الحوار المتمدن - موبايل
في فلسفة نيتشه

يوسف السعدي

2012 / 4 / 25

ان فلسفة نيتشه تنبع من نقده للقيم والمبادئ بوصفها عبئا على الانسان بحيث يكون مثل الجمل الذي يحمل تلك القيم وتكون عبئا عليه وتريد من الانسان ان ينتقل لمرحلة هدم القيم والنقد مثل الاسد بتحطيمه لتلك القيم ومن ثم يقوم بصناعة قيم جديدة يكون فيها طفلا وتكون تلك الطفولة نهاية الانسان الماساوية ..ففي كتابه "هكذا تلكم زرادشت" يقول "كيف يصبح الروح جملا , وكيف يصير الجمل اسدا , وكيف يصير الاسد طفلا" .

ينطلق نيتشه من عملية التفسير والترتيب بديلا للمعرفة والاكتشاف , بحيث يكون التفسير هو المحدد للمعاني الجزئية للظاهرة بينما تكون وظيفة الترتيب تحديد القيم للمعاني الجزئية ووضعها في نسق تراتبي لتلك المعاني في اطار دون تخفيف التعددية لتلك المعاني , فتلك النظرة بعمق تعطينا تعبيرا لعلاقة الفكر بالحياة بحيث تكون صور واشكال الفكر هي نتيجة صور او اشكال الحياة وكذلك يكون الفكر مثبت للحياة وصانعا لدربها . فلسفة نيتشه تقوم بما يسمى "فلسفة القوة" و "النقد الجينالوجي" , ففكرة القوى وتاثيرها على الحياة هي ليست الا ظهور للقوى عبر دخولها في القوى القديمة , فنمو الفلسفة اليونانية التي تريد معارضة الحياة وصناعة قيم عليا واتخاذ الفلسفة كمنهج يصنع الحكم على الحياة وفق تلك القيم العليا التي تجعل الحياة حقيرة هو بحد ذاته نمو للفلسفة بشكل منحط وفق تعبيرات نيتشه بتحويل الفكر من حياة فاعلة الى اسلوب حكم ومعارضة بقيم عليا يجعل من تلك الفلسفة فلسفة نفي وتقليل لقيم الحياة بدخول قوى الارتكاس على الحياة الفاعلة والنفي على الاثبات .

فالفلسفة اصبحت تشريعا و خضوعا بدل ان تكون نقدا وهدما عن طريق البحث في اسباب الخضوع للقيم سواء كانت اديانا ام قوانين ام قيم ويصبح قناعها هو قناع الحقيقة التي تكون مسالمة ...اي ان دور الفلسفة يقوم بالبحث عن تحميل الانسان الاوزان والثقل التي هي القيم العليا التي لا تنقد ...فنقد نيتشه لسقراط بوضع هذا الاخير تعارضات تصنع علاما اخر وتدين الحياة بين العقل والادراك ..بين الصحيح والخطأ ..بين الجوهر والظاهر ...ان سقراط يصنع حكما على الحياة وحدودا لها ووضع مقياس فكري يؤدلج بالقيم العليا التي يخضع لها والتي يبررها بالحبث عن اسبابها والتعامي عن هدمها ...اما بالنسبة لمشروع كانط فانه قدما سلسة من النقديات التي تفند النظر الى اثبات المعارف الزائفة الا انه مع ذلك لم يقدم نقدا للمعرفة الاخلاقية (نعتقد ان مشروع كانط انطلق من نقده للاهوت بجعل القيم هي مسوغ عقلي وليس ميتافيزيقي ..بعلاقة الفعل بمبدأ الفعل ) .

ان الخروج من القيود والقيم او الاعباء لا يكون فقط في "قتل الله" كما يقول نيتشه لانها قد تخلق انسانا ينهي نفسه بنفسه ويصنع نظاما جديدا كما كانت الفلسفة تعتاد في تبرير الانحطاط والخضوع عن طريق البحث في الاسباب .

ان علاقة الظاهرة بالتفسير هي علمية تحديد المعنى ولكن المعنى هو نتيجة لعلاقات قوى يكون التمييز بينها نوعيا وتيبولوجي (نموذجي : علم علاقات الذهن البشري بالعضوي) وهذه القوى تكون متنازعة فيما بينها , فالقوى تكون في علاقات متنازعة تجعل تلك القوى ذات جوهر في علاقتها في تحديد المعنى للظاهرة ..والعلاقة بين القوة والقوة هو "الارادة" فالارداة وفق نيتشه ليست اشتهاء او تناول بل هي خلق وعطاء وارادة الاقتدار او السيطرة ..ان ارادة الاقتدار هي العنصر التفاضلي التي تحوي القوى المتجابهة وعلاقة كل منها في الكل فبارداة الاقتدار تأمر القوة ولكنها ايضا تنصاع .

ان الاثبات والنفي هما اساس ارادة الاقتدار , الاثبات يكون المحرك الاساسي والنفي هو نتيجة بحيث تتفاعل القوى الفاعلة وتثبت ذاتها واختلافها ويتم افناء القوى الراكسة فالقوى الفاعلة تبدأ بالاثبات والنفي يكون نتيجة لها , اما القوى الارتكاسية فتكون معاكسة للفاعلة بحيث تبدأ بالنفي ومن ثم تنتهي باثبات .

ان كان التفسير مكتشف للمعاني في القوى فان التقويم يخضع القيم في ارادة الاقتدار .

ان تاريخ البشرية هو انتصار للقوى الارتكاسية واثبات النفي في ارادة الاقتدار بانتصار الضعفاء على الاقوياء اي بانتصار العدد على النوع ولكن ليس في قوتهم التي تغلب قوة القوي بل في صناعة الارتكاس في قوة القوي أي باقتدار القوي , كما يوجد في كل موقع قلب للقيم وارادة الاقتدار من منظور العبد في ارادته للقوة ومن منظور السيد في الحفاظ على القوة ...فالحياة تحوي من الخضوع الى رد الفعل اكثر مما هو خضوع الى الفعل ذاته , كذلك يكون رد الفعل ليس مفعولا بل يكون اخضاع يمارس ضد الفعل ....كما ان القوى الارتكاسية تقول عن ذاتها بانها مخطئة ومذنبة ولكنها تريد ان تخضع تلك المشاعر للحياة اكملها تؤدي الى صناعة اسلوب حياة ارتكاسي .
وكذلك تظهر قوى الارتكاس في تحقير الحياة ونفيها ويكون اثبات ذاتها او ارادة اقتدارها هو بالعدم او ارادة العدم كسبب لانتصارها بصناعة قيم تدين الحياة وتعارض الحياة وتقودها الى العدم وينقلب الواقع وفق قيم العدم فيصبح العبد سيدا ويصبح السيد عبدا ويصبح القوي ضعيفا والضعيف قويا وفقا لمعايير وهمية .

ومع ان موت الله هو حدث كبير في تاريخ الفلسفة فان نيتشه ينظر له على انه خطير بحيث يؤدي موته الى صناعة قيم انسانية جديدة تكون تجديدا للقيم الالهية ولا تكون الفلسفة عندها الا واقع تحديث لقوى الارتكاس والعدم .

مع تطور القوى الارتكاسية في ارداة العدم يصبح الانسان عدمي الارادة بدلا من ارادة العدم بحيث ينطلق الى هاوية العدم والهلاك التي تفتقر الى اقل القيم الانسانية والتي تصنع الانسان الاخير ولكن ارادة القوى في تلك الحالة تنقلب على القوى الارتكاسية ذاتها وتصبح الارادة نفي للحياة الارتكاسية وبذلك تصنع الانسان الذي يريد الهلاك

في حالة العدمية يكون الاشئ هو المحرك في الارادة ,يكون السلب هو الاساس , ويكون الاثبات هو الثانوي والتالي الذي يحمل في ذاته نتائج السلب ولكن بعد تطور الحالة يصبح الاثبات هو الاساس والنفي يكون في اعلى تطوراته هو مساند للاثبات في "هكذا تكلم زرادشت" يكون الاثبات هو الاساس والمحرك والنفي المتطور هو المساند وهنا تقع الاستحالة فتتعارض لا زرادشت مع لا العدمية ولا ننتقل الى الاستحالة الا بعد طور العدمية التي تعكس قواها التفاضلية الارتكاسية لنفي ذاتها .

العدمية تطمح لازالة الصيرورة والمتعدد وليس انفي الوجود وبالتالي فان الاستحالة تقوم على العكس في رفع الصيرورة والاثبات الى اعلى ارادة الاقتدار وتجعلها موضوع اثبات ..ولا يتم معارضة الوجود بالصيرورة والواحد بالمتعدد (اعتراضات عدمية) بل يصبح واحد المتعدد و وجود الصيرورة اي اثبات ضرورة الصدفة وهذا يعني العودة التي هي نتيجة الصيرورة وواحد المتعدد ...ان الاستحالة تنقل الانسان ليصبح الانسان الاسمى لان الانسان في ذاته ارتكاسي متلائم مع العدمية هو تطور الانسان كنتيجة للانسان الاخير والذي يريد الهلاك ولكن تطوره يمزق نوعه بحيث يصبح تطورا فيه وليس له والذي يتامل به بامكانية اثبات كل ما يمكن اثباته وتحقيقه .