الحوار المتمدن - موبايل



أي إسلام؟ وأي حل؟

حبيب فوعاني

2012 / 8 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


الثورة، التي أوقد نارها محمد بو العزيزي، واستعر لهيبها في هشيم الأنظمة العربية الديكتاتورية الفاشلة، فاجأت الجميع: العرب من "محللي بتاع كله"، والروس والأوروبيين والأميركيين باعتراف السياسي الروسي المخضرم يفغيني بريماكوف، ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي وبخت سفراءها "لكتابتهم التقارير حول الوضع في المنطقة في مكاتبهم المريحة" من دون معرفة بما يجري خلف نوافذهم.
بيد أن ألوية الثورات الخفاقة سرعان ما اختطفها من أيدي شباب شبكات التواصل الاجتماعي العلمانيين الحالمين الإسلامويون المحنكون، الذين ساروا في ركاب الثورات، وسرعان ما حولوا مسارها. وكان محاورونا من الخبراء الروس محقين في توقعاتهم بأن يتقلد الإسلامويون زمام الأمور في النهاية، وكنا على خطأ في اتهامهم بالاستهانة بقدرات الشباب العرب والثورات العربية.. فقد اكتوى الدب الروسي بنيران "ثورات" البرتقال والورد والخزامى، التي اختارت ألوانها وفصلتها منظمات أميركية "غير حكومية".
وهكذا، يجري الآن مسار "أسلمة" العالم العربي على قدم وساق بمباركة الغرب، الذي اعتلى موجة هذه الثورات أخيرا. وها هم "الإخوان المسلمون" وممثلو حركة "النهضة" الإسلامية "المعتدلون" يديرون دفة الحكم في مصر وتونس، حيث جرت ثورتان شعبيتان حقيقيتان لا ريب فيهما. أما الدول العربية الأخرى، باستثناء سوريا الثكلى والجزائر، فهرعت لرفع الراية "الخضراء" أمام دول الخليج المترفة.
ويبدو ذلك طبيعيا، إذ لم يكن هناك خيار آخر لدى العالم العربي. فمشروع بناء الدول القومية العلمانية باء بالفشل في كل مكان، ولا سيما بعد هزيمة مصر، الدولة القومية العربية الأولى، أمام إسرائيل عام 1967، حين بدأ آنذاك الحديث عن تكبد العرب هزيمتهم لبعدهم عن تعاليم الإسلام، وعن انتصار اليهود لأنهم لم يضعوا الله خلف ظهورهم.
لكن الأهم من ذلك هو أن مصر، رائدة الدول العربية، فشلت في التوصل إلى نتائج ثابتة في التنمية الاقتصادية رغم نجاحاتها الجلية وبدعم سوفياتي في تأسيس صناعات جديدة وبناء السد العالي، وكان لمكايد الغرب دور واضح في ذلك الفشل. أما الدول العربية الأخرى، فعجزت عن بناء قواعد اقتصادية تتيح الحفاظ على نظام سياسي واجتماعي مستقر.
وقد تجاهلت الدول العربية كلها أوروبا، التي تقع على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، ولم تحذُ أي منها حذو اليابان، التي واءمت بين تقاليدها الراسخة والحضارة الغربية.. ومن الواضح أنه كان للامتناع عن نسخ النهج الغربي لدى هذه الدول أسباب وجيهة، ليس آخرها تأييد الغرب لقيام إسرائيل وذكريات الاستعمار الغربي. ولعله لذلك، فضلت الدول العربية "التقدمية" منذ ستينيات القرن الماضي، نسخ النمط الاشتراكي السوفياتي للتطور، والذي يقضي بالتحكم بهذا القدر أو ذاك بالاقتصاد، وأقلمته مع المجتمعات العربية.
أما الآن، فيبدو منطقيا بالفعل أن يتحول العرب إلى النظام الاجتماعي الإسلامي، الذي يراعي خصوصياتهم الدينية والثقافية.. ولا غرابة في ذلك! فالعرب ببساطة لا يمتلكون ذخيرة أخرى في موروثهم التاريخي غير التراث الإسلامي الغني. ولا سيما أن المسيحية أيضا لعبت دورا رئيسا في تشكيل أسس وسمات الثقافة والحضارة الغربية.
غير أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن تعاليم الإسلام لا تقتصر على العبادات وممارسة الشعائر وإقامة الحدود، فقد أولى النبي محمد (ص) اهتماما خاصا للعدالة الاقتصادية في المجتمع، ما مهد الطريق لتحويل عرب الجزيرة من بدو رحل إلى مزارعين مقيمين، وعزز القاعدة الإيديولوجية والاجتماعية للديانة الجديدة. فهل سيساعد بالفعل تطبيق شعار "الإسلام هو الحل!" على معالجة المشكلات الاقتصادية المزمنة؟ وهل سيسهم في تطوير القدرات الصناعية للدول العربية؟ وهل سيساعد ذلك على إنشاء اقتصاد متطور متنوع بدلا من الاقتصاد الريعي، الذي تتحكم به عائدات النفط والغاز؟ وهل ما زال العرب قادرين على تبوؤ مكان ملحوظ في الاقتصاد العالمي، وعلى الاندماج في السلسلة الإنتاجية اللوجيستية العالمية؟
نحن اليوم بحاجة ماسة إلى تمهيد التربة لتغيير جوهري للواقع الاجتماعي العربي. لكننا لم نسمع حتى الآن من الإسلامويين شيئا مشابها لهذا الأمر. لم نسمع حتى من المعتدلين منهم التزامهم مثلا بالنهج التنويري والمناهض للظلم الاجتماعي للإمام محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد رشيد رضا. وبدلا من ذلك، نراهم مهتمين قبل كل شيء بتصفية حسابات القرون الغابرة، حيث يطلقون حتى في أرض الكنانة السمحاء دعوات مذهبية محمومة تستعيد "الفتنة الكبرى"، التي اندلعت إثر وفاة النبي الكريم. في حين تستفز واشنطن من جانبها – حسب محمد حسنين هيكل - صراعا شيعيا سنيا طائفيا بعد فشلها في إثارة صراع فارسي عربي قومي، وتسعى إسرائيل - حسب مصادر الكاتب الإسرائيلي إسرائيل شاميروف – لـ"صوملة" سوريا.. وتدور حروب الجميع ضد الجميع، وقلوب الأقليات المسيحية والمسلمة واجفة وأبصارها خاشعة بانتظار الخاتمة.
وبالطبع، لا يعتبر ذلك مؤشرا على إمكان تحسين مستوى معيشة المواطنين، وستتدهور حياتهم أكثر فأكثر، وستجد الأنظمة العربية الجديدة نفسها أمام خيار صعب، إذا لم تتحسن أوضاع الناس. إذ سيقول الراديكاليون الإسلامويون: إن كل المصائب سببها اعتدال الموجة الأولى للساسة الإسلامويين. وسيصرون على المضي قدما نحو "الأسلمة" الكاملة للمجتمعات العربية، ما ينذر بالقضاء على ما تبقى من المؤسسات المدنية الهشة القائمة، و"طلبنة" المجتمعات العربية.
بيد أن الدول الناجحة والمتطورة والمستقلة قائمة في أميركا اللاتينية وفي آسيا وفي أوراسيا، وأبرز ممثليها مجموعة دول "بريكس" الواعدة. وقد استطاعت الدول الصاعدة - البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا - النهوض من كبوتها الاقتصادية. فلماذا لا تصبح الدول العربية الصاعدة قاطرة النمو في هذه المنطقة بدلا من "أسلمتها" بقوة المال؟ لماذا لا تبادر الدول العربية الصاعدة إلى إنشاء مجموعتها الخاصة بها؟ أو تسعى على الأقل للانضمام إلى "بريكس"؟ فقد كان جمال عبد الناصر أحد المبادرين لتأسيس حركة عدم الانحياز في باندونغ عام 1955.
هذا بالطبع يبقى حلما من أحلام اليقظة، فالأمر يحتاج إلى ظهور جمال عبد الناصر "إسلامي" جديد، يوحد ولا يفرق.. يبني ولا يهدم. في حين أننا نجد بدلا من ذلك أصحاب اللحى الكثة وصاحبات النُقُب السوداء، يروجون هنا وهناك لأفكارهم التفكيرية المتطرفة، ما يهدد بإشعال نار حرب طائفية شعواء لا تبقي ولا تذر، ولا مكان فيها لرغد العيش والفردوس الموعود.. فهل لهذا أحرق نفسه المثقف البائس محمد بو العزيزي؟







اخر الافلام

.. إقليم كردستان.. استفتاء اليوم .. وتاريخ حلم الدولة


.. استفتاء كردستان.. وحسابات الجوار


.. ليبيا.. داعش في مرمى النيران الأميركية




.. طهران.. صواريخ للاستفزاز


.. استفتاء كردستان بين التحديات الداخلية والضغوط الخارجية