الحوار المتمدن - موبايل



روسيا - ألمانيا: الاقتصاد أولا!

حبيب فوعاني

2013 / 4 / 10
السياسة والعلاقات الدولية


غداة اعتلاء فلاديمير بوتين سدة الحكم في روسيا عام 2000، ألف المحلل السياسي الألماني الشهير ألكسندر رار كتابا بعنوان "ألماني في الكرملين"، في إشارة إلى إجادة سيد الكرملين الجديد لغة غوته وولعه بالنموذج الألماني، واستبشارا بآفاق العلاقات الروسية-الألمانية الواعدة المنتظرة.
وقد صدقت توقعات المحللين بازدهار شامل في العلاقات بين روسيا وألمانيا، واحتلت برلين مكانا مميزا، إلى جانب باريس بوابة موسكو التقليدية إلى أوروبا في الحقبة السوفياتية، ولا سيما أن غيرهارد شرودر كان قد أصبح مستشارا لألمانيا عام 1998، بعد 16 عاما من حكم المسيحيين الديمقراطيين، وأعاد إحياء السياسة الشرقية لسلفيه الاشتراكيين الديمقراطيين فيلي براندت وهيلموت شميدت، لتغدو برلين المدافع العنيد عن المصالح الروسية في القارة العجوز.
وقد وصلت هذه العلاقات إلى أوجها عام 2003، حين تشكل حلف ثلاثي وطيد بين بوتين وشرودر والرئيس الفرنسي جاك شيراك المولع بالأدب الروسي ضد الولايات المتحدة وحربها على العراق.
وفي حين أن العلاقات بين شرودر والرئيس الأميركي جورج بوش الابن كانت في الحضيض، فإن صداقة شخصية حميمة نشأت بين شرودر وبوتين، بحيث أن الأخير كان الرئيس الأجنبي الوحيد الذي دعي عام 2004 إلى حفل عيد ميلاد شرودر الستين، فضلا عن أن شرودر تبنى ذلك العام طفلة روسية في الثالثة من عمرها.
وقد جرى في آخر أيام حكم شرودر توقيع اتفاقية بين موسكو وبرلين لمد خط أنابيب لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر بحر البلطيق ومن دون المرور بأراضي أوكرانيا، ودشن خط "السيل الشمالي" عام 2011، وهو يوفر الآن لألمانيا الوقود الأزرق الروسي بأسعار متهاودة.
وبعد مغادرته قصر المستشارية عام 2005، أصبح شرودر رئيسا لمجلس المساهمين في شركة "نورد ستريم" المملوكة بنسبة 51% من شركة الغاز الروسية "غازبروم"، والتي تدير خط أنابيب الغاز المذكور، وهو يتلقى راتبا سنويا بمقدار 250 ألف يورو.
ومع مجيء المستشارة أنغيلا ميركل، التي تتكلم اللغة الروسية بطلاقة، أمل المراقبون باستمرار العلاقات السياسية المميزة بين البلدين، بيد أن ابنة القسيس البروتستانتي، التي ترعرت في ألمانيا الشرقية، لم تشأ تطوير هذه العلاقات، ويممت وجهها شطر واشنطن، ولم تنفع "ألمانية" بوتين و"روسية" ميركل في تبديد الفتور بين الجانبين. بل إن صحيفة "بوليتيس" البولندية اتهمت الرئيس الروسي بالاستهزاء بالمستشارة "الحديدية" لدى استقباله إياها في سوتشي عام 2007، عندما سمح لكلبه بالتسكع في صالون الاستقبال رغم علمه بخوف ميركل المريع من الكلاب.
ومع عودة بوتين إلى الكرملين عام 2012، بدأت هذه العلاقات بالتدهور، وبدأت وسائل الإعلام الألمانية بشن حملات متواصلة على بوتين، مذكرة بخدمته في لجنة أمن الدولة السوفياتية "كي جي بي" في ألمانيا، ومعيدة إلى الأذهان فوز الغرب في الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، كأن ذلك لم يكن بسبب تردد ميخائيل غورباتشوف، الذي لم يكن يجيد إلا التراجع ودون مقابل، في حين أنه اختير لإنجاز إصلاحات، كانت بلاد السوفيات بأمس الحاجة إليها.
ويمكن القول إن غورباتشوف كان من أولئك الأشخاص، الذين يأتون كل مئة عام مرة واحدة، حيث لم ينجح في أي خطوة أقدم عليها، وعواقب ست سنوات من حكم أول وآخر رئيس للاتحاد السوفياتي يتجرعها العالم الآن وسيتجرعها إلى أمد طويل.
وحين تتباهى دوائر الاستخبارات الغربية بأنها كانت وراء انهيار الإمبراطورية الاشتراكية، فإنها تتناسى كيف كان الفزع مطبقا على النخب الغربية من تداعيات هذا الانهيار، إذ عندما طالب ساسة جمهوريات البلطيق السوفياتية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي موسكو بالاستقلال عن الاتحاد السوفياتي حذرهم الرئيس الأميركي جورج بوش الأب من "قلقلة قارب" غورباتشوف.
وما يزيد الطين بلة الآن هو هذا الطموح الغربي على الطريقة السوفياتية التروتسكية إلى إسعاد البشرية ونشر دين الديمقراطية الغربية الجديد في روسيا. ويبدو ألكسندر رار محقا حين يسأل – لماذا يقيم الغرب إذن علاقات ممتازة مع دول ديكتاتورية إقطاعية في الشرق الأدنى، إذا كان حريصا هكذا على الديمقراطية؟
وقد أثارت ميركل خلال زيارتها إلى موسكو العام الماضي قضية فتيات "بوسي رايوت"، اللواتي أودعن السجن بعد تدنيسهن قدس أقداس روسيا كاتدرائية المسيح المخلص، فما كان من بوتين إلا أن اتهم الفتيات بمعاداة السامية، وروى للسيدة ميركل كيف أن هؤلاء الفتيات أقدمن على شنق دمية تمثل أحد اليهود.. تلك كانت لفتة ذكية من بوتين لمستشارة ألمانيا، حيث يجري تذكير شعبها ليل نهار بالمحرقة اليهودية، وتعميق عقدة الذنب لديه، بحيث أن ألمانيا تحولت إلى بقرة حلوب تمد تل أبيب بمساعدات تعتبر الثانية بحجمها بعد أميركا، وتحولت إسرائيل إلى بقرة مقدسة على ضفاف الراين. وكان يكفي أن يحذر حائز جائزة نوبل للآداب غونتر غراس من تهديد إسرائيل للسلام العالمي بتلويحها بشن ضربات استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية، لكي تُشن عليه حملة شعواء في صحيفة "دي فيلت" ومجلة "دير شبيغل" الألمانيتين، ولاتهامه بمعاداة السامية، ولكي تعلنه إسرائيل شخصا غير مرغوب به.
لكن القشة، التي قصمت ظهر البعير بين موسكو وبرلين، كانت تلك التدابير "الاشتراكية" غير المسبوقة، التي اتخذتها قبرص بضغط من مستشارة الرايخ الرابع، باقتطاع ضرائب باهظة من المدخرين في مصارف الجزيرة المتوسطية، ليتكبد المودعون الروس خسائر بنحو 3.5 مليارات دولار، ما يعتبر خطوة نادرة بانتهاك الملكية الخاصة في العالم الحديث، لذا يؤكد مراقبون أن تحريك الأسطول الروسي إلى البحر الأبيض المتوسط لم يكن للدفاع عن سوريا بقدر ما كان لهز العصا أمام نيقوسيا.
ومع ذلك، فلن يقوم بوتين من جانبه بمصادرة الاستثمارات الألمانية في روسيا، والتي تبلغ حسب "دير شبيغل" 28 مليار يورو، فالعلاقات الاقتصادية بين أغنى بلد أوروبي بالخامات وأكبر اقتصاد في أوروبا لا يمكن التفريط بها بهذه السهولة، ولا سيما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز العام الماضي 80 مليار يورو.
غير أن حملة المداهمات الأخيرة أواخر الشهر الماضي في روسيا للمنظمات الأجنبية غير الحكومية شملت مؤسسة "كونراد أديناور"، الألمانية المقربة من حزب المستشارة الألمانية المسيحي الديمقراطي الحاكم، ومؤسسة "فريدريخ إيبرت" المقربة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعارض.. تلك كانت رسالة واضحة إلى النخبة الألمانية ردا على إعطاء روسيا دروسا في الديمقراطية.
وعلى أي حال ستبقى البرودة مخيمة على العلاقات السياسية الألمانية الروسية، وسيستمر بوتين بـ"زكزكة" ألمانيا كلما كان ذلك ممكنا، وستستمر ميركل بإلقاء مواعظها حول الديمقراطية في روسيا، بيد أن العلاقات الاقتصادية ستستمر بالازدهار، والعوامل الاقتصادية حسب كارل ماركس مواطن ميركل هي العامل الحاسم في أي تطور.







اخر الافلام

.. أخبار عربية | خروج مشفى ميداني عن الخدمة بريف #إدلب إثر الغا


.. الجيش السوري يسيطر على حي الجفرة في دير الزور


.. قاسم سليماني في كردستان لإقناع الأكراد بإلغاء الاستفتاء




.. تونس.. تفاعلات -طرد- الأمير هشام


.. إرجاء أول انتخابات بلدية في تونس بعد الثورة إلى أجل غير مسمى