الحوار المتمدن - موبايل



الوظيفة الاجتماعية والفكرية للالوان

ساطع هاشم

2013 / 2 / 14
الادب والفن



سأبدأ من عبارة للفيلسوف النمساوي - البريطاني لودفيغ فيتخنشتاين (1889 – 1951) ماخوذة من كتابه - ملاحظات عن اللون – وهو اخر مؤلفاته وقد كتبه سنة 1950 قبل وفاته بسنة يناقش به اتباع نيوتن في تحليل الضوء واتباع غوتة الشاعر الالماني الذي رفض نظرية نيوتن , يقول فيتخنشتاين :ا

إذا ماسئلنا ماذا تعني كلمة احمر ، ازرق ، اسود ، ابيض ، نستطيع طبعا الإشارة فورا إلى الأشياء التي لها هذه الألوان , لكن قدرتنا على شرح معنى هذه الكلمات لن تذهب ابعد من ذلك.ا

وهذا بالضبط هو المأزق الذي يواجهنا عند التعامل مع ظاهرة بصريةاجتماعية تاريخية ضخمة تشغل حيزا هاما في حياتنا وهي ظاهرة اللون , فهي عادات وتقاليد وعقائد وممارسة يومية بصرية وليس شيئا طارئا كما قد نتخيل , ولانها مألوفة في استعمالاتنا اليومية فهي لاتثير ملاحظاتنا كثيرا الا في المناسبات التي تتطلب منااستعمال الالوان بشكل مباشر فيها مثلا مراسيم الفواتح والتعبير عن الحزن او الافراح والاعياد او التظاهرات والثورات , او عند شراء الخضراوات وتمييز الطازجة منها من الفاسدة وغيرها , انذاك فقط ننتبه الى اهميتها الرمزية والتعبيرية .ا
وبهذا المعنى نقول بان المجتمع هو الذي يصنع الالوان ويعطيها التعريفات والمعاني والذي يمنحها القيم والشفرات وينظم عاداتها وليس شكلها البيولوجي او جمال الطبيعة , فالواقع يقول لنا بان اللون ليس شيئا محايدا ابدا فهو مشحون باستمرار ومعبأ بالبعد الفكري والايدلوجي والعقائدي , هذه الابعاد التي تنظم سلوكنا وتحدد وعينا بالرموز المشتركة للمجتمع الذي نعيش فيه .ا

غير ان اللون ظاهرة بصرية محضة ، قلما استطعنا وصفها بالكلمات او التعابير اللغوية المباشرة او حتى المجازية , اذن فكيف يمكن لنا شرحها او توصيفها والحال هكذا ؟

هناك تعريفان متناقضان :ا
الاول : الضوء/اللون أشعة كهرو-مغناطيسية ينبعث من الاجسام الحارة بدرجة رئيسية كالشمس والنار والحرائق .ا
الثاني : لكنه معنى رمزي وبعد ماورائي/ميتافيزيقي أيضاً في الآداب والفنون والأديان ، يمكن وصفه بتعابير روحية مجازية ولغة جماليةغزيرة .ا
وهذان معنيان وفهم مختلف عن الآخر ، الأول تقول به العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء ، والثاني تقول به العلوم الانسانية والفنون على اختلافها.ا

لقد كان نيوتن هو اول من حول تحليله للضوء من محيط الفلسفة والدين وتاريخ الفن والفن عموما , الى عالم الرياضيات وعلم البصريات - توصل نيوتن الى تحليل الضوء سنة 1666 ونشره بالتفصيل سنة 1704 - ، لقد أوضح بان اللون ليس شيئا متأصلا بالأشياء كما تبدو للعين البشرية وكما اعتقد الناس منذ أرسطو ، لكنه ( وهم او صورة خادعة) ينبثق من استجابة الجهاز البصري لأشعة الضوء .ا

وهذا بالضبط هو سبب خلاف الرومانتيكين معه ، ولهذا السبب فقد نشرغوته مؤلفه الشهير - نظرية اللون- سنة 1811 والتي حاول به دحض نظرية نيوتن اعتمادا على مبادئ الفن التشكيلي وتاريخ الفن وكيفية تعامل الرسامين مع اللون وتحليله وخلطه وايضا معانيه الروحية والدينية والنفسية وقد اهمله العلماء آنذاك (لم يرد عليه سوى كاتب إنكليزي واحد وكان ذلك لأسباب قومية بعيدة عن العلم ) فقد اعتبرت الآراء الواردة به غير علمية , والسبب أن فهم الرسامين للألوان نابع من تعاملهم مع الالوان من خلال المواد الكيميائية للاصباغ وطريقة خلطها واستعمال تأثيراتها البصرية على قماش اللوحة أو جدران البنايات والسطوح المختلفة ، وهذه تختلف جذريا عن التعامل المباشر مع الضوء , وتحليله وحسابه كأشعة ، فهتين مادتين مختلفتين تماماً لم يستطيع غوته فهمها - وهي الى الان غير واضحة للكثيرين حتى ونحن نعيش في عصر الديجيتال - ومع ذلك بقي غوته مصرا على رأيه ويعيد نشر كتابه هذا كل سنتين مرة إلى أن مات سنة 1832 , اوكما عبر عن ذلك بأسى جون كيتس عندما كان في ضيافة صديقه النأقد جارلس لامب سنة 1817 حيث قال : ان نيوتن قد دمر كل شاعرية ألقوس قزح باختصاره الى موشور زجاجي - , ومن المؤسف ان كتاب غوته لم يترجم الى العربية إلى الآن على حسب علمي .ا

هذا التفريق بين ماهو فيزيائي مادي , وما هو روحاني او فكرة مجردة , ينبغي ان لايغيب عن بالنا ونحن نعالج او نعيش المعنى الرمزي للالوان في حياتنا اليومية , فالوظيفة العملية لها مثلا في العلامات او الاشارات والتصنيف وكوسائل اتصال في الاعلانات واعلام الدول والرايات والرموز المتنوعة وغيرها الكثير جدا , كلها تحمل دلالات عقائدية وايدلوجية معينة تسمح لنا ان ندرس الطبيعة الدائمة او المؤقتة للظواهر السياسية والاجتماعية في محيط اجتماعي ما من خلالها , لان هذه الالوان ليست عديمة المعنى ابدا لافي رفع الجنازات واللطميات ولا في ساحات كرة القدم , كل شئ موضوع بعناية فائقة حتى لايخطأ الاتباع في المسيرة , او الابرياء الى المشنقة .ا

لان اللغة البصرية للناس تعتمد على عقيدة أو أيدلوجية أو فكرة معينة متفق عليها بين الاتباع ، وتتجسد في أشكال ورموز ملونة بألوان محددة يفهمها جمهور تلك العقيدة أو المذهب ، ووظيفة هذه الرموز هو استحضار تلك الأفكار المجردة في الذهن بدون شرح أو كلام ، وهذه الطريقة في نشر الأفكار جزء هام من الوعي البشري وجد على الدوام في حياة البشر . وقد تطور باتجاهات مختلفة تعكس الجانب المحلي للعادات والتقاليد ، لكنها ومع دخول الإنسان في العصر الصناعي وانتشار مفاهيمه وقيمه العالمية حول العالم بدأت هذه الروح المحلية تبحث لنفسها عن مكانة دولية عابرة للقارات ، وصارت الدوافع إلى نشر تلك الرموز وماتحمله من افكار على أوسع نطاق جزأ من الرغبة في الدفاع عن النفس ايضا ، لدرء الاندثار أو الابتلاع من قبل المنافسين الاقوياء . وهكذا أصبحنا نعرف ونتبنى قيم ثقافية وعادات فكرية شديدة الاختلاف مع جذرنا المحلي ، وأصبحت الكثير من الرموز والعلامات والإشارات ذات البعد العالمي جزأ من تراثنا المحلي أيضاً ، توضع جنبا إلى جنب مع ماورثناه أصلا ، حتى إذا كان في تضاد مع هذا الميراث في المعنى .ا

وتعتبر الالوان من أكثر وسائل التعبير عن الأفكار المجردة قدما وفاعلية ، والسبب هو بايولوجي وثقافي أو عادات وتقاليد في وقت واحد ، ذلك لان وظيفة الجهاز البصري عند الإنسان ينحصر في القيام بأربعة واجبات أساسية فقط وهي :ا

أولا : الإحساس بالشكل
ثانيا : الإحساس باللون/ الضوء
ثالثا : الإحساس بالأبعاد الثلاثة ، الطول والعرض والارتفاع ، أي رؤية العالم من حيث قرب وبعد الأشياء عن بعضها .ا
رابعا : الإحساس بالحركة
هذه هي كل الوظائف البايلوجية التي نشأت من اجلها العين البشرية والدماغ البصري ، لمساعدة الإنسان في صراعه الأزلي في سبيل البقاء ، ولا توجد أسباب أخرى ، فلا تغرنك الأشباح .ا

وعليه فعندما نتحدث عن الالوان وأهميتها في حياة البشر فنحن نتحدث ضمنا عن هذا التركيب البايولوجي للجسد الإنساني ، وبالتالي فمن المستحيل فصل الوظيفة البايلوجية عن الوظيفة الفكرية أو الثقافية لانهما متلازمان قطعا .ا

لنقدم الان بعض الأمثلة لرموز وشعارات عالمية صارت مألوفة لدى شرائح واسعة من سكان العالم ، ولنأخذ الرياضة كمثال
في واحدا من اكثر شعاراتها شيوعا ، وهو شعار الألعاب الأولمبية ، الذي تم تصميمه قبل الحرب العالمية الأولى وجرى اعتماده رسميا في دورة الألعاب الأولمبية سنة 1920 ، وهو يحتوي على خمسة دوائر بألوان مختلفة على خلفية بيضاء وكل لون فيها يمثل احدى القارات :
الدائرة الحمراء تمثل أمريكا
الصفراء تمثل آسيا
السوداء تمثل أفريقيا
الزرقاء تمثل أوربا
والخضراء تمثل استراليا وجزر المحيط

هذا الرمز العالمي مفهوم لدى كل عشاق الرياضة والمشتغلين بها حول العالم ، وقد استعملت به ستة ألوان نسميها بالألوان الأساسية
ولكن السؤال الذي سيتبادر الى ذهننا فورا هو : لماذا تم توزيع هذه الالوان بهذا التحديد للقارات في شعار رياضي ؟

هنا لابد لنا من الدخول الى موضوع المحلي والعالمي وايدلوجيا الدول الكبرى في تناولنا لهذا السؤال
لقد كانت أيدلوجيا الدول الأوربية في القرن التاسع عشر تقوم على مبدأ تفوق الجنس الأبيض ، وكان الأدب السياسي لذلك القرن يقسم الشعوب على أساس لون البشرة ، فالجنس الأحمر هم سكان أمريكا (الهنود الحمر) , والأصفر هم الصينيون واليابانيون , والأسود الأفارقة ، ولهذا فالدوائر الثلاثة الاولى لونت وفهمت بهذا الشكل .ا
أما الدائرة الزرقاء والتي ترمز الى اوربا فليس لها علاقة في هذا الشعار بلون البشرة , بل تم اختياره لانه اللون المفضل لدى الاوربيين منذ القرن الثامن عشر , وبداية اختراع الاصباغ الجديدة الزرقاء خاصة في المانيا وانكلترا , وقد مجد الادب الرومانتيكي هذا اللون , ومن المهم ان نشير هنا الى برنامج لاستطلاع الراي أوربي مشهور بدا في أواخر القرن التاسع عشر ومستمر لحد الآن يسأل المواطنين الاوربين كل عشرة سنوات مرة واحدة ، عن ألوانهم المفضلة ودائما تضع الاجابات الأزرق في المقدمة .اما الابيض - لون الجنس الابيض - فقد ترك في الشعار ليكون خلفية لتلك الدوائر في العلم نفسه .ا
أما لماذا تم اختيار الأخضر لأستراليا وجزر المحيط رغم أن سكان تلك المناطق لا يشتهرون بهذا اللون إطلاقا ، فهناك عدة إجابات لكن اكثرها رواجا , هو انه لم يبقى من الالوان الأساسية الستة غير لون واحد ، وهكذا تم لصق الاخضر باستراليا وجزر المحيط، وقد تم قبوله الآن كلون وطني ، حتى أن أكثر الفرق الرياضية الأسترالية تتخذ منه لونا لقمصان وفانيلات اللاعبين .ا

هذه الألوان الستة تحديدا تستعملها منظمة الامم المتحدة ايضا ولا تسمح لأي دولة بالعالم أن تستخدم غيرها في تصميم اعلامها ، فنحن لانجد ولا دولة واحدة يدخل اللون البرتقالي أو البنفسجي مثلا كجزء أو كل في أعلامها ، هذا عرف واتفاق دولي تم صياغته والموافقة عليه منذ أن تأسست الامم المتحدة ويعكس أيدلوجية هذه المنظمة التي اسسها الاوربيون وقناعاتهم وقت تأسيسها ولذلك أيضاً أسبابا تاريخية وايدلوجية تتعلق بتاريخهم . فقد اصبح عرفا في أوربا ومنذ القرن الثاني عشر وبداية الحروب الصليبية ، أن تميز كل مدينة أو مقاطعة أو عشيرة نفسها عن الأخرى برمز وشعار معين ، تسمى بأوسمة أو نياشين الفرسان ، ومع مرور الزمن تأسست تقاليد لهذه المهنة الجديدة تقضي بعدم استعمال أكثر من هذه الالوان الستة في التصميم إضافة إلى الذهبي والفضي ، وعلى أن لاتزيد ألوان الشعار الواحد عن الثلاثة وفي بعض الأحيان القليلة جداً أربعة ، وانتشرت هذه الشعارات في أوربا بشكل واسع النطاق إلى أن جائت الثورة الفرنسية ومنعتها ، ثم أعادها نابليون في أواخر سنوات حكمه واستمرت لكنها فقدت مكانتها كدليل على الارستقراطية خلال الثورة الصناعية الأولى (سميت هكذا تعبيرا عن استعمال الآلات البخارية )، واستمرت في أثناء الثورة الصناعية الثانية (سميت هكذا مع بدء استعمال الكهرباء على نطاق واسع) ولكن كرموز للشركات والإعلانات والمرور والافراد وغيرها الكثير وزادت وأصبحت تقاليد عالمية بعد الثورة الصناعية الثالثة التي دخل بها الإنسان , او ما يسمى بالعصر الذري النووي ، وهي الآن ممارسة بصرية لايمكن الاستغناء عنها لا في الصناعة ولا في التجارة ولا في السياسة او اي نشاط اخر بعد الآن ونحن نعيش عصر الديجيتال .ا

هذه التقاليد المحلية الأوربية التي بدأت بسيطة وسهلة ولغايات ولأهداف مختلفة تماما عن زماننا صارت تقاليد وقيم تتبناها شعوب العالم كافة ، وتحاول جاهدة خلق كل التبريرات الأيدلوجية الممكنة للتأكيد على أنها طقوسها وعاداتها الاصلية المحلية المتوارثة وتنسب لنفسها فضل ابتكارها قبل الاوربين ، كل هذا لأسباب نفسية متعلقة بإثبات الذات ، وشكل من أشكال القبول الضمني عن - اختيار أو بدونه - بالوضع الحالي للثقافة والقيم العالمية التي أسستها شعوب أوربا وثوراتها الصناعية والتكنولوجية الكبرى وانصهرت بثقافات كانت إلى وقت قريب تشكل عدوها الأول , وقبلنا بها كتحصيل حاصل لطريقة جديدة في الحياة لم يكن على بال أجدادنا يوما ما أن يتبنبؤا بها , وتم تطويع تراثنا ليتلائم والتجديدات الاوربية للفكر والعلم والثقافة والفنون , ومنذ اكثر من مئتين سنة ونحن في هذا الصراع بين تراث محلي غابر في القدم يفرض نفسه على ذواتنا كالكابوس , وابتكارات وابداعات متجددة ليس للماضي فيها الا الجزء اليسير , ولاندري الى اين سيقودنا تيار التخلف والهمجية الاسلامية الذي يعصف بنا الان ويقف سدا منيعا امامنا وامام الاجيال الصاعدة .
اعادة صلتنا بنهر الانسانية العالمي الخالد , لن يتم الا اذا ابتكرنا طرق تفكير جديدة تستمد قوتها والهامها من اساس علمي انساني رصين , وتضع الاهتمام بالانسان وحاضره الان هذا اليوم وفي المستقبل , كنواة مركزية للتفكير والعمل والانتاج , والنضال بلا هوادة لدحر طبقة رجال الدين الفاسدة وروموزها واحزابها العدوانية , والكف عن عبادة الماضي واستلهاماته العقيمة والتافهة , وتركه بايادي خبراء الاثار ومتاحفهم الجميلة , فقد كان الاجدى هو ترك الموتى يدفنون موتاهم , والنظر الى مشاكل الحاضر بعين الحاضر والمستقبل , لاختصار المسافات والكوارث والماسي والمحن
لذلك فان اي فبركة ايدلوجية ديماغوغية احادية الجانب لاعلاقة لها بالفن بمفهومه العالمي والتاريخي الواسع , انما ستكون وسيلة للسلطة والجهاز القمعي الطائفي للسيطرة على المثقفين عموما , حيث تهدف بالاساس الى تعطيل كافة الاجتهادات الفكرية والفنية الخلاقة التي فسحت الثورة العلمية لها المجال وجعلت امكانية تطبيقها ممكنة في زمن الانفتاح والاتصالات والتلاقح العالمي للثقافات المعاصرة , لصالح فهم رجعي ضيق واحد لمجموعة اراء واذواق شخصية متخلفة ومبتذلة لنخبة في قمة الهرم الديني من اصول فلاحية غارقة في الظلام والرجعية والماضوية .







اخر الافلام

.. أفلام سورية قصيرة تحاكي الواقع السوري - حكي شباب


.. ??هذا الصباح - فنان غرافيتي مجهول أبهر العالم بلوحاته


.. ??هذا الصباح - ما هي البطولة الدولية لمناظرات الجامعات باللغ




.. فيلم بوي ايريسد: هل يمكن علاج المثلية الجنسية؟


.. تفاعلكم | ايقاف شيرين عن الغناء بعد تصريحها الجدلي عن مصر