاشم

2011 / 11 / 10
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لقد حرفت افكار الاحزاب الدينية الرجعية الهدامة وتعاليمها العنصرية الان جيل كامل من العراقيين , وسممت ادمغتهم وجعلتهم في موقف سلبي دائم من الانسان والتطور والعلوم والابداع الحقيقي والمشاركة السياسية الفاعلة في الحياة الاجتماعية , وسارت نشاطاتهم العنفية كلها بالتوازي مع سياسة الاسلمة ( رديف التبعيث) القسرية للمجتمع ونماذجها في تمجيد الطغاة والقتلة , وكخلفية لاعلامهم استعملوا المهرجانات الدينية الباذخة والخطابات والوعود الطنانة الكاذبة التي تبثها جوامعهم وحسينياتهم واذاعاتهم كل يوم بشكل مقرف , فصار المواطن لايفهم اين يبتدأ الايمان واين تنتهي السياسة , وما هو الفارق اصلا بين كلاهما , فقد اصبح المرجع الديني هو نفسه القائد السياسي والمنظر الثقافي والعالم النووي , وهو الموسوعة الكاملة لكل سؤال وجواب في الدنيا والاخرة , وتلاشى عمليا تأثير السياسي المتنور بين الجمهور وانحدر دور الوعي العقلي للناس الى الحضيض , وزال احساسهم بالاضطهاد المسلط عليهم , وانهارت قدراتهم للمطالبة بحقوقهم والاستعداد لمواجهة الطغاة واللصوص والقتلة المتدينون , وسحقت انسانيتهم بالرشاوي والكلام المعسول والتهديد بجهنم والنار المصطلية وكل قائمة الخرافات التافهة الاخرى للعودة الى الماضي التليد التي تلقى على مسامعهم ليل نهار.
فعندما يطلب من الحكومة والبرلمان العراقي واحزابها (المنتخبة) الامتثال للدستور واللوائح العالمية لحقوق الانسان واطلاق الحريات العامة والاستجابة لمطاليب الناس وتحسين حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والمحافظة على الدولة العراقية ومحاربة الفساد والمفسدين وغيرها الكثير , فذلك يشبه بالواقع الطلب من البعوض ان يحارب الملاريا والقضاء على الامراض , ولاادري اذا كان هناك من ضمير حي في العراق بعد ثماني سنوات على هذا الحكم الجائر ان يصدق بهذه الخرافات .
ولاتوجد قوة سياسية عراقية واحدة حاليا قادرة على ازالة هذا النظام العجيب لان الغالبية العظمى من العراقيين هم في اضعف حالاتهم النفسية والجسدية والعقلية , بسبب الحروب الدائمة والاضطهاد والعنف الذي مورس ضدهم ومازال يمارس بقوة وعلى مدى عقود طويلة من الزمن , وقد ازداد وتنوع في عهد الاسلام السياسي البغيض , وحكمهم الطائفي والعنصري منذ ان تم تسليم رقابنا اليهم والى طبقتهم من رجال الدين الطفيلية الفاسدة والمفسدة , التي وضعت نفسها ومنذ البداية في مواجهة حربية صريحة ومصيرية مع كل طبقات المجتمع العراقي الاخرى التي حصلت على حريتها لاسابيع معدودة بعد اسقاط نظام البعث , وانتهت هذه الحرية منذ ان سلم المجرم بول بريمر السلطة الى الاسلاميين والى الان .
استمدت هذه الاحزاب ورجال الدين قوتها من شرعية زائفة ومزورة بابتكارهم طريقة ماسميّ بالعملية السياسية والتي هي بالواقع ليست سوى –قشمريات سياسية- هدفها هو تحييد الاحزاب والقوى والطبقات الاجتماعية العراقية المتنورة والتي تريد بناء عراق عصري حديث ديمقراطي ومتطور لمنعها من رفع صوتها ولو بخفوت ضدهم , وهذه العملية السياسية تشبه الى حد كبير سياسة البعثيين بالسبعينات عندما أسسوا مااصطلح عليه اسم –الجبهة الوطنية التقدمية- والتي لم تكن بالواقع وطنية ولا تقدمية وانما مثلت للكثير من الوطنيين الاحرار انذاك عطلة من النضال ضد البعث , حيث كان الهدف منها تخدير وتحييد كل من يعمل ضد البعث وطبقته العسكرية الفتاكة , وهذا ماساعدهم في تنفيذعملياتهم البربرية ضد الشعب الاعزل دون رادع , وهذا هو اسلوب رجال الدين واحزابهم ومنظماتهم نفسه الان , في اعلان صريح وواضح لاستعباد الناس وقتل انسانيتهم للاستمرار بالحكم وباي ثمن ولمنع العامة من التفكير والاحتجاج والتظاهر للحصول على حقهم في السلام والامان والقضاء على الجهل والامية والحياة الكريمة ورفع مستواهم المعيشي وحقهم في العمل والضمان والازدهار واعادة العمران .
تنشغل عموم الاديان عادة بفكرة الموت والحياة بالاخرة وليس بالحياة في عالم اليوم , وهذا هو المخدر العجيب لدماغ الانسان الضعيف , وهي قضية عمرها الاف السنين لم يتوصل العقل البشري الى حلها ومعالجتها الا في زمان العلم بعد النزول بالموت الى جذره الطبيعي باعتباره ظاهرة من ظواهر الطبيعة , وان الجسد الميت مجرد مادة متفسخة . وفكرة الموت والخلود والحياة الاخرة هي اصلا من مبتكرات الاديان التي توصف بالوثنية والتي حاربتها الديانات الابراهيمية الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام بقوة وعنف واعتبرت الايمان بها كفر والحاد , وهذه الخدعة هي عصب الدعاية السياسية لاحزاب الدين بين الملايين المنكوبة بالاسلام السياسي وقذاراته كما في عراق اليوم , والتي تتخذ من عبادة الاسلاف وانتظار الغائب حجر الزاوية في تفكيرها (هذا المخدر العجيب الاخر في نفوس الناس ), وهو المحور الذي تدور عليه كل تعاليمهم ولطمياتهم وطقوسهم ومهرجاناتهم المتنوعة , فلا يوجد مكان الا ونبشوا به مقابر وشواهد لموتاهم وتم تحويلها الى اماكن تعبدية مقدسة (بقدرة عجيبة) وبالتالي وسائل دعاية سياسية فتاكة .
لم تكن الحضارات القديمة ترى في الموت شيئا ختاميا ونهائيا (كما يعتقد الانسان العاقل في زماننا) , بل مجرد محطة عبور الى عالم الخلود والابدية والسعادة الكاملة , وقد لعبت هذه الفكرة الدور الحاسم في تكوين الفكر الديني برمته وقد شغلت عقول البشر على مر التاريخ , حيث اعتقد الناس بان الحياة الاخرى تشبه الحياة الدنيا وبنفس التفاصيل , في المجتمع والعادات والسلوك , ولهذا فقد تركوا بالمقابر كل ما يمكن ان ينتفع به الميت في الحياة الاخرى مثل الملابس والسلاح وادوات الطبخ والحيوانات الاليفة بعد تحنيطها وغيرها , ومازالت مثل هذه العادات موجودة عند بعض الشعوب وقد زادوا عليها بمواد حديثة مثل وضع راديو او تلفون وماشابه بعد ان نسبوا اليها بعض الصفات السحرية كما كان يفعل اجدادهم مع الاحجار الكريمة والذهبيات والملابس الفخمة في القبور .
وكلما كانت طبقة الفلاحين كبيرة في مجتمع ما , وبقية الطبقات اقل زادت سلطة الدين والتدين اكثر , حيث ظهر الدين كحاجة فكرية هامة للانسان مع اكتشافه للزراعة وكان ذلك قبل حولي عشرة الاف سنة مع نهاية العصر الجليدي الاخير في الارض , ثم دخوله عصر الاستقرار بالمدن وتاسيس الحضارات , واولى الدلائل واقدمها على هذا التحول وجدت في الشرق الاوسط وقرب حدود بلدنا , وهو الان فكرة مريضة مرتبطة بالاحزاب والمنظمات الرجعية , في عالم يتخذ من المستقبل شكله ومضمونه , ومن العلم الحديث وتكنلوجيته هويته , ومانراه حاليا بالعالم الثالث هو مجتمعات زراعية / فلاحية في طريقها الى التحول نحو عالم صناعي جديد ,هذه العملية بالتحول سائرة بلا انقطاع في كل بقاع الارض ومنذ مئتين سنة , ولايمكن ايقافها ابدا , وهي سائرة وتجر ورائها واثنائها الماسي والمحن حالها من حال اية عملية مخاض عسيرة وتطورية اخرى للانواع , فهي تجبر البشر على القبول بها مهما كان ايمانهم باديانهم والهتهم من القوة والاخلاص والتمسك .
العقائد الدينية المسيسة والمؤدلجة الطاغية والمسيطر في مجتمعنا اليوم , والتي تقوم بدور توجيهي رجعي وهوس في تشويه الماضي قادنا ويقودنا للهلاك ,لاتستطيع بالواقع ان تزور الا القليل جدا من الحقائق التي تركها الاسلاف لان صحة الافكار من خطأها في زماننا هذا لايقارن الا بما تم التوصل اليه عالميا من حقائق وادلة عيانية ملموسة لاتقبل المساومة , حيث الحقيقة بالعلم هي دائما بالملموس والدليل القاطع وليس بالمجرد / الغيبي / الخيالي وهذا هو مفهوم الايمان بالعلم الحديث , فالايمان بالعلم ليس مثل الايمان بالدين , فهذان شيئان مختلفان تماما ولايلتقيان .
لقد منع المسلمون الاوائل التصوير والنحت والرموز وتاليه النبي , خوفا من عبادة الاوثان وعودة الديانات القديمة لمنافستهم , وابدعوا مقابل ذلك فن اخر يرتكز على ارقى علوم زمانهم , وافضل بناة الحضارات التي استعمروها , انه فن الحركات الهندسية والخطوط المحسوبة بدقة , فن الخط والزخرفة والمعمار .
بينما نجد الان الاستخدام الواسع النطاق للرموز والصور والشعارات من قبل الاحزاب الدينية وكل هؤلاء الاجلاف المسيطرون على الساحة السياسية العراقية , وتأليه قادتهم الدينيون كشخصيات شبه اسطورية ونائبة عن الله في الارض , وهذه فكرة قديمة جدا استخدمتها كل الاديان القديمة (غير الاسلامية) في فنونها ودعاياتها , ويعاد انتاجها وتسويقها علينا ومنذ اربعين سنة , وليس له علاقة بالاسترشاد بتعاليم السلف الاسلامي وتراثهم كما يقولون , بل انه اخلاق وسلوك سياسي عدواني رجعي ذو اصول فكرية نازية وفاشية , ممزوج بسلوك عثماني وتتري ومغولي بربري , ترسخ في العراق على مدى سبعة قرون ونصف من العصور المظلمة , لنشر الفوضى والخراب والدمار وتخدير العقول والحاق الاذى بالعباد واستعبادهم ونهبهم الى مالانهاية وفي كل مكان .
مشكلة الاسلاميين وهم بانتظار وصولهم الى محطة العبور الاخيرة هذه نحو جهنم وبئس المصير , ان ليس لديهم غير القليل جدا من الافكار الصالحة للاستعمال في الحياة الدنيا وعالم الاحياء الذي تحكمه نظريات العلم والعقل والمعرفة المتنوعة , ومع هذا فهم من اكثر الطبقات الطفيلية اللصوصية قدرة على البقاء والتوسع , بفضل الثرثرة والكذب والدجل والكلام المعسول الذي يجيدون استعمالها ببراعة في - بلاد الجلاوزة - بلادنا (كما وصفها عن حق احد كبار مفكرينا في الخمسينات) , وفي بلاد البرابرة المغول والتتار التي تسمى زورا وبهتانا بلاد العرب والمسلمين .







التعليقات


1 - جميل
مازن البلداوي ( 2011 / 11 / 10 - 06:31 )
رائع ومنطقي ما دونت اخي الفاضل، وليس لي الا ان اشكرك
تحياتي


2 - انتم انشروا العدل
فراس فاضل ( 2011 / 11 / 10 - 07:19 )
كلام رائع وجميل --العراقيين ابتلوا بالاسلام السياسى وعباده من مات من اكثر من الف سنه وانتظار المخلص--لماذا الانتظار وانتم فى الحكم ---انتم انشروا العدل والشعب لايريد اكثر من ذلك وسوف يعيش الجميع بخير --لك كل الحب سيدى الكاتب


3 - رديف التبعيث
سمير طبلة ( 2011 / 11 / 11 - 01:39 )
فـ ((الاسلمة رديف التبعيث)). وما نشهده إعادة انتاج الإستبداد، بلواء آخر. وبالتأكيد فمصيره لن يكون أفضل من سلفه.

اخر الافلام

.. نيوزيلنديون يسلمون أسلحتهم بعد مذبحة المسجدين


.. شوارع #نيوزيلندا.. تقف حداداً على أرواح ضحايا المسجدين


.. رئيسة وزراء نيوزيلندا: وسائل الإعلام ستبث الأذان مباشرة يوم




.. نيوزيلندا: بدء مراسم دفن ضحايا مذبحة المسجدين


.. فيسبوك في ورطة.. بعد بث مجزرة المسجدين عبره