الحوار المتمدن - موبايل



الحكومة العراقية ....... وحكاية زوجة طيار بريطاني

سربست مصطفى رشيد اميدي

2012 / 6 / 16
مواضيع وابحاث سياسية



في صباي كان والدي يحكي لنا حكاية امرأة بريطانية كان قد قرأ لهم ابن عمه ( يونس أمين ) حكايتها من مقال نشر في جريدة بداية خمسينات القرن الماضي. هذه الحكاية هي حول امرأة انكليزية كان زوجها طيارا في القوة الجوية البريطانية. حيث دأبت ومنذ اليوم الأول لدخول بريطانيا الحرب مع ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، بتدوين عدد القتلى والجرحى والأسرى الألمان حسب بيانات قيادة الأركان البريطانية، وكذلك تسجيل رقم وتاريخ كل بيان وبصورة يومية. وبعد مرور ثلاث سنوات وبضعة أشهر على بدأ الحرب، حسبت هذه المرأة الذكية أعداد ضحايا الحرب من الألمان وحسب تلك البيانات العسكرية، فاتضح لها أن مجموعها تساوي عدد نفوس ألمانيا قاطبة في ذلك الوقت، فعزمت على مقابلة رئيس الوزراء في حينه. وبعد تحقق هدفها في المقابلة كونها زوجة طيار مقاتل في القوات البريطانية، طلبت من رئيس الوزراء تسريح زوجها وإعادته إلى أحضان عائلته. وقد استغرب رئيس الوزراء من طلبها وظن انها مجنونة، حيث قال لها بأن الحرب مع ألمانيا لا زالت في أوجها وان زوجها في واجب وطني، فكيف لها أن تطلب مثل هذا الطلب. فأجابت المرأة بان الحرب قد انتهت وكيف انه كرئيس وزراء لا يعرف ذلك، هنا لم يشك رئيس الوزراء في عدم سلامة قواها العقلية، وقال لها بأنها لابد مجنونة وكيف لا تسمع أخبار المعارك وقصف الطائرات الألمانية لبعض المدن البريطانية بين الحين والآخر. عندها سلمت المرأة سجلها التي دونت فيها البيانات العسكرية وأوضحت له بان مجموع ضحايا المعارك مع الألمان هي مساوية لنفوس ألمانيا، وبذلك لم يبق ألماني واحد حتى تخوض القوات البريطانية وقوات التحالف المعارك معهم.
لكن رد فعل رئيس الوزراء إزاء ذلك أن أمر بإجراء التحقيق مع هذه المرأة بدعوى انها تستخف بالقيادة العسكرية وبمصداقيتها، ولكونها تشكل خطرا على (الأمن القومي ) البريطاني، وتقوم بفضح السياسة الدعائية والإعلامية للحكومة ودول الحلفاء، لاعتقاده أن ما قامت به هذه المرأة الذكية ستؤدي إلى خلخلة الجبهة الداخلية لبريطانيا في حربها مع ألمانيا.
والان كلما سمعنا البيانات والمؤتمرات الصحفية لاركان القيادة الامنية للحكومة العراقية اتذكر هذه الحكاية، حيث انه لو قام شخص ما بما فعلته تلك المرأة البريطانية من قبل، بتدوين أعداد الارهابيين المقبوض عليهم والمقتولين منذ اواخر سنة 2003 لحد الان. لكان عددهم باعتقادي يفوق نصف الشعب العراقي، ولا يمكن القبول من أي شخص بان نصف الشعب العراقي هم من الارهابيين والبعثيين. لكن بعد كل النجاحات النسبية التي حققتها القوات الامنية العراقية ضد قوى الارهاب وفلول البعث في السنوات القليلة السابقة، وبفضل رد فعل (صحوات) العشائر العراقية خاصة في المحافظات الوسطى ضد قوى التكفير والارهاب. لكن رغم كل ذلك يحدث بين الحين والاخر تفجيرات وعمليات ارهابية كبيرة تطال المدنيين والقوى الامنية وتشمل أغلب المحافظات العراقية، عدا محافظات الاقليم. وهذا دليل على عجز القوات الامنية العراقية في تحقيق الاستقرار الامني والتي تطبل لها الحكومة العراقية صباح ومساء كل يوم، وحتى عندما يتم الحديث مثلا عن عجز وزارة الكهرباء في توفير الطاقة الكهربائية للعراقيين على الرغم من صرف الملياارات من الدولار، فان (المدافعين) عن الحكومة يشيرون الى الاستقرار الامني، واعتبار عقد القمة العربية في بغداد كدليل على هذا الاستقرار. ولدى حدوث كل عملية ارهابية كبيرة فان الحكومة العراقية تتهم قوى الارهاب وفلول البعث بذلك، واحيانا تقوم باتهام اطراف عراقية بصورة غير مباشرة بالوقوف ورائها. ويبدو ان قيام ارهابيي القاعدة وفلول البعث باقتراف الجرائم الواحدة تلو الاخرى بحق ابناء الشعب العراقي امر طبيعي لان هذا ديدنهم.
لكن في العمليات الارهابية التي وقعت في ثماني محافظات عراقية صبيحة يوم 13/6/2012، انبرى عدد من الشخصيات في الحكومة العراقية باتهام اطراف اخرى لا زالت مشاركة في الحكومة بالوقوف وراء هذه العمليات الارهابية، بدعوى انها رد فعل لفشل المحاولة الاولى لسعي تلك الاطراف في سحب الثقة من رئيس الوزراء. وهذا اتهام خطير لانها تعني مشاركة قوى سياسية في الحكومة وتعمل على دعم الارهاب ومشاركة في اراقة دماء العراقيين، بعلم وتستر من القوى الاخرى المشاركة في الحكومة. وهذا يعني مشاركة الكل في تحمل جزء من المسؤولية القانونية والاخلاقية تجاه مئات الالاف من ارواح العراقيين الذين استشهدوا بفعل عمليات الارهاب في العراق. حيث ان اتجاه المشرع العراقي في قانون العقوبات متشدد في وضع العقوبات بحق (المتستر) على فعل جرمي. فكيف بالمساهمة في الجريمة ودعمها من خلال (اشراك) بعض من يقفون وراء تلك الجرائم في الحكومة العراقية، ومنحهم مناصب واموال من الخزينة العراقية. بالاضافة الى ان عددا من التفجيرات الارهابية الاخيرة كانت موجهة ضد مقرات بعض الاحزاب الفاعلة في مسعى سحب الثقة من رئيس الوزراء، حيث انها طالت مقرات الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كركوك والاتحاد الوطني الكردستاني في الموصلو، هما الحزبان الاساسيان في التحالف الكوردستاني، الطرف الاساسي في سحب الثقة من رئيس الوزراء. وهذا يضع تلك الاتهامات في تناقض واضح، خاصة وان اطراف الحركة التحررية الكوردستانية لم يلجأوا الى العمليات الارهابية والتفجيرات الموجهة الى المدنيين من الشعب العراقي طوال نضالها ضد قمع الحكومات العراقية المتعاقبة، حتى في أوج العمليات العسكرية بين قوات البيشمركة والجيش العراقي. وفي فترة ما اقترح على قيادة الحركة التحررية الكوردستانية بتفجير سدي دوكان ودربنديخان لغرض اغراق بغداد ومحافظات اخرى بالمياه، وتسجيل انتصار للحركة ضد الحكومة العراقية واسقاطها في حينه. لكن المرحوم (ملا مصطفى البارزاني) رفض ذلك بصورة قاطعة، وذلك لان نضال الحركة التحررية الكوردستانية كانت ولا زالت هي موجهة ضد الحكومات العراقية، وليست مع الشعب العربي وبقية مكونات الشعب العراقي.
ان الازمة السياسية الحالية التي تعصف بالعراق نتيجة اختلاف القوى المشاركة في الحكومة العراقية، باعتقادي انها ستستمر باستمرار اعتماد المحاصصة الحزبية في بناء مفاصل الدولة العراقية، واعتبار المشاركة في الحكومة من قبل الاحزاب الحاكمة استحقاقا حزبيا، وحتى شخصيا في بعض الاحيان، وليس باعتبارها تكليفا وظيفيا يستوجب على المشاركين في الحكومة التباري فيما بينهم من أجل تقديم أفضل الخدمات للشعب العراقي، ورفع الغبن الذي لحق به طيلة سنوات حكم النظام السابق وحتى في ظل الحكم الحالي.
ان النخب السياسية الحاكمة في العراق والقوى الساعية لسحب الثقة من رئيس الوزراء اذا كانت تهدف الى انهاء الازمة السياسية الحالية ووضع معالجات للمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق. فانها مدعوة لانهاء المحاصصة الحزبية في مؤسسات الدولة العراقية، وفي مقدمة تلك الخطوات الانسحاب من التشكيلة الوزارية، والعمل كمعارضة نيابية نشيطة. ومن ثم العمل على تحويل الحكومة الحالية الى حكومة (تصريف اعمال). وارغام الحكومة على اجراء انتخابات مبكرة قبل نهاية هذه السنة. أما الشعب العراقي فانه مدعو الى مطالبة الاحزاب الحاكمة والقادة الامنيون الى عدم اخفاء أية حقائق وملفات عنه بخصوص القوى والشخصيات المشاركة في الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سنة 2004 ولحد الان، وكذلك اعضاء المجالس النيابية والمحلية. وفي هذه الحالة نتساءل هل أن الناخب العراقي سيتخذ قراره بعدم التصويت لجميع مرشحي الاحزاب والكيانات المشاركة في الحكومة؟ وابعادهم جميعا عن كراسي الحكم والمناصب العليا. كما حدث في تركيا سنة 2002 عندما قرر الناخب التركي اقصاء اغلب الاحزاب العريقة عن مقاليد الحكم وفق مبدأ (تصويت الانتقام) .
أو يستمر في التصويت للاحزاب الحاكمة الحالية ؟
ليجربوا حظهم مرة اخرى في استمرار ماسي الشعب العراقي الى أمد أبعد.
...........................................
(يونس أمين) هو والد الكاتب (امين يونس) وكان مناضلا معروفا في العمادية، وكان من اوائل المنضوين في حزب (هيوا) بمنطقة بهدينان. الفقيد لم يعط حقه لحد الان في تبيان دوره النضالي في اربعينيات وخمسينات القرن الماضي.







اخر الافلام

.. عبدالله الجنيد: محاسبة أشخاص ضمن أجهزة الدولة دليل على أن ال


.. العسيري: من وجه عصري للجيش السعودي إلى -كبش فداء- لمقتل خاشق


.. علي العنزي: البيان سحب البساط من تحت الذين حاولوا تشويه صورة




.. ماذا أبلغ ضابط سي أي أيه RTARABIC قبل أربعة أيام من اعتراف


.. بكتيريا الأمعاء قد تكون وراء عدم خسارتكِ الوزن