الحوار المتمدن - موبايل



الخطاب السياسي للحزب الشيوعي العراقي

عدي ابراهيم محمود المناوي

2012 / 6 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


إن الخطاب السياسي للأحزاب الشيوعية، وعلى مدى تاريخها وكما هو معروف، ينطلق من مرجعية ماركسية في مخاطبة الرأي العام عن طريق التبشير بالمجتمع الاشتراكي الذي يكون بعيدا عن آليات السوق والقطاع الخاص الذي تبشر به النظرية الليبرالية وبعيدا عن التعددية السياسية التي تنادي بها الديمقراطيات الغربية، فالحزب الشيوعي العراقي "هو أحد القوى الوطنية التي كافحت من أجل استقلال العراق، يقوم بتمثيله الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين. ويستند في فكره على ما جاء به (كارل ماركس وفردريك انجلز) وغيرهما من مفكري الماركسية. حيث قام الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه في 31/آذار/1934م ، تحت اسم (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) على نهج يجمع بين النضال الوطني من أجل تحقيق تطلعات وآمال الشعب، والنضال في سبيل مصالح الطبقة العاملة والفلاحين وعامة الكادحين، من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة. إذ أن الحزب في نظامه الداخلي وأدبياته يهدف إلى استئصال الاضطهاد السياسي والقومي ضد كل أبناء الشعب العراقي ومكافحة الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي وإقامة المجتمع الديمقراطي وتحقيق التقدم الاجتماعي وبناء الاشتراكية في العراق، وهو بذلك يسترشد في سياسته وتنظيمه بالماركسية ، فالنظرية الماركسية ولدت من الرحم الأوروبي و من نتائج الثورة الصناعية، والصراع الطبقي الذي هو مواجهة ما بين البرجوازية والطبقة العاملة، تنتهي باندحار البرجوازية أو العالم الرأسمالي واستلام السلطة من قبل الطبقة العاملة .
إلا انه يلاحظ من الخطاب السياسي للأحزاب الشيوعية تحولا كبيرا عن النهج الاشتراكي – الماركسي، ربما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات من القرن الماضي وتصدع الشيوعية العالمية.
وفي العراق وبعد العام 2003 يمكن أيضاً ملاحظة هذا التحول للحزب الشيوعي العراقي بشكل واضح.
ففي الجانب الاقتصادي أضحى الحزب الشيوعي العراقي أكثر مرونة في التعامل مع الأطروحات الليبرالية، فعند قراءة وثائق المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي المنعقد في أيار 2007 يلاحظ إن الحزب قد نبه إلى أضرار الانسياق وراء وصفات صندوق النقد الدولي ، إلا انه لا يدعو إلى انغلاق الاقتصاد العراقي بل إلى انفتاحه على الخارج ، والاستفادة من الجوانب الايجابية لعولمة الحياة الاقتصادية وفق شروط مناسبة. كما أن الحزب الشيوعي العراقي يرى انه قد بينت الحياة وتجارب التاريخ عدم صواب الرؤية التي تَعُدُّ القطاع العام شراً مطلقاً والقطاع الخاص خيراً مطلقاً، والعكس صحيح أيضاً. ويعني ذلك أن البديل يكمن في إستراتيجية تنموية متكاملة ، توظف كل القطاعات (العام والخاص والمختلط والتعاوني). ويؤكد الحزب الشيوعي العراقي أن النهوض بالاقتصاد العراقي وتأمين تجاوزه أزمته البنيوية الراهنة ، لا يمر عبر الرهان على قطاع دون غيره ، بل ان المطلوب في هذه المرحلة هو إقامة علاقات تكاملية بين القطاعين الخاص والعام ، واعتماد المنافسة في بعض المجالات، وقد بينت تجارب النصف الأخير من القرن العشرين فشل مشروع التنمية المستند إلى تنظيم الحياة الاقتصادية من قبل الدولة حصراً ، وكذلك المشروع الذي يعتمد على قوى السوق كلياً. أي أن الحزب الشيوعي العراقي وفي خطابه السياسي يتخلى عن المبادئ التي تقوم عليها الشيوعية العالمية ، والتي تفترض أن الدولة هي المقوم الأساس للاقتصاد والفاعل الأساسي في النشاط الاقتصادي ، كما انه يتحول من العداء الثابت لليبرالية العالمية الغربية بوصفها العدو الأول للشعوب إلى التحالف معها مضموناً.
ومن جانب آخر فإن الحزب الشيوعي العراقي في خطابه السياسي يعيد تقييم العلاقة بين الدين والدولة ، أو الدين والمجتمع، وان الحزب الشيوعي العراقي أضحى بشكل أو بآخر يقبل بالدين على اعتباره أساس المجتمع وجزء رئيس من نسيجه، فقد قال (مفيد الجزائري) عضو المكتب السياسي للحزب (إننا في بلد يشكل فيه المسلمون الأغلبية ، ولا يمكننا إنكار حقيقة ان الإسلام قد يكون مهما لنا في عدة طرق ، وان الأولوية في العراق اليوم ليست فصل الدين عن الدولة، ولكن الدعوة إلى ديمقراطية ثقافية تتسع للمزيج الديني والعرقي الحساس في العراق الجديد. ربما يكون كارل ماركس قد وصف الدين بأنه أفيون الشعوب، ولكن الشيوعيون العراقيون يعتبرون الدين كجزء رئيسي من نسيج الأمة .... وان العراق مصمم على الاحترام الكامل لمختلف الجماعات الدينية ليتمتعوا بحرية كاملة مثل كل المنظمات السياسية والاجتماعية وغيرها .... كما إنا لا نخشى الدين ولكن نخشى ان يستغله سياسيون سلطويون، وان علاقاتنا مع الأحزاب الدينية كانت ولا تزال جيدة ..ناضلنا سوياً ضد الدكتاتورية ، ونحن لا نخاف المنظمات الدينية لأنهم متدينون ولكننا نخشى المتطرفين) .
أي أن رمزية الخطاب للحزب الشيوعي العراقي تحاول ايجاد مخارج لطرح الفكر الشيوعي بشكل يثبت أن الشيوعية أضحت ليس ضد الدين، خاصةً وان الفكر الديني المسيس (الإسلام السياسي) وجد له متنفسا كبيرا في العراق بعد العام 2003، كما ان دلالات الخطاب السياسي للحزب الشيوعي تحاول اليوم التأقلم مع الوضع القائم وكسب الرأي العام العراقي، خصوصا في ظل سيادة النظرية الليبرالية الرأسمالية في العالم مع سيادة القطب الواحد دوليا، وهذا وجدناه في الأطروحات السياسية - الاقتصادية للحزب الشيوعي في إدارة القطاع العام. وهذا بحد ذاته يعد انقلابا على النظرية الاشتراكية والشيوعية بالنص والمضمون من قبل الحزب الشيوعي العراقي، الذي أضحى لا يربطه بالعقيدة الشيوعية سوى الاسم وبعض الشعارات التاريخية المستهلكة التي قل ما نجد لها رواجا على الساحة السياسية.
وبشكل عام فان الخطاب والبرنامج السياسي طيلة المرحلة التي تلت نيسان 2003 اتسم بسمات متعددة أهمها :-
1. التجريد النظري الشديد وعدم تسمية الأشياء بأسمائها بل إضفاء مسحة من الغموض والتعقيد على حركة الواقع وتجنب الخوض في التفاصيل التي قد تسبب الإحراج للحزب وقيادته أمام القوى السياسية الأخرى ، وعدم وجود شفافية وصراحة في الخطاب السياسي والابتعاد عن إيضاح الأسباب الفعلية للتناقضات والصراعات التي تكتنف ما يسمى العملية السياسية الراهنة في العراق وأسباب الفوضى الأمنية والعنف اليومي ضد المواطنين والذي يذهب ضحيته العشرات من الأبرياء دون حساب .
2. تجنب استخدام التحليل الطبقي حتى في حدود ضيقة جدا والأيمان بالتنافس والتعايش بين جميع القوى الاجتماعية والسياسية أي ( إتباع سياسة تعاون طبقي ) والتأكيد على هذه السياسة خاصة في المرحلة الراهنة.
3. أن نهج "الديمقراطية والتجديد" الذي اتبعه الحزب منذ المؤتمر الخامس لم يكن ايجابيا إلا في جانب واحد فقط هو توسيع دائرة النقاش داخل الحزب والتقليل من تأثير البيروقراطية السياسية وإلغاء التراتب الحزبي والسماح بتعدد الآراء، أما في الجانب النظري فحدث ما يمكن أن نسميها (لبرلة نظرية) أي تبني الخطاب الديمقراطي الليبرالي المفتوح والابتعاد عن حرفيات النظرية الماركسية بحجة تغير الظروف والجمود العقائدي، ناهيك عن اليقين الجامد وصنمية الفكرة المطلقة التي يمكن أن تفسر بأنها إساءة للعقيدة الماركسية نفسها وهي من بنات أفكار الليبرالية الجديدة التي تصف الماركسية والشيوعية بأنها رديف الشمولية والاستبداد.
كما أن مفهوم ( الوطنية) الذي طرحة الحزب في برامجه الانتخابية والذي جاء مطابقا لما ورد في برنامج المؤتمر الوطني السابع ، يقول النص أن (( الحزب الشيوعي العراقي حزب وطني مستقل يضع المصالح العليا للشعب والوطن قبل أي مصلحة أخرى ..)) . وهنا يرى البعض أن تغليب النزعة "الوطنية " هو في احد جوانبه لا يعني سوى رد فعل للاتهامات التي كانت تطلقها الأحزاب البرجوازية والقومية وتتهم الشيوعيين بالعمالة والتبعية لموسكو والاتحاد السوفيتي السابق وتمثل إرضاء لتلك الأحزاب وتشكل نوعا من التبرؤ من عقدة التبعية المزعومة .. أما الوطنية عندما ترتبط بالمصالح العليا للشعب والوطن وتضعها فوق أي مصلحة أخرى فهي – وحسب وجهة النظر هذه - تعبير عن نزعة برجوازية صغيرة قومية ضيقة الأفق وشوفينية إذ أن الوطن الحقيقي هو الوسط الاجتماعي الذي يتشكل وينمو فيه النضال الطبقي ضد الاستغلال والظلم، والشيوعية فكرة أممية تعمل في الإطار الوطني والقومي من اجل إقامة نظام خال من الاستغلال واللامساواة .. لا معنى هنا للمصالح العليا للشعب والوطن إلا في النظام الاشتراكي . المصالح العليا للشعب والوطن – وحسب النظرية الاشتراكية- في ظل أي نظام طبقي لا تعني إلا مصالح استمرار نظام القمع والاضطهاد الرأسمالي والاستغلال الذي يسلب الوطن بهذا المعنى من الكادحين بل يجرد جميع المواطنين من حسهم الوطني بوجه عام ، أما كلمة مستقل التي تضمنها برنامج الحزب الشيوعي العراقي، فهي نفي للأممية وتأكيد لنزعة قومية تعني الانعزال والتشرذم والتجاوز على البعد والعمق العالمي والإنساني للشيوعية باعتبارها حركة إنسانية شاملة لتحرير الطبقات الكادحة في كل مكان من نير الاستغلال والاضطهاد وتحرير الأمم والشعوب المظلومة من اضطهاد الأمم الظالمة والمستعمرة، فضلاً عن ذلك فهناك غياب كلي لمفاهيم مختلفة، من مثل: (الصراع الطبقي ، البرجوازية ، الرجعية ، الاستغلال ....الخ) سواء في برنامج الحزب الحالي أو في أدبيات الحزب الرسمية الصادرة بعد نيسان 2003 .







التعليقات


1 - ماركسية روبن هود!
طلال الربيعي ( 2012 / 6 / 21 - 00:14 )
شكر جزيلا على مقالك واتفق مع فحواه. وتأكيدا لما ورد في مقالك اود التعليق على شعار العدالة ألأجتماعية الذي رفعه المؤتمرالتاسع للحزب.
العدالة ألأجتماعية مفهوم لربما مقبول اذا ساد قبلها حكم القانون والعدالة ألسياسية واحترام حقوق ألأنسان. فبغياب هذه ألأمور في العراق, لا مانع للمفسد ان يضحي ببعض الشئ ليستمر في السرقة والفساد. اي يستخدم عطاء فساده لاخماد جذوة الصراع الطبقي ومنع تطوره الى تغيير جذري او ثورة. اي ان الدعوة الى العدالة ألأ جتماعية, في وضعنا الحالي, وبرغم حسن النية, تتخذ طابعا رحعيا وتكرس ألأستغلال الطبقي باحط اشكاله. ان ألأعتقاد بان العراق يستطيع, كما في بعض دول اوربا؟, تحقيق الرفاه الأجتماعي عن طريق العدالة ألأحتماعية, لهو ادعاء خطر وقاتل.
فحتى لو اتفقتا على وجود هذا الرفاه في اوربا حاليا, فان ذلك قد تحقق بمعونة سببين رئيسيين.
١ - كما قلت اغلاه, وجود دولة القانون وضعف الفساد.
٢- البرجوازيوية الأوربية تقنتع فعلا بصحة ميدأ العدالة ألأحتماعية, فهي كانت اساسا برجوازية صناعية, وصراعها مع العمال قد اوصلها الى القناعة بان العدالة ألأحتماعية هي الحل ألأفضل.
يتبع


2 - ماركسية روبن هود!
طلال الربيعي ( 2012 / 6 / 21 - 00:21 )
ان شعار العدالة ألأحتماعية للحشع هو صيغة -قانونية- لسرقة روبن هود اموال المترفين لتوزيعها على الفقراء. وروبن هود, حسب معرفتي, لم يدع اعتناقه لا الماركسية ولا الشيوعية.
بالطبع, كل هذه ألأمور سوف لن تشغل بالى لو قال حشع انه تخلى عن الشيوعية, فشعار العدالة ألأحتماعية قد رفعته العديد من ألأحزاب اللاشيوعية ألآن وفي السابق. فما فرق حشع عنها؟
مع تحياتي ومودتي


3 - روبن هود في الفيسبوك
طلال الربيعي ( 2012 / 6 / 21 - 03:49 )
للأسف ولخلل فني اقتطع الجزء الثاني من التعليق, ويمكن قراءة التعليق باكمله في الفيسبوك.
مع الأعتذار والتحية ثانية


4 - thanks alot
عدي ابراهيم محمود المناوي ( 2012 / 6 / 22 - 21:29 )

شكرا جزيلا اخي الكريم طلال الربيعي على مرورك الكريم

اخر الافلام

.. الجزء الثاني: -أنا لاجئ سوري في لبنان: تطالبونني بالعودة، هل


.. علماء أمريكيون من إكتشاف الخلايا المسؤولة عن الشيخوخة


.. مدرسة .. أول منصة الكترونية تعليمية عربية




.. ملتقى في أبوظبي يناقش دور الإعلام في إدارة الأزمات


.. تيريزا ماي تتحدث أمام الاتحاد الأوروبي بشأن مفاوضات بريكست