الحوار المتمدن - موبايل
فلم إنس بغداد .. أعادَ لَنا الذاكرة شبه المفقودة

نبيل عبد الأمير الربيعي

2012 / 1 / 21

فلم إنس بغداد .. أعادَ لَنا الذاكرة شبه المفقودة
نبيل عبد الأمير الربيعي
( معذرة أخي... لأني لم أضعك في الصورة بعد , فالفلم الذي أحدثك عنه والذي يحمل عنوان"إنس بغداد" هو فلم وثائقي أخرجهُ أحد أبناء الرافدين , الذي يدعى سمير ويروي حياة أبناء عمً لنا هاجروا أو هجًروا إلى إسرائيل في حينه من العراق الحزين , إنهُ ابن شيوعي عراقي هُجًر , ويعيش حالياً مع عائلته في سويسرا)

فلم" إنس بغداد" للمخرج العراقي المولد السويسري الجنسية سمير جمال الدين من مواليد عام 1955 , فقد عرض الفلم الوثائقي في ختام تظاهرة - من بغداد بروكسل- ,إذ تم استضافت الفلم في صالات (سكاربيك الفني) بحضور مخرجهُ , إذ رصد الفلم ذكريات وآراء أربعة من الكتاب العراقيين اليهود المعروفين , وهم من الجيل الأول الذي هُجًر بداية عام1951 وهم ( سمير نقاش, سامي ميخائيل, شمعون بلاص , موشي خوري) , أما من قابلهم المخرج من الجيل الثاني فكانت (إلا حبيبة شويحات) المختصة في السينما الإسرائيلية .
لقد ساهموا يهود العراق في جميع مجالات الحياة الثقافية والسياسية والأدبية والاجتماعية والفنية, لكن بتهًجيّرهم القَسّري من العراق قد خسر العراق الكثير من هذه الكفاءات التي لا تُعَوض بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة على العراق, كما خسرَ في هذه الأيام التهجيّر الذي طال المكون المسيحي وبقية المكونات من صابئة مندائية و أيزيدية , حيث هاجر الكثير من الكوادر الفنية والطبية وأصحاب الكفاءات بسبب العنف الطائفي الذي حصل في العراق بعد التغيير عام2003.
فلم إنس بغداد يعرض ذكريات وشجون يهود عراقيين , ومن المفارقة عندما طلب مخرج الفلم من المتحدثين بأي لغة يرغبون التحدث , كان جوابهم " طبعاً بالعربية" , تلك اللغة المطعمة باللهجة البغدادية القديمة القريبة للهجة الموصًلية ,إذ يروون ما تعرضَ لهُ تهجيًرهم في أربعينات وخمسينات القرن الماضي , بسبب سياسة حكومة توفيق السويدي والمنظمات الصهيونية وبضغط من قبل حكومة بريطانيا وأمريكا , وقد تزامنت معها حوادث إلقاء القنابل في أماكن تواجدهم ودور العبادة والمدارس التابعة للطائفة اليهودية , ثم أعقبها إصدار قانون إسقاط الجنسية العراقية عام 1950.
فقد قوبل هذا الفلم بمواقف الرفض من قبل المهرجانات السينمائية العربية وكذلك المهرجانات الإسرائيلية و لكنهُ لقي حفاوة من قبل الجمهور الحاضر , الذي صفق لهُ في بروكسل فقد عرضَ في ثلاث مدن هولندية هي " روتردام , لاهاي, أمستردام" لقد نال المخرج وعن جداره "جائزة الصقر الذهبي " للفلم الوثائقي الطويل.
انتقى المخرج هذه الشخصيات انتقاءً دقيقاً بعدَ تفكير طويل في الأدوار الثقافية والسياسية والاجتماعية التي لعبوها خلال إقامتهم في إسرائيل منذ أوائل الخمسينات وحتى اليوم , فقد بدأ المخرج برواية بعض التداعيات التي انهمرت من ذهنه فجأة عن مدينة بغداد من خلال الذكريات لهذه المدينة أوائل القرن العشرين وحتى تصوير الفلم, وما مرَ بهِ العراق من حروب ومحن وفتن وانقسامات أفرزتها ظواهر التمييز والتفرقة العنصرية , فقد أفقدت العراق جزءاً من مكونه الذي تواجد في العراق أكثر من 2600 عاماً, كان الطيف العراقي يزهى بألوانه القومية والاثنية والدينية , إذ كانوا يشكلون فسيفساء الشعب العراقي.
لقد حملّ فلم" إنس بغداد" حياة كتاب يهود العراق الذين يعيشون في وسط إسرائيل ويقول مخرج الفلم لوكالة فرانس بريس إن من رصدهم في فلمه" كانوا ممتنين لإعطائهم فرصة وإمكانية ليعبروا عن أنفسهم , لأنهم لم يعبروا عن أنفسهم وحتى لو كانوا مشهورين, مثل سامي ميخائيل , منهم لم يسألوا بالعربية سابقا" , وقد سأل الكاتب الذين التقاهم عن اللغة التي يفضلون الحديث بها أمام الكاميرا حتى يرد عليه أحدهم(أكيد العربية) ,ويوضح إن المشاهدين يروّنً في الفلم إن الكتًاب العراقيين اليهود كانوا" معاً مع الفلسطينيين , وساعدوا السياسة الفلسطينية", كانَ جميع الكتاب من الشيوعيين السابقين قد عملوا معاً مع الكتاب الفلسطينيين منهم محمود درويش وأميل حبيبي في جريدة الحزب الشيوعي الإسرائيلي.
المخرج سمير جمال الدين:
ولد مخرج ومنتج الفلم سمير جمال الدين في بغداد عام1955 لأب عراقي من مدينة النجف, وهاجر والديه إلى سويسرا عام1961 ودرس في مجال التصوير والإخراج السينمائي حال اختتام دراستهُ الأساسية قد اشتهر بأعماله الفريدة في السينما المرئية والالكترونية في أكثر من 40 فلم, مثل( مورلوف – أنشودة هايسنبرغ عام1986 وبابل 2 عام1993), عمل في المحطات الإذاعية الألمانية , حيث قام بإخراج عدة مسلسلات وحلقات لمحطات خاصة مثل (سات1) و(رتل) و ( برو7) ولمحطات التلفزيون الألمانية العامة, حازت أعماله على العديد من الجوائز الوطنية والدولية , كما يعمل محاضر في أكاديمية متخصصة بالعمل السينمائي في كولونيا وبرلين.
كانت فكرة الفلم (إنس بغداد) , بدعوة والدهُ لالتقائه برفاقه القدماء من الحزب الشيوعي العراقي وهو العامل الحاسم لميلاد فكرة الفلم والذي حمل عنوان " إنس بغداد – يهود وعرب – الارتباط العراقي" ,فقد كانوا يهوداً عراقيين من رفاق والدهِ في التنظيم السري الذي انتمى إلى صفوفه منذ أربعينات القرن الماضي وقد جمع هذا الحزب جميع الأعراق والطوائف الموجودة في العراق . لكن المخرج نجح في اقتفاء أثر عشرات الآلاف من اليهود العراقيين ونقل على امتداد ساعتين صور مقتضبة ومعبرة جداً عن بعض حقيقة ما حدث.
الفلم ينقل عوالم الكتاب (شمعون بلاص وسمير نقاش وسامي ميخائيل وموشي حوري وإلا حبيبي شويحات),هذه هي الشخصيات الرئيسية للفلم الذي يعود من خلالهُ المخرج إلى أيام النضال ضد الاستعمار البريطاني وعندما تحولت خلايا الحزب الشيوعي العراقي من مجرد نواة لتنظيم سري لأفكار ومباديء الماركسية إلى قوة جماهيرية ضاربة ضد (رشيد عالي الكيلاني ونوري السعيد والاحتلال البريطاني) , وعند عرض الفلم انقسمت الشاشة إلى نصفين مجسمة ,عرق الهويتين و الانتماءين على امتداد ساعتين كاملة , نصف الشاشة الأول خصص لحديث الشيوعيين القدامى وحياتهم وهجرتهم والنصف الآخر تداول لقطات الأرشيف النادر من تاريخ العراق والمنطقة , وقال المخرج العراقي ضياء خالد لوكالة فرانس بريس إن الفلم " يعرفنا بقصة جزء مهم من الأمة العراقية , وإنهُ يعرض لذاكرة(شبه مفقودة) لعراقيين لا تزال أحياؤهم وأرزاقهم موجودة" .
لقد أبكى الفلم كل عراقي مشاهد حينما سمع خواطرهم عن بغداد والحنين والذكريات والشجن لذكريات عفا عليها الزمن.
سمير نقاش:
ولد الراحل سمير نقاش في بغداد عام 1938 وعاش أغلب أيام طفولته في حي البتاوين ثم انتقل إلى بيتهم في بارك السعدون, ولقبت عائلتهُ بالنقاش لأن مهنة جده الصائغ وإتقانه النقش الفني , ويفتخر بأن تغليف منائر جامع الإمامين الكاظمين بمعدن الذهب هي من عمل جده وهُجًر عام 1951 من العراق بقانون إسقاط الجنسية العراقية عام1950 السيء الصيت وهو بعمر(13) عاماً, فلم يروق لهُ الوضع في إسرائيل واستقبالهم في مطار بن غوريون برشهم بمادة (د ي دي تي) الممنوعة دولياً فهرب عن طريق لبنان وألقي القبض عليه وسجن ثم هرب إلى طهران ومنها إلى بومباي واستنبول ثم الاستقرار في لندن وكان يحلم بالعودة إلى العراق,ويعتبر كاتب متعدد المواهب فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي وباحث في التراث اليهودي , عاد من مقره الدائم في لندن إلى إسرائيل بعد مشاركتهِ النضال في صفوف المعارضة العراقية , إلا أن بعد التغيير عام 2003 أهمل بسبب ديانته اليهودية , استقر في إسرائيل في حي ( تباح تيك) ورحل عام2004, كان غزير الإنتاج , أصدر أكثر من ثلاثة عشر رواية وقصة ومسرحية , وقد حصل أكثر من طالب على أطروحة الدكتوراه في أدبه وقصصه وكانوا من جنسيات مختلفة (إيطاليا, ألماني, انكلترا, والولايات الأمريكية والأقطار العربية بضمنها العراق ومصر والضفة الغربية), وقد وصفهُ الكاتب نجيب محفوظ بأنهُ( أعظم الكتاب العرب الأحياء الذين يكتبون بالعربية , وهو كاتب مسكون بهاجس الماضي ونصوصهُ ويستنطق الزمان والمكان الحاليين).
من مؤلفات سمير نقاش " الخطأ , يوم حبلت وأجهضت الدنيا, حكاية كل زمان ومكان , في غيابه, الرجس, المقررون( مسرحية), عورة الملائكة, شلوموا الكردي وأنا والزمن , مجنون في مدينة ملعونة , فوه يا دًم).
من خلال الفلم عرف الجمهور بشخص الروائي العراقي سمير نقاش وعواطفهُ الجياشة التي تأججت وهو يصف فراقهُ لبغداد ورؤيتهُ لصفحة دجلة الرقراقة وهو إبن(13) عام قال :" أشبعت عيوني من مياه نهر دجلة والأنوار معكوسة على المياه وأنا أودع بغداد", فقد بقى يهود العراق صادقين بمشاعرهم قولاً وعاطفة , وعند لقاء المخرج ببعض الفلسطينيين وفي سياق الحديث عن يهود العراق كانوا يفضلون التعامل مع اليهودي العراقي ويصفون اليهودي المغاربي أو اليماني الذي كان يقطر حقداً وضغينة عليهم.
ما زال يهود العراق في إسرائيل تتراوح أعدادهم المليون, منهم ممن يعيشون اليوم في إسرائيل ويحتفظ بمفردات الحياة العراقية ويشكلون" غيتو حقيقي", وقد علقت الصحفية العراقية السويدية الجنسية (غفران طالب النداف) عن ذلك حينما التقتهم ووثقت للتلفزيون السويدي في برنامج( موزاييك) أجمل ذكرياتهم وحقيقتهم إلى أرض الفراتين.
يصف الروائي الراحل سمير نقاش وضعهم في إسرائيل أيام الهجرة عام 1951 " أهانونا حين رشوا علينا(د ي دي تي) لتطير كل آت من العراق .. وكأننا عبيد" وتابع حديثهُ في الفلم " سنوات طويلة شعرت إني في إسرائيل زائر , لا اللغة لغتي ولا التقاليد تقاليدي فالعراق بلد واسع, أما هنا فقفزه لتجد نفسك في البحر , وفي إسرائيل اختناق فكري يخدم الإيديولوجية العنصرية" .
وفي المقابلة الصحفية قال نقاش:" أنا أشعر بالتمييز العنصري لأسباب عديد, أولاً إن الكاتب يكتب بالعربية لا يقرأ في إسرائيل و لا يحصل على مساعدة من الجمعيات والمؤسسات الأدبية... أنا كاتب مشهور في الدول العربية والخارج عموماً أكثر من شهرتي في إسرائيل", وكان اختيار المخرج لسمير نقاش قد أضاف للفلم عنصر القوة , مضاف نقلَ الفلم إلى مسألة الوضع الراهن برمته لذهنية النقاش المتوقدة , ولكن من خلال الفلم كان الكاتب يتألم بسبب عدم تعلم أبنهُ العربية , سمير نقاش في هذا الفلم جريء كما في كتاباته ومواقفه السياسية والفكرية , فهو لا يسكت عن تعرض المواطن اليهودي الشرقي (المزراحيم) عند تعرضه للتمييز العنصري من قبل اليهود الغربيين( الأشكيناز) , بعد تصوير الفلم بأشهر رحل سمير نقاش عن الحياة عام2004.
الكاتب سامي ميخائيل: .... إنهم يدًمرون مدينة شبابي ..بغداد
كان من ضمن من قابلهم المخرج الروائي سامي ميخائيل, ولد في بغداد عام 1926 حيث أنقطع إلى الأدب والفن والصحافة منذ سن مبكرة حتى أصبح كاتباً روائياً , ومن أعماله الروائية :" الملجأ, حفنة ضباب, صرخة في الواد, فيكتوريا" والأخيرة تعد الرواية الأكثر مبيعاً والتي ترجمت إلى ست لغات عالمية من ضمنها العربية, وقد حصل على جائزة زائييف وجائزة كول ومرتين على جائزة رئيس الوزراء , إذ يقول في الفلم : " أنا قمت دولة ذات شخص واحد من جهة , وإسرائيل دولة من جهة أخرى, هي تحاول أن تنزل يدي , وأنا أحاول أن أُنزًل يدها , ولكنني بالنتيجة أشعر أنا المنتصر" , كان سامي ميخائيل منذ طفولته شغوفاً بالسينما والأفلام الجادة في بغداد , ويؤكد أن:" أبوه هو الدافع الأساسي الذي حرضهُ على القراءة " فقد كان أبوه يقرأ الصحف والمجلات والكتب ويشاهد الأفلام السينمائية , الأمر الذي نقل لهُ هاجس القراءة ودفعهُ لأن ينتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يلبي متطلبات المرحلة ويستجيب لطموحات الشباب عام1941, ويؤكد ميخائيل أن:" الشيوعيين العراقيين كانوا يقرئون الأدب السوفيتي باللغة الإنكليزية ويترجم للعربية .. وصار الشعب العراقي يستمع لهُم, ويفتخر بهم ويعتبرهم مناضلين حقيقيين يدافعون عن الإنسان حيثما يكون" , ولذلك أصبح الحزب الشيوعي العراقي أكبر حزب في الشرق الأوسط , كان سامي ميخائيل يشارك في تظاهرات عام 1948 (وثبة كانون) وقد أستشهد أحد رفاقه بطلق ناري لأحد أفراد الشرطة وقد توفى على يده , وقد تلقى من أحد أفراد شرطة نوري السعيد ضربة من الخلف على رأسه حيث أفاق من غيبوبة وجد نفسه ملطخاً بدماء رفيقه فتمت مساعدة النساء المشاركات في التظاهرة لحمايتهِ من الاعتقال حتى تم إنقاذ حياته , كما يذكر كيف كانت تعقد اجتماعاتهم في المقاهي الشعبية ويسترسل حديثهُ قائلاً:" حينما ضاق بيَ الخناق , وتقطعت السبل هربت إلى مدينة مشهد المقدسة في إيران والتي يُمنع دخول اليهود إليها , لكن حزب توده الإيرني زاد الطين بلًه حينما أسكنني في جامع" وبعد رحيلهُ إلى إسرائيل عمل في صحيفة (الإتحاد) وانضم إلى هيئة تحريرها في إسرائيل عندما أخبرهُ المناضل أميل حبيبي بأنهُ سيكون أحد أعضاء هيئتها.
موشي حوري... الشيوعي وتاجر العقارات :
يسوح بنا المخرج وهو يبحث عن رفاق أبيه من الشيوعيين اليهود الذي عرف بنضالهم ووطنيتهم وتعلقهم بالعراق, موشي حوري الذي التقى به المخرج وهو ضمن الشخصيات التي تحدث في الفلم "إنس بغداد", كان يسكن مع عائلته في محلة قنبر علي في بغداد ويعمل حالياً في مجال تجارة العقارات , ويؤكد موشي حوري أن أحداث الفرهود عام1941 بعد حركة رشيد عالي الكيلاني وبسبب فشلها تحركت الرعاع لسلب اليهود العراقيين أموالهم وقتلهم حيث تذكر كتب التأريخ فقد قتل أكثر من مئة يهودي عراقي واغتصبت النساء وسرقت المحال والدور التابعة لهذه الطائفة , والتي تركت أثراً سيئاً لدى يهود العراق مما دفعت البعض منهم لأن يصبحوا صهاينة ثم مغادرة العراق , بينما تحول البعض إلى الانتماء للحزب الشيوعي العراقي لأن الحزب لا يفرق بين اليهود وغير اليهود بل كان يعاضدهم أسوه ببقية الأديان والأقوام الأخرى, ويسترسل موشي حوري كيف ساهم بانتفاضة عام 1948 وكيف قطع المتظاهرون شارع الرشيد من أوله إلى أن وصلوا تمثال الجنرال مود قرب السفارة البريطانية ثم رشقوه بالحجارة.
وبعد تهجيرهم إلى إسرائيل عام 1951 يتألم كيف استقبلوا في مطار بن غوريون بمواد (د ي دي تي) ونقلوا بواسطة الشاحنات إلى الخيّم والمعابر بينما كانت عائلتهُ تمتلك بيتاً واسعاً ثم تذمرهم من المعاملة السيئة على الصعيد الإنساني مما دفعهم للتظاهر مع بقية الشيوعيين العراقيين الذين كانوا يتضورون من الجوع داخل المخيمات في إسرائيل , ثم يسترسل ويقول:" كنت في السابق أحبُ بغداد والآن أحب رماد كان, وعندما تأتي إلى وطن جديد يجب أن تنسجم معهُ!" .
شمعون بلاص.... لا أنسى عراقيتي:
شمعون بلاص اليهودي العراقي من سكنّة بغداد محلة (الدهّانه) التي احتضنت سوق الغزل والمنارة الشاهقة وهي مناطق يهودية مشهورة, فقد ولد عام 1930 ودرس في مدارس الدهّانه وتلقى تعليمهُ باللغتين العربية والفرنسية ,وفي زمن مبكر تولع بالقراءة وحب السينما ويذكر في الفلم أحداث السلب والنهب أيام الفرهّود عام1941 ,ودور المسلمين الذين دافعوا عن اليهود في هذه الحادثة , إذ ذبح في هذه الحادثة الكثير من الطائفة اليهودية , قام بها المتطرفين, وعام1950 ساهمت المنظمات الصهيونية ومنها منظمة (التنوّعة) بإلقاء القنابل على دور العبادة والأحياء العائدة لليهود .
يصف انتماءه للحزب الشيوعي العراقي أثناء استرساله بالحديث ويعقب للتأكيد أن الحزب الشيوعي العراقي كان يقاوم الاستعمار والنازية وينتصر للإنسانية ولكونه الحزب الوحيد الذي لا يفرق بين العراقيين على أساس المعتقد, كما ذكر أيام اجتماعاتهم الحزبية التي كانت تعقد في المقاهي الشعبية المخصصة للمسلمين فقط ويقول:" لتحقيق اجتماع حزبي , بدءوا يتظاهرون بأن يلعبون النرد والدومينو ولكن بيان الحزب كان تحت الجريدة , وكانوا يقرئونه بحذر بين آونة وأخرى ويتباحثون فيه" ,وهنا يتوقف بلاص عن الحادثة الطريفة " إذ طلب منهُ مسؤول الخلية أن يبين الفرق بين المثالية والمادية ", فما كان من بلاص إلا أن يقول على وجه السرعة " أن الإنسان المثالي هو الذي يتبع المُثل العليا, وإن المادي هو الإنسان الذي يلهث خلف المادة" هنا ابتسم مسؤول الخلية ثم مضى بلاص إلى القول:" كان يجلس إلى جانبي صانع أحذية(قندّرجي) يمتلك إصبعاً كبيره , طلب منهُ المسؤول أن يبين الفرق بين المثالية والمادية , فما كان من هذا الحذّاء إلا أن يشرحها بطريقة علمية معززاً بما قالهُ ماركس ولينين" , ثم مضى يقول:" لقد شعرت بالخجل بل أصبت بخيبة أمل ", ثم يسترسل عن مشاركاته في انتفاضة الشعب أيام الوثبة عام 1948 وكيف مسكهُ الشرطي بقولهُ "هسّه كمشتك" , فركلهُ بلاص على (خصيتيه) بركلة قوية وفرً هارباً صوب بيوت بائعات الهوى فأجارتهُ واحده منهن وحافظت على حياته.
المؤلم في اليوم الثاني من آذار عام1951 أسقط الكثير من يهود العراق الجنسية حسب الأوامر الصادرة عن وزارة الداخلية آنذاك وغادروا العراق مجبرين, فعند وصوله إسرائيل عمل عاملاً وتحمل قسوة الظروف التي واجهتهُ لأول مره وكان يشعر بالراحة عندما ذهب إلى مركز المدينة ورأى أول مره الصحف الشيوعية المعروضة تحت الشمس دونما خشية من رقيب أو رجل أمن كما يحدث في بلاد الرافدين.

إلا حبيبه شويحات..العراقية.والسينمائية الرافضة لدولة إسرائيل:
اللقاء الأخير من قبل المخرج لفلم " إنس بغداد" مع الشخصية الأكثر أهمية بين شخصيات الفلم هي إلا شويحات لكونها متخصصة في الكتابة عن اليهود الشرقيين(المزراحيم) , إذ تنتمي شويحات إلى عائلة عراقية يهودية هاجرت من بغداد إلى إسرائيل في أوائل الخمسينات , وفي إسرائيل بدأت معانات الدراسة والاندماج مع المجتمع الإسرائيلي , وكونهم طارئين عليه من عادات وتقاليد , فكانت تلاقي هذه العائلة الصعوبات في الاندماج , وفي شبابها وقفت ضد سياسة التمييز العنصري الذي يتعرض لهُ اليهود العراقيين, ثم صعّدت من حملتها ورفضت أداء الخدمة العسكرية الإجبارية وسجنت جراء ذلك لمدة سنتين , ثم بعد خروجها من السجن واصلت دراستها في علم الاجتماع وقدمت أطروحتها حول ( التمييز الذي يتعرض لهُ المزراحيم من قبل الأشكيناز) , وقد تعاملت الصحافة الإسرائيلية مع إلا شويحات بوصفها خائنة للأمة اليهودية ثم تعرضها للمضايقات, إلا أنها بدأت تهتم بالسينما وقدمت بحثاً بعنوان ( الاستشراق في السينما الغربية) بحيث أصبح أحد البحوث النموذجية في معظم معاهد السينما في العالم , كما أنجزت كتاباً في مجال (السينما الإسرائيلية) , وتحاضر إلا شويحات في أكثر من مركز في جامعة نيويورك , من بينها مركز الدراسات الثقافية ومركز الدراسات النسويه ومركز الدراسات السينمائية , كما نشرت مقالة بعنوان( المزراحيم في إسرائيل: الصهيونية من منظور ضحايا اليهود) إذ ترك المقال صدى كبير في الوسط الثقافي الإسرائيلي , لكنها في الفلم تعلق :" إنها لم تخفِ تعلقها بكل ما هو عراقي ", وقد اختارت السكن في شقة مطلة على نهر في نيويورك مشابه لنهر دجلة, هذا حبها لبلدها الذي اقتلعت جذور هامة لتزرع في تربة أخرى تحت ظروف صعبه وقاسية .
حدثتنا إلا حبيبه شويحات عن والدها الذي كان يعمل موظفاً في مؤسسة السكك الحديدية في العراق وقد تركت إسرائيل بسبب ما تعرضت لهُ من مضايقات نتيجة لمواقفها الفكرية والسياسية.
كان يصف هؤلاء المتحدثين( سمير نقاش وسامي ميخائيل وشمعون بلاص وموشي حور ي) القائد الأسطورة فهد -يوسف سلمان يوسف- , هذا القائد الذي ما زالوا يتذكرونه إلى الآن , وقد انقضى نصف قرن على مغادرتهم العراق , والآن يعمل شمعون بلاص أستاذاً للأدب العربي في جامعة تل أبيب , وانخرط في صفوف حركة دعاة السلام المؤيدة لمنح المزيد من الحقوق للفلسطينيين , وتمكن موشي حوري( الذي كان قبل الهجرة يعمل موظفاً في مصلحة تابعة لوزارة المالية العراقية في كردستان) من النجاح في المجال العقاري , والكاتب سامي ميخائيل أكمل دراستهُ الجامعية في علم النفس والآداب العربية في جامعة حيفا وتحول اليوم إلى أبرز كتّاب الروايات باللغة العبرية في إسرائيل.
هذا ما ذكرهُ اليهود العراقيين في فلم "إنس بغداد" , ونتمنى أن يكون هنالك بصيص أمل لإعادة حقوق اليهود العراقيين المهجرين مثلما عادت حقوق من هُجًر من بقية العراقيين إلى دول الجوار , وأنا أتساءل بدوري ماذا يحدث لو عرض هذا الفلم في صالات العرض في العراق عموماً في يوم من الأيام , هل سوف يتعاطف الجمهور العراقي مع هذه المأساة , ولكن هل بقيت صالات العرض على حالها كما في السابق؟.. الواقع يؤكد إن الصالات قد أغلقت أكثرها وتحولت البقية الباقية إلى مخازن أو أوكار للشاذين واللصوص , هذه الكارثة لم تحدث بعد الاحتلال الأمريكي للعراق بل منذ أيام البعث الدموي فترة الحصار, بينما قديماً كانت قاعة السينما تعتبر تجمعاً للناس خارج نطاق حزب السلطة , فقد جهل جيل التسعينات ما لدور السينما لأهمية نشر الوعي الفني والثقافي للأجيال المتعاقبة , كانت دوًر العرض أيام زمان تشكل جزءاً أساسياً من حياة المجتمع ,فقد كانت العوائل تدخل برمتها وتعرض الأفلام أيام السبعينات الجميلة وذات التوجه اليساري كفلم "الفراشة" الشهير المأخوذ عن قصة حقيقية لسجين فرنسي عانى الويلات من أجل هروبه من المعتقل , إضافة إلى فلم " زت" وفلم"تظاهرات طلابية " و فلم" جيفارا الثائر" والأفلام العربية , لكن محاربة البعث لكل جميل قد فقد السينما دورها في ثقافة المجتمع .
متى نبحث بجدية وبمبدأ أخلاقي لإعادة حقوق المهجرين والمسفرين على اختلاف طوائفهم وأديانهم, ومتى تلغى تلك القوانين التي هُجًرو بسببها , لم نجد لها مثيل في دساتير الدنيا, ولكن لنبادر ونسعى إلى بناء دولة الإنسانية ذات الروح الأخوية لكي لا يطرد بعد هذا التاريخ أي عراقي من أرض الرافدين بعد أن عاد العراق إلى أهله , لقد أبكى الفلم جميع المشاهدين لتلك الوجوه البغدادية وحنينهم إلى بلدهم . ما نزال نحمل الضغينة والعداوة لهم مثلما حملتها الحكومات السابقة... هؤلاء المهجرين هم عراقيون قبل 2600 عام يحملون الجذوة الوطنية وحب وعشق مياه دجلة والفرات , وكم نرى تتأجج تحت عواطفهم الذكريات التي عفا عليها الزمن ولم تعد موجودة بالشخوص والأماكن,لقد شاهدنا هذه الوجوه البغدادية من مثقفين وكتّاب وهم دراويش مهووسون بوطنهم الذي فارقوه قسًراً بفعل ظرف تأريخي مريب ودبر في أروقة المخابرات التي لا تنتهي لعبتها.




التعليقات


1 - -إِنـسَ بـغـداد-... ذلك مستحيـل!
علي عجيل منهل ( 2012 / 1 / 22 - 19:17 )
ر قال سمير: -إنني أعتقد أن التواصل هو الحل وخاصة في عصر المعلومات والعولمة اليوم-! وفي انتظار أن تتحول هذه القناعة إلى حقيقة ماثلة في يوم من الأيام، تساءل الكثيرون في لوكارنو: ماذا سيحدث إذا ما أتيح لهذا الشريط أن يعرض للجمهور الإسرائيلي وللعراقيين والعرب عموما في يوم من الأيام؟
بالتأكيد لن تحدث ثورة كونية أو هزة ثورية جامحة، لكن قوة الصورة وبلاغة الكلمة الصادقة ورسوخ الحقائق الصلبة تظل قادرة على كسر الجمود ونسف الأغلال وتغيير العقليات لأن التعايش التاريخي العريق بين الديانات والأعراق والطوائف الذي عرفته شعوب الشرق على امتداد قرون طويلة لم ينكسر إلا منذ بضع عشريات قليلة من السنيين,
تحياتى لك اخى العزيز نبيل الربيعى على هذا الموضوع الحيوى الذى اعاد اللينا تاريخ مجيد لشعبنا الخالد الموسوى.