الحوار المتمدن - موبايل
سؤال القيم في الكتابة الفلسفية عند نيتشه

محمد بقوح

2012 / 6 / 1

تطرح مسألة القيم في النسق الفلسفي النيتشوي، في علاقتها الجدلية بمفهوم الإنسان، باعتباره منتج و متلق للقيم في الوقت نفسه. فنيتشه يتحدث في العديد من كتاباته الفلسفية، عن ما سماه بمملكة القيم، باعتبارها ( تمثلات ) الإنسان لا غير. بمعنى أن القيم البشرية، مهما كانت اللحظة التاريخية التي وجدت فيها، لها أساس اجتماعي و شرط واقعي، ليس أخلاقيا خالصا، كما تناولتها على مستوى تاريخ الفلسفة، كمفهوم فلسفي متعالي، بعضُ الأسماء الفلسفية الرائدة، و على رأسها سقراط و أفلاطون في المرحلة اليونانية القديمة، و ديكارت و كانط في منطلق النهضة الفلسفية للعصر الحديث. فهؤلاء الفلاسفة جميعهم، رغم الأهمية الكبرى التي أعطوها لمبدأ العقل، باعتباره قوة هائلة، كان له دور مصيري في تحرير الإنسان، من ظلمات العبودية للفكر المتحجر، و ثار ضد الواقع المتخلف. لكنهم تناولوا مسألة القيم، بالطريقة الأفقية العادية، حيث مثلا، بحث شيخ الفلاسفة سقراط، عن قيم الفضيلة و السعادة، برفض مقاومة فعل الإعدام الإجباري، الذي تعرض له بأخذ السم. و سار تلميذه أفلاطون على نفس النهج الفكري و الفلسفي، حيث جعلته فلسفته المثالية يطارد قيمة الحقيقة و الروح بحثا عن المثال، و أصل الأشياء و الكائنات في العالم الميتافيزيقي، في حين اختار مؤسس الفلسفة العقلانية، الفيلسوف الفرنسي ديكارت، ممارسة الفعل الفلسفي النقدي، لما هو لاهوتي قائم، في إطار صراعه الخافت ضد رجال الدين ( الكنيسة )، إلا أنه استسلم في نهاية بحثه الفلسفي، للفلسفة التأملية المثالية، المبنية على أساس قيم متعالية صرفة، رغم أنه اعتمد المنهج العلمي الدقيق، في الوصول إلى إثبات حقائقها ( الإيمانية ). أما الفيلسوف الألماني كانط، فقد دافع بدوره، في بداية أبحاثه الفلسفية، عن التصور العقلاني الخالص لقيمة العقل، خاصة في بداية مشواره الفكري الفلسفي، فنظر إلى العقل من منظور نقدي، معتبرا إياه كقيمة مثلى، لا يمكن التشكيك في حقيقتها، و ذلك من خلال كتابه الهام الأول : ( نقد العقل الخالص ). غير أنه في كتابه الثاني : ( نقد العقل العملي )، تراجع فيلسوفنا عن الكثير من آرائه الفلسفية النقدية و الثائرة الجريئة، التي أوردها في كتابه الأول، و اعتبر الخوض في الكثير من الحقائق و المثل و المبادئ البشرية، لا يمكن أن يكون عقلانيا خالصا بشكل مطلق، لأن للعقل البشري حدود تقيد انطلاقه، و قدرات لا يجب الخروج عنها، و بالتالي فالبحث الفلسفي العقلاني، كما مارسه كانط ، في إطار مبحث القيم و الأخلاق، و خاصة ما له علاقة بالميتافيزيقا، كالمسألة الدينية مثلا، لا يمكن أن تعالج إلا وفق منظور نقدي عقلاني، في حدود القوى الممكنة، التي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار القدرات المحدودة للعقل البشري، في حل بعض معضلات المسألة الميتافيزيقية.

إذن، من يتضح أن جميع هؤلاء الفلاسفة تناولوا قضية القيم، و عالجوها، كل واحد من منظوره الخاص به، حسب بيئته الفلسفية، و وفق شروط لحظته التاريخية و الحضارية، رغم وجود تقاطعات فكرية، و فلسفية يشتركون فيها. إلا أنهم جميعهم يسلمون بذلك التناول الأفقي، المعتبر للقيم مسالة مثالية و عقلية، يجب الدفاع عنها و عن مصداقيتها التي لا تناقش. و هو المنظور المنهجي غير العلمي، الذي انتقده بقوة نيتشه. حيث اعتبر القيم مبحثا أساسيا، و ليس وسيلة لتأكيد مبدأ العقل، و البحث عن إثبات الحقيقة. لهذا نظر نيتشه إلى مسألة القيم، كمبحث جوهري و غاية في ذاتها، يجب أن يحظى كمبحث بأولوية كبرى، ضمن اهتمامات أي فيلسوف، يرغب في ممارسة الفعل الفلسفي الجيد و المسؤول. و بالتالي جاء البحث الفلسفي، عند نيتشه، مركزا على تراتبية فلسفية مختلفة و متميزة، بحيث كانت على الشكل التالي :
1- مبحث القيم 2- مبحث المعرفة 3- مبحث الوجود. في الوقت الذي عولجت عند أرسطو مثلا على الشكل التالي : 1- الوجود 2- المعرفة 3- القيم. أما في فلسفة كانط فقد جاءت أبحاثه الفلسفية على صورة الترتيب المختلف الآتي : 1- المعرفة 2- القيم 3- الوجود.
إن الإنسان هو منتج قيمه. لهذا غالبا ما ينظر إلى فلسفة نيتشه، من طرف الباحثين و الدارسين لمتنه الفلسفي، باعتبارها فلسفة أحدثت انقلابا فلسفيا متميزا، على مستوى التفكير الفلسفي السائد، في قضية القيم، و امتداداتها المثلية و الدينية و الأخلاقية. فالإنسان هو واهب القيم بالنسبة إليه، أي مانح المعاني لأشياء، و بالتالي فهو صانع المبادئ و الأخلاق و المعاني إلى ما لا نهاية.. في انتظار عود على بدء.. و تبدأ من جديد دورة حياة مختلفة في إطار نفس الحركة..
فحين نتحدث مثلا عن قيمتي الخير و الشر، كقيم أخلاقية متعالية، لا ينبغي الحديث عنها في معزل عن الشرط التاريخي و الثقافي و الاجتماعي و النفسي للإنسان. لأن معالجة مسألة الأخلاق، عند الكائن البشري باعتباره كائن طبيعي، هي أيضا بمثابة ظاهرة اجتماعية و ثقافية، ينبغي أن تدرس و تطرح و تحلل، في نظر نيتشه، في علاقتها الشرطية بالواقع البشري و الحضاري التاريخي، الذي أنشأها و أنتجها، وفق منطق التفاعل الحتمي، بين ما هو ذاتي بشري، و بين ما هو موضوعي طبيعي و اجتماعي تاريخي. فلا معنى للحديث عن الجمال و القبح مثلا، إلا في إطار واقع الإنسان، الممارس لفعل الحكم و التفكير، و التقويم و التأويل، و الصراع ضد الطبيعة و الواقع الاجتماعي السائد. بمعنى أن درجة التحديد الأنسب، لمعنى قيمة القبح أو الجمال، و لمعنى قيمة الشر أو الخير، و لمعنى قيمة السعادة أو الشقاء.. ترتبط في عمقها ضرورة، بمستوى الإنسان الفكري و الاجتماعي و الطبقي العام، و ببيئته الثقافية، حيث يعيش و يفكر و يصارع، و أيضا بواقعه التاريخي الحضاري العام، بشروطه القوية أو الضعيفة المحيطة به. فالخير قيمة يفرضها الإنسان بالقوة التي بحوزته، قوة الإنسان القادر على ممارستها فرضا و اختيارا، ليس فقط كمبدأ و قيمة مجردة، و لكن أيضا كسلوك عملي يفرضه بالقوة. من هنا فلا معنى لطرح و مناقشة و معالجة و تمثل مفهوم القيم، في النسق الفلسفي النيتشوي، دون تحليل أسسها العميقة، و تفسير أبعاده المتوارية، في صلتها الوثيقة بمفهوم الإنسان بدءا، كما ذكرنا سالفا، و ثانيا بالتركيز على مفهوم القوة و الهيمنة، الذي يعني عند نيتشه، القدرة القصوى في فرض المعنى المراد، و تحقيق القيم المرغوب فيه فرضا. لهذا يتحدث نيتشه عن أخلاق العبيد، باعتبارها نتاج إنسان منحط و ضعيف، لا قدرة له على تغيير واقع حياته و قدره المحتوم. و بالتالي فهذا الإنسان الضعيف، الذي ينعته نيتشه، في كتاباته الفلسفية المبكرة، خاصة في كتاب ( إرادة القوة )، بالإنسان العادي و المتوسط و المهيمن، رغم ذلك، على كل مسار التاريخ البشري، باعتباره كائن بشري يستسلم للموروث القيمي القائم، و يقود و يطلب دوما أن يبقى منسجما مع ثوابت طبيعته التقليدية البيولوجية، رافضا أي تغيير أو تبديل لواقعه المنحط بواقع قيمي أرقى و مختلف. هو في نهاية المطاف إنسان يكتفي بإنتاج و إعادة إنتاج ثقافة الخضوع، و يواصل رحلة استهلاكها، و إعادة تكريسها و دعمها، في نفس الوقت، من منظوره المتشبع حتى الثمالة بإرادة الضعف، و أخلاق العبيد، و جماعة القبيلة المنظمة، في شكل نسق عادات و أفكار و قيم سائدة، تعتبر مسلمات بديهية، لا يجب مسها أو الخروج عليها.
إذن، فقراءة نيتشه لسؤال القيم، و من تم سؤال الأخلاق، مرتبطة أقوى الارتباط بمرجعية فكرية عميقة مادية، تستند إلى منظور نقدي تفكيكي صارم، يبين مدى تشبعه بالفكر العقلاني المادي الفلسفي الجدلي، و المدمّر للفكر المسالم و المساير لما هو ثابت و تقليدي و منحط.
لكنه رغم ذلك، لم يتخلص نيتشه أو لنقل لم يقدر على الانفلات بشكل قطعي و نهائي، من "قدر" التفكير المثالي الميتافيزيقي المفرط و المغرق في عقلانيته المجردة. إلى درجة اعتبره مواطنه الفيلسوف الألماني هايدغر ( آخر الميتافيزيقيين في العصر الحديث ).

هكذا نلاحظ أن فلسفة نيتشه العقلانية النقدية، و التفكيكية إلى درجة التجذير، قد تفوقت بشكل كبير، في دعم و الدفاع عن قيم و أخلاق السمو و الرقي و القوة و التميز، سماها بأخلاق الأسياد، و النخبة الأرستقراطية التي كان يشكل، حسب بعض الدارسين لفلسفته، من أهم الفلاسفة و المثقفين الذين يمثلون ذلك الفكر النخبوي. هؤلاء الذين يعتبرون، في نظر نيتشه، و كان واحدا منهم، الورثة الحقيقيين للماهية الجوهرية للإنسان. أي ذلك الفرد القادر على أن يحيا الحياة كما عاشها ( ديونيزوس )، و يقوّم العالم من منظور ثقافة الجسد و القوة و الطموح المتزايد، و أن يكون أيضا قادرا على تفسير الوقائع البشرية التفسير التاريخي و الطبيعي و الجينيالوجي المعقول، كما فسرها نيتشه نفسه، أي تقويم القيم، و تأويل الأخلاق، و تفسير المبادئ الموروثة، ليس بالمنطق التقليدي المتعالي البسيط، و لكن وفق منطق ( الإنسان الأعلى ) المأمول، الذي يجب حسب نيتشه دوما، أن يتجاوز الإنسان العادي و الطاغي و المهيمن. لهذا غالبا ما توصف فلسفة نيتشه بالتعقيد، و بصعوبة الفهم، و تمثل جوهرها الفكري و الفلسفي، باعتبارها فلسفة عميقة، كما يقول نيتشه نفسه دائما، لم تكن مهتمة بالقارئ المعاصر لواضعها الأصلي، و لكن كانت منشغلة و تخاطب أساسا قارئا مستقبليا، ينتمي إلى قرون العصور الموالية لعصره المريض، حيث كان يعيش نيتشه ( القرن السابع عشر و الثامن عشر ).