الحوار المتمدن - موبايل



وجهة نظر: رؤية مستقبلية حول واقع وأفاق الديمقراطية في العراق

نجم الدليمي

2013 / 7 / 12
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


الجزء الثاني

المحور الثالث: أثر(( الديمقراطية)) على الاقتصاد والمجتمع العراقي
هناك علاقة وثيقة وحميمة بين علم الاقتصاد وعلم السياسة ولايمكن الفصل بينهما في القراءات والتحليلات السياسية والاقتصادية، فعلم الاقتصاد والسياسة علوم مؤدلجة ومنحازة في أي مجتمع، فالديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية السياسية هما وجهان لعملة واحدة، فالعلاقة بينهما تأثير وتأثر متبادل، وهناك علاقة وثيقة بين شكل الملكية السائدة في أي مجتمع وشكل ومضمون الديمقراطية، فشكل الملكية السائد والمهيمن هو الذي يحدد محتوى الديمقراطية في أي مجتمع وبالتالي فالسلطة الاقتصادية هي التي تقرر شكل ومضمون السلطة السياسية الحاكمة.
بدون ديمقراطية حقيقية في الميدان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي لايمكن تحقيق المصلحة العامة، فالملكية الخاصة لوسائل الانتاج هي التي تحدد طبيعة وهدف الديمقراطية في المجتمع البرجوازي، فمثلاً الملكية الخاصة الاحتكارية في مرحلة الامبريالية، والشركات العابرة للقارات والمؤسسات المالية... هدفها الرئيس هو تعظيم الربح من خلال الهيمنة والاستحواذ على ثروات الشعوب وبشكل غير مشروع وغير قانوني وتحقيق المصلحة الخاصة، أي مصلحة الطغمة المالية الحاكمة.
أن المجتمعات الطبقية وخاصة المجتمع الرأسمالي هي مجتمعات لاتؤمن في الواقع الملموس بالديمقراطية الشعبية، فالرأسمالية والديمقراطية متعارضتان من حيث المبدأ وبهذا الخصوص يشير الملياردير الأمريكي جورج سورس على ان ( الرأسمالية والديمقراطية يتبعان قوانين مختلفة... المصالح التي تخدمها الرأسمالية هي المصالح الخاصة، اما المصالح التي تخدمها الديمقراطية فهي المصالح العامة)) (6) . كما يؤكد سورس على (( إن العدو الرئيس لمجتمعاتنا- الرأسمالية- ليس الشيوعية وأنما الرأسمالية)) (7). وكما يؤكد مارك فلورباييه ان (( عبارة الديمقراطية بحد ذاتها نموذج جيد للدعاية الكاذبة للاشارة نوعاً ما الى المجتمعات الغربية)) (8).
يلاحظ إن (( الديمقراطية الأمريكية في مأزق عميق اكبر مما يتصوره الناس... ففي أعلى مراتب السلطة في الدولة فأن قوة القرار قد انتقلت من الشعب إلى فئة قليلة))، وكما تؤكد الكاتبة الهندية(Roy Arundhati) (( تجابهنا إمبراطورية منحت لنفسها حق اعلان الحرب متى شاءت... والديمقراطية هي صيحة حربها، ديمقراطية يتم إيصالها الى عتبات البيوت بواسطة الصواريخ))، وفي العام 1941 أكد هنري ليس Henry Luce (( علينا أن نقبل بشكل كامل واجبنا وفرصتنا كأقوى دولة في العالم، وبناءاً عليه، ان نفرض على العالم نفوذنا لاي غرض نختاره، وبأي طريقة مناسبة)) (9).
يؤكد البروفيسور الأمريكي ليستر ثرو (( في أخلاقيات الرأسمالية، فان الجريمة هي ببساطة احد الأنشطة الاقتصادية)) (10). وان (( التصرف الاجتماعي والنموذج الاقتصادي الذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية الى فرضه على العالم لايمكن ان يتحققا ألا من خلال هدم او تدمير الثقافات والقيم والسياسات المحلية للدول الاخرى، واستبدالها بثقافة العولمة وقيمها)) (11).
فالامبريالية الأمريكية ومن خلال استخدامها لأدواتها الرئيسة والمتمثلة بالمؤسسات المالية والاقتصادية والتجارية الدولية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية على (( فرض الديمقراطية على الجميع، يعني فرض النظام الغربي على الجميع، فتصبح الديمقراطية بحق هي (( نظام التكفير)) لكل من يخرج عن النموذج الغربي...، أن عملية التكفير على ملة الديمقراطية تؤدي الى استحلال دماء الآخرين وحريتهم وإنسانيتهم... فاننا نواجه فرض الديمقراطية بقوة السلاح)) (12).
يؤكد الرئيس الامريكي السابق هيربرت هوفر الى انه (( ليست هناك أيه قواعد البتة لهذه اللعبة( الحرب الباردة).... لذلك ليس بالامكان تطبيق النواميس والاعراف الإنسانية المقبولة.... لو أردنا للولايات المتحدة الأمريكية ان تعيش، فأن علينا ان نتعلم كيف نخرب ونهدم وندمر اعداءنا بوسائل اكثر حنكة ودهاء وتعقيداً وفاعلية من تلك المستخدمة ضدنا)) (13) . ومع ذلك يدعون إنهم ديمقراطيون؟!
ان الديمقراطية الشعبية التي تقوم على اساس الملكية العامة لوسائل الإنتاج، هدفها الرئيس يتمثل في خدمة المجتمع والاقتصاد الوطني، والاستخدام المخطط والعقلاني للثروات المادية والبشرية ، والتوزيع العادل للثروة الوطنية ومشاركة الجميع في ادارة شؤون البلد، وحسب التخصص والكفاءة والنزاهة في العمل، وهي ديمقراطية الاكثرية وتمثل مصالح الغالبية العظمى من المواطنينن ولن تكون في خدمة الطغمة المالية المافايوية والحيتان والديناصورات الطفيلية والإجرامية في المجتمع.
أن غياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وغياب الحريات السياسية الحقيقية والفعلية في أي مجتمع سوف يؤدي ذلك إلى قيام نظام/ دولة بوليسية قمعية تستخدم وتوظف الإرهاب والقمع وفقا لمنظورها وفلسفتها ومصلحتها الخاصة بشكل عام وعلى القوى الوطنية واليسارية بشكل خاص.
أن غياب الديمقراطية السياسية والاقتصادية سوف يؤدي ذلك الى عدم تحقيق المساواة بين المواطنين وبين الأحزاب السياسية، وهذا سيؤدي الى تكريس سلط الاحتكار في الميدان السياسي والاقتصادي ثم الى تشديد الاستغلال والاضطهاد ثم الى العبودية.
ان الشعوب تواقة إلى تحقيق الديمقراطية الشعبية الحقيقية التي تضمن العدالة والمساواة والحرية والسلام وتحرير الإنسان من الاستغلال والاضطهاد والقمع، وكما تضمن الرفاهية والرخاء في المجتمع اللاطبقي.
ان تطبيق نموذج الديمقراطية الغربية بشكل عام والنموذج الأمريكي بشكل خاص قد أثر وبشكل سلبي وملموس على الاقتصاد والمجتمع العراقي، فأن هذا النموذج قد دفع الاقتصاد والمجتمع بأزمة عامة وشاملة، وذات طابع بنيوي، فاشتداد الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والصراع داخل السلطة التنفيذية نفسها، واشتداد وتعمق الصراع والتناقض داخل السلطة التشريعية، وغياب الثقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وغياب الثقة بين قادة الأحزاب والكتل السياسية بعضهم مع البعض الأخر، وضعف الثقة من قبل غالبية المواطنين بالسلطتين التنفيذية والتشريعية وغير ذلك.
أن اشتداد وتفاقم الصراع داخل المجتمع العراقي بشكل عام وداخل السلطتين التشريعية والتنفيذية بشكل خاص يعود الى عوامل داخلية وإقليمية ودولية، دفعت الى دخول الاقتصاد والمجتمع في أزمة بنيوية هي ان هذا النموذج(( الديمقراطي)) المستورد لايتلائم مع واقع وطموحات وحاجات الاقتصاد والمجتمع العراقي، وهذا لم يكن وليد صدفة بل يعود الى مبدأ المحاصصة السياسية والطائفية والقومية سى الصيت والى مضمون الدستور العراقي الذي تم (( تفخيخه)) وبشكل مقصود (( بقنابل)) قابلة للانفجار وفي أي وقت تريده القوى السياسية التي قامت بعملية (( التفخيخ)) هذا هو جوهر (( ديمقراطية)) الاحتلال.
أن الاقتصاد العراقي كان ولا يزال اقتصاداً تابعاً ومتخلفاً ومرتبطاً بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، واٌقتصاداً ريعياً وحيد الجانب يعتمد على إيرادات قطاع النفط بالدرجة الاولى، وان النهج السياسي والاقتصادي- الاجتماعي منذ العام 1968 ولغاية العام 2003، ومنذ الاحتلال ولغاية اليوم قد التزموا وطبقوا السياسات الاقتصادية التي فرضتها المؤسسات الدولية وقوى الثالوث غير المقدس والمتمثلة بصندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية.
وخلال فترة الاحتلال بدأت المؤسسات الدولية ومن خلال دفع وتوجيه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بممارسة ضغوطات مختلفة وعديدة سواء كانت مباشرة او غير مباشرة، تقديم (( النصائح)) و (( الإرشادات)) للنظام الحاكم في العراق من اجل تبني وتطبيق وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين والتي تتمحور في الأتي:_ العمل على ليبرالية الأسعار، وليبرالية التجارة، وتطبيق برنامج الخصخصة، والعمل على رفع الدعم للقطاعات المختلفة سواء كانت إنتاجية ام خدمية، وإضعاف وإنهاء دور الدولة وقطاعها( قطاع الدولة)، والعمل على تعزيز دور ومكانة القطاع الخاص الرأسمالي في منظومة الاقتصاد العراقي، ولعل الهدف الرئيس من كل ذلك هو تثبيت الرأسمالية كنظام سياسي واقتصادي- اجتماعي في العراق، رأسمالية تابعة ومتخلفة وتحويل العراق الى سوقاً مفتوحة لتصريف مختلف أنواع السلع الغذائية، الدوائية، السلع المعمرة اوغير ذلك ومعظم هذه السلع تخلوا من المواصفات العالمية المطلوبة.
أن اهم إفرازات(( الديمقراطية)) المستوردة منذ العام 2003 ولغاية اليوم قد تمثلت في:-

أولاً: الميدان السياسي والأمني:
1- منذ احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية في العام 2003 ولغاية اليوم، لم يتم بناء العملية السياسية في العراق على أسس مبدئية سليمة وديمقراطية، أذ تم تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، مجلس غير فاعل وضعيف ومسلوب الصلاحيات القانونية الفعلية، فهو يمكن القول عنه ولًد ميتاً، وهذا لم يكن وليد صدفة.
لقد قامت الادارة الامريكية بتعين بول بريمير كحاكم مدني- عسكري يحكم العراق، فأصبح حاكماً دكتاتورياً يحكم الشعب العراقي وقواه السياسية المتنفذة، وجمع في يده السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.... وهذه هي الدكتاتورية بعينها، فهو مطلق الصلاحية، ومجلس الحكم جهة منفذة لأوامر الحاكم الدكتاتوري بول بريمير.
2- لقد اقدم الحاكم المدني الامريكي بول بريمير على تنفيذ خطوات (( ذكية)) ومدروسة ولم تكن في صالح الشعب العراقي وقواه السياسية الخيرة، ومن خلال قراراته الفردية واللاعقلانية، أذ قام بحل الجيش العراقي والاجهزة الامنية الاخرى مما ساعد ذلك على أشاعة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق، وهذه الخطوة السيئة ساعدت على تقويض نظام الدولة العراقية، وبالتالي تم أدخال الشعب العراقي في مأزقً عام وشامل وحقيقي، وبالتالي سادت الفوضى عموم البلاد.
3- أن من أخطر وأسوء نتائج الاحتلال و((ديمقراطيته)) المستوردة هي الضحايا البشرية، أذ كان الثمن باهضاً لهذه (( الديمقراطية)) ولهذا (( النموذج الديمقراطي)) خلال الفترة 2003 ولغاية اليوم نحو 1,5 مليون قتيل وجريح ومعوق.(14)، ومابين 4- 5 مليون شخص مهجر داخل العراق وخارجه.(15) ، وهذا تم وبشكل مخطط من قبل إعداء الشعب العراقي في تأجيج النزعة الطائفية والقومية داخل المجتمع العراقي.
4- أن قوات الاحتلال الامريكية فرضت وعمقت مبدأ المحاصصة السياسية والطائفية والقومية وبشكل مرعب ومخيف في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأصبح بناء الدولة يقوم على أساس طائفي/ قومي، فالرئاسات الثلاث: رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة، كانت ولاتزال تقوم على اخطر مبدأ هدام وغير ديمقراطي، مما ادى ذلك الى استمرار وأشتداد الصراع الطائفي- القومي بين المكونات الثلاثة الرئيسة المتنفذة في الحكم، وهذا مخالف للنهج الديمقراطي الحقيقي.
5- لقد كرست سياسة الاحتلال الامريكي نهج المحاصصة السياسية والطائفية/ القومية في العراق وبسبب هذه السياسة اللاديمقراطية عمت الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والامني في عموم العراق، وتفاقمت حدة الصراعات والخلافات السياسية والطائفية بين المكونات القومية/ الطائفية الثلاثة ( مكون الشيعة، مكون السنة/ مكون الاكراد) بشكل عام، وأحتدام الصراع والاحتراب والتنافس داخل كل مكون بشكل خاص أي داخل(( البيت الشيعي)) و (( البيت السني)) و (( البيت الكردي))، وهذا ماتريده قوى اقليمية ودولية للعراق من أجل تعميق مظاهر الفوضى وعدم الاستقرار بكل أشكاله.
أن أستمرار هذا النهج المأساوي قد يؤدي الى تقسيم العراق الى دويلات ذات طابع طائفي- قومي، الى دويلات متناحرة ومتصارعة ومتحاربة في المستقبل، وبالتالي إختفاء العراق من الخارطة السياسية، وهذا هو جوهر مشروع بايدن اللاشرعي والسي الصيت، وفي حالة نجاح هذا المشروع فستكون النتائج الكارثية على عموم الشعب العراقي والتاريخ سوف لن يغفر لقادة الاحزاب، والكتل المتنفذة والحاكمة في المستقبل في حالة وقوع هذه الكارثة المحدقة على فقراء الشعب العراقي.
6- ان من الافرازات الاخرى (( للديمقراطية)) المستوردة هو فشل مايسمى بحكومة الوحدة الوطنية، وحكومة الشراكة الوطنية، وحكومة التوافق وغيرها من التسميات الاخرى، ويعود السبب الرئيسي الى عوامل داخلية وخارجية ومنها:
غياب الأسس العلمية والموضوعية لطبيعة وشكل هذه الحكومات، وغياب الثقة السياسية بين المكونات السياسية الرئيسة وخاصة بين قادة الكتل والاحزاب السياسية، فالريبة والخشية والحقد وعدم الثقة وحتى غياب الارتياح الشخصي بين قادة الكتل والاحزاب السياسية، ويعود السبب الرئيس لكل ذلك الى الصراع بين قادة هذه الكتل حول السلطة ومستقبل النظام السياسي اللاحق للعراق، وكما تلعب الدول الاقليمية والدولية دوراً كبيراً في تأزم الوضع الداخلي، ودفع هذا الطرف بالضد من الطرف الاخر وفقاً لمصالحها الخاصة.
7- ان الحديث عن حكومة الاغلبية من حيث المبدأ هو سليم وصحيح، ولكن واقع وظروف العراق ومكوناته السياسية وتركيبته الطائفية اليوم لم تسمح بتحقيق ذلك، أي تشكيل حكومة الاغلبية، أذا عرفنا ان الصراعات السياسية والطائفية والقومية مستمرة بين المكونات الثلاثة الرئيسة، واذا عرفنا الواقع الحي وبالملموس فان داخل كل (( بيت)) طائفي يوجد صراع وخلاف واضح المعالم، فالبيت الشيعي غير موحد والبيت السني غير موحد وكذلك البيت الكردي، فهذا التقسيم القائم على اساس طائفي/ قومي لن يسمح بتشكيل حكومة الاغلبية.
ان هذا النموذج أي حكومة الاغلبية وفق الشرعية والديمقراطية النظيفة والحقيقية هو أرقى من مستوى النضج السياسي لغالبية قادة المكونات السياسية في العراق. أن فشل هذه النماذج من تشكيل هذه الحكومات يعود الى السبب الرئيس ألا وهو ان قوى الاحتلال قد رسمت وفرضت نهجاً كارثياً لواقع العراق اليوم، ألا وهو أعتماد نظام المحاصصة السياسي والطائفي/ القومي، وكما كرست هذه (( الديمقراطية)) المستوردة في اتباع نهجاً خاطئاً اخر غير ديمقراطي وغير دستوري ألا وهو ((مبدأ)) التوافقات السياسية اللامبدئية المعمول بها بين قادة الاحزاب والكتل السياسية الحاكمة المتنافسة والمستحوذة على السلطة والنفوذ والمال والاعلام، وهذا النهج يتعارض مع القانون الاساسي والرئيسي ألا وهو الدستور. فضلاً عن ان الدستور يتطلب أعادة نظر بصورة جدية وقانونية وواقعية للتخلص من القنابل الموقوتة والتخلي عن نهج المراوسة التي أطرت ضمن مضامين الدستور العراقي منذ عام 2005 ولغاية اليوم، وما نحن فيه اليوم من صراع وحراك سياسي، طائفي- قومي خطير ألا نتيجة لهذه (( الديمقراطية)) المستوردة وافرازاتها الكارثية، أي انها سياسة خاطئة في شكلها ومضمونها.
أن الحل الجذري لمشكلة نظام الحكم في العراق اليوم يتطلب أقرار مرحلة انتقالية محددة ولفترة 10 سنوات (2024-2014) وفق برنامج سياسي وأقتصادي- أجتماعي محدد، وهذا البرنامج والمشروع الوطني ينبغي إقراره من قبل السلطة التشريعية وبعد ذلك يصبح قانوناً ملزماً على الجميع تنفيذه وخاصة من قبل السلطة التنفيذية، وهذا المشروع الوطني يتطلب حكومة ائتلافية مركزية قوية وعادلة تقوم في تشكيلها على مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، وتحديد الصلاحيات للجميع ومحاسبة المقصرين وبشكل علني، وان تكون هذه الحكومة خاضعة للاشراف والرقابة الصارمة من قبل السلطة التشريعية والمنظمات الجماهيرية، وتطبيق صارم للقانون على كل من يخالف أو يخرق هذا القانون لما فيه خدمة الشعب العراقي مستقبلاً.

ثانياً: الميدان الاقتصادي: الإفرازات الاقتصادية ((الديمقراطية)) المستوردة
ان من اخطر النتائج الاقتصادية- الاجتماعية لهذه الديمقراطية هي الأتي:
1- تنامي معدلات البطالة ولاسيما وسط الشباب، أذ تشكل البطالة نسبة 28،1% من اجمالي القوى العاملة، وتشكل نسبة البطالة بفئة عمرية مابين 15-24 سنة لعام 2006 نسبة 50،5% من اجمالي القوى العاملة(16). وهناك تقدير اخر يؤكد على ان البطالة لاتزال عند حدود 30% ولم تعمل التطورات الاخيرة على التخفيف منها(17).
ان تنامي معدلات الفقر في العراق اخذ أبعاداً خطيرة في الميدان الاقتصادي- الاجتماعي بدليل (( اعلنت الامم المتحدة بأن مايحصل في العراق من كارثة انسانية ومفارقة عجيبة بين ان يكون العراق في صدارة الدول الغنية بثرواته وموارده المالية.... وبين ان تكون نسب الفقر والفقر المدقع وتدني المستوى المعاشي وانعدام الخدمات.... بالشكل الموجود، واعلنت منظمة الصحة الدولية بان الوضع الصحي في العراق يمثل كارثة انسانية حقيقية... واعلنت منظمة الشفافية العالمية بان مايحصل في دول مثل العراق يمثل كارثة انسانية حقيقية لايمكن السكوت عنها)) (18).
وكما يلاحظ وجود مابين 6-8 مليون امي(19) ، واكثر من 4 مليون عراقي مهاجر داخل وخارج العراق(20)، وان 70% من سكان العراق لايحصلون على إمدادات المياه الصالحة للشرب، و80% من سكان العراق لايحصلون على خدمات الصرف الصحي، و30% من اطفال العراق يعانون من سوء التغذية، و70% من الشعب العراقي يعيشون تحت خط الفقر(21). ووجود اكثر من ربع مليون طفل مشردين في الشوارع(22). وبلغ عدد الإجمالي للأيتام حتى أكتوبر العام 2007 مليون يتيم، وهناك 3 مليون امرأة أرملة(23).
2- تعمق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع العراق ولاسيما بعد العام 2003 ولغاية يومنا هذا، فالمجتمع العراقي فيه عدد كبير من المليونيرية والمليارديرية الذين جمعوا ثرواتهم بشكل غير مشروع وغير قانوني وبدعم ورعاية خاصة من قبل قوات الاحتلال والحكومات المتعاقبة، فهولاء يمثلون سراق كبار وحيتان وديناصورات جشعة وغير وطنية وعلى الحكومة والسلطة التشريعية ان تشرع قانون((من اين لك هذا)) وتصادر هذه الأموال وإرجاعها للشعب ولصالح الاقتصاد الوطني.
3- انهيار شبه كامل للقطاعات الإنتاجية( القطاع الزراعي والصناعي)، وكذلك انحطاط مستوى التعليم والخدمات الصحية، وهذه الحالة غير طبيعية او شاذة وفي حالة استمرارها سوف يكرس التخلف والتبعية للاقتصاد والمجتمع العراقي وتنذر بخطر جدي على مستقبل الاقتصاد والمجتمع، بدليل بلغ اجمالي الاستيردات لعام 2004 مبلغاً مقداره 9،6 مليار دولار، وزاد في عام 2010 الى 42 مليار دولار، ثم الى 50 مليار دولار في عام 2011(24)، وثم صرف 300 مليار دولار على الخدمات(25). وان اكثر من 95% من المشاريع الخاصة متوقفة عن العمل بعد العام 2003 أي أكثر من 40 الف مؤسسة صناعية(26). وكما يعاني القطاع الزراعي من مشكلات كثيرة، أذ بلغت نسبة التصحر 70% من الأراضي الزراعية المطرية تعاني من التصحر، وخطر جفاف نهري دجلة والفرات حتى عام 2040، وان مساحة 80% من مساحة السهل الجنوبي تعاني من التملح(27).
4- تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري بشكل مرعب في العراق، وليس غريباً من ان يحتل العراق المرتبة المتقدمة من بين الدول في ظاهرة الفساد المالي وبهذا الخصوص يؤكد رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي الى ان (( المحاصصة الطائفية والحزبية ادت الى تغيب غالبية الشعب ودفعت بشخصيات فاسدة وضعيفة الى مكان صنع القرار وفي بعض مفاصل الدولة..... وان استشراء الفساد المدعوم من بعض أصحاب القرار ادى الى ضياع الكثير من حقوق الإنسان)) (28). أذ تنفق الحكومة العراقية سنوياً مبلغاً فلكياً على الايفادات الرسمية، أذ تبلغ سنوياً مليار دولار(29). وان 96% من المبلغ الإجمالي المودع في صندوق إعادة أعمار العراق قد أخذت طريقها الى وجهة مجهولة؟(30) . وهناك تقديرات تؤكد على اختفاء 40 مليار دولار من صندوق تنمية العراق(31).
يشير السيد موسى فرج في كتابه القيم( قصة الفساد في العراق) أذ طرح امثلة على هذه الكارثة المأساوية، اذ يؤكد لنا ان العراق قد خسر خلال الفترة 2003-2008 مبلغاً فلكياً مقداره 90 مليار دولار( صفحة 287)، وتم اكتشاف 50 ألف راتب وهمي في وزارة الداخلية كلفت الحكومة 5 مليار دولار سنوياً( صفحة 288)، وعن ملف صندوق أعمار العراق من قبل السفارة الأمريكية في بغداد فقد ضاع او سرق او غيب 9 مليار دولار ( صفحة 293)، وحتى وصل الامر بالكونغرس الأمريكي الى مسألة بريمير حول مصير 4 مليارات دولار، ومسالة السفارة الأمريكية عن مصير 8 مليارات دولار، وعن ملفات أخرى تخص 100 مليار دولار( صفحة 293)، ويؤكد موسى فرج رئيس هيئة النزاهة في العراق سابقاً(( كيف يتم ملاحقة 500 مدير عام فاسد من بين 600 موجدين في العراق)) (صفحة 329)، ويشير موسى فرج الى ان(( حجم الفساد في العراق يعادل تقريباً نصف الموازنة المالية للبلاد أي 40 مليار دولار من أصل الموازنة البالغة 80 مليار دولار)) (صفحة 332)، ويؤكد فرج (( ان عدد المطلوبين للهيئة بأوامر قبض أو استقدام من قاضي التحقيق 3318 متهماً موظفاً منهم بدرجة مدير عام فأعلى و6 تهم بدرجة وزير)) (32). ثم يشير فرج الى ان(( الفساد كلف العراق 250 مليار دولار في 5 سنوات)) (33).
أن الفساد والجريمة هما وجهان لعملة واحدة، فمن يتستر على الفساد فهو يعد من المجرمين في حق الشعب، ومن يتستر على الجريمة من أي نوع كانت فهو يعد من الفاسدين بحق الشعب. أن (( ديمقراطية) المحاصصة تعمل على تخريب البلد وزرع ملامح الفوضى وعدم الاستقرار وعامل مهم في تفشي الفساد المالي والجريمة في المجتمع، فكم عدد (( الفضائيين)) في وزارة الداخلية والدفاع وجهاز الدولة الإداري؟ فأن هولاء يعملون رسمياً في الوزارات، ولكنهم يعطون نسبة من رواتبهم الشهرية تتراوح مابين 60-70% الى كبار المسئولين في دوائرهم، وهذا يتم لاعتبارات عديدة منها الجانب الأمني...، ناهيك عن دفع الدفاتر ( الدفتر 10 الف دولار) في السجون العراقية للخروج/ الهروب، والتعيينات العسكرية- المدنية تتراوح المبالغ التي تدفع على شكل رشوة لكبار السماسرة والمسئولين وحسب درجة الصداقة والمعرفة مابين 5000-10000 دولار و..... و.....و.....، ناهيك عن الشهادات المزورة والتي يبلغ عددها كما أعلنت الصحافة 50 الف شهادة مزورة.
أن العراق اليوم لم يتحرر وبشكل كامل لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الاقتصادية، فلا يزال يعاني العراق من استمرار الضغوطات والهيمنة والاحتلال بإشكاله المختلفة سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا الخصوص يؤكد موسى فرج ان ((الاميركان كانوا يسيطرون رسمياً على مواقع التصدير، حتى اني عندما قررت الوقوف ميدانياً على تلك المواقع أثناء رئاستي لهيئة النزاهة حضر الى مكتبي ممثلين عن السفارة الأمريكية لكي يخبرانني بان ذلك يتطلب الحصول على موافقة واشنطن! وعندما قلت لهم: كيف يكون ذلك وهو بلدي! وهو نفطي! وانا رئيس الجهاز المركزي لمكافحة الفساد في العراق... قالوا: هي الأوامر ولايمكن التقرب أكثر من ثلاثة كيلومترات من تلك المواقع دون باج أمريكي وألا تضرب بالنار....) (34) فأين الحقوق؟ واين السيادة الوطنية؟ وأين الديمقراطية التي تدعي بها الامبريالية الأمريكية؟
أن تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حافلاً بالجرائم أبتداءاً من قصة الهنود الحمر وهيروشيما وناكازاكي وفيتنام ولاوس وغرينادا والارجنتين وغواتيمالا ونيكارغوا وتشيلي وايران وليبيا وكوبا وأندونيسيا... والعراق، فاستخدمت الامبريالية الامريكية الانقلابات العسكرية والابادة الجماعية والقنابل الذرية والنابالم والعنقودية والاسلحة الكيمياوية واليورانيوم المنضب، أذ تم القاء ألف طن من اليورانيوم المنضب على رؤوس الشعب العراقي في حين تعترف الامبريالية الامريكية بوجود 5000 طن من اليورانيوم المنضب، هذه هي حقوق الانسان والديمقراطية لدى الولايات المتحدة الامريكية.؟!
يشير موسى فرج الى ان (( الامريكان دعاة الحرية وحقوق الانسان... إرتكبوا ابشع جريمة يندى لها جبين الذئاب وليس البشر، فقد أستخدموا بتخطيط وسبق أصرار في حروبهم ضد العراق أعتدة مصنوعة من مخلفات اليورانيوم وهو مايسمى باليورانيوم المنضب وهو طبعاً مشع ويتشظى الى جزئيات حجمها أصغر من حجم كريات الدم الحمراء يستنشقها الانسان مع الهواء وتسبب بالاضافة الى سرطان الدم فانها تتغلغل الى المخ وتعبث بالمنظومة الجينية والاطفال المولودين يولدون مشوهين ولاسيما مايسمى بشكل السمكة حيث يولد الطفل بعين واحدة...))(35). وعلى هذا الاساس فان الولايات المتحدة الامريكية(( تخدع العالم بأسم الحرية)) (36).


المبحث الرابع: مأزق ((ديمقراطية)) الاحتلال في العراق:
تدعي الولايات المتحدة الامريكية ان الهدف الرئيس في تقويض النظام العراقي السابق في أبريل العام 2003 يستند الى عدة اسباب ومنها: انه نظاماً ديكتاتورياً ويهدد السلام والامن القومي للولايات المتحدة الامريكية، ويملك اسلحة الدمار الشامل وغيرها من الأسباب الاخرى، وعلى هذا الأساس تم غزو واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها وتقويض النظام العراقي السابق وبناء دولة ديمقراطية تكون مثالاً يحتذى به في منطقة الشرق الاوسط.
أن السبب الرئيس لاحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية هو الاستحواذ على ثروات الشعب العراقي وفي مقدمتها النفط والعمل على ربط العراق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وامنياً بالولايات المتحدة الامريكية، والعمل الجاد على ضمان امن اسرائيل من خلال القيام (( بالبيرسترويكا)) عربياً وكان الضحية الأولى في نهج مايسمى بالبيرسترويكا العربية هو العراق، وما يحدث اليوم في منطقة الشرق الاوسط فيما يسمى بالربيع العربي ماهو ألا سيناريو لخدمة أهداف الولايات المتحدة الامريكية وأسرائيل وليس خدمة الشعوب العربية.
يكمن مازق ((ديمقراطية)) الاحتلال الامريكي في العراق في الاتي:
1- لم تنجح الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في أرساء دعائم نظاماً ديمقراطياً شعبياً حقيقياً في العراق، ويعود السبب الرئيس الى الدستور العراقي، الذي كان ولايزال يمثل العقبة الرئيسة في عدم تحقيق الاستقرار في العراق لانه دستوراً (( مفخخ بالقنابل)) الموقوته وكثرة التناقضات في الدستور وهذا لم يكن وليد صدفة. وبالتالي يتطلب معالجة جذرية لذلك وفق الاليات الديمقراطية.
2- عملت قوات الاحتلال الامريكي وبشكل منظم ومدروس على تفكيك الدولة العراقية ولاسيما أهم مؤسساتها وحلها وفي مقدمتها الجيش العراقي، وقوات الشرطة، وقوى الامن والمخابرات والاستخبارات.... وهذا لم يحدث نتيجة الخطأ في القرارات، بل كانت هذه الاجراءات مخطط لها من اجل تحقيق اهداف مستقبلية تخدم مصالح الولايات المتحدة الامريكية وأسرائيل.
3- لقد كرس الاحتلال الامريكي وبشكل منظم ومنهجي أسوء نظام ألا وهو نظام المحاصصة السياسي والطائفي والقومي... فضلاً عن ظروف العراق الصعبة والمعقدة، وأستمرار هذا النظام سيء الصيت سيعرض وحدة وكيان المجتمع والدولة الى خطر التفكك والانهيار.
4- فشلت (( الديمقراطية)) المستوردة في معالجة ومحاربة اهم الظواهر الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها تنامي معدلات الفقر والبطالة وعودة الامية في العراق والتي تتراوح مابين 8-9 مليون أمين وانتشار ظاهرة التسول والايتام والارامل والشعوذة في المجتمع، وكما لازم هذا النموذج من الديمقراطية تفشي ظاهرة الفساد المالي والاداري في مؤسسات الدولة وأصبحت الرشوة (( عرفاً)) و ((قانوناً)) وبدون ذلك لايمكنك ان تحصل على حق التعيين أو العلاج او الخروج من السجن و.....و.... و.......!!، وبسبب تنامي هذه الظاهرة الخطيرة والقصور الجدي والحقيقي في محاسبة المرتشين، ظهرت الحيتان والديناصورات المالية، وفي الوقت نفسه تعمقت وبشكل مرعب الفجوة الاقتصادية- الاجتماعية في المجتمع العراقي لمصلحة النخبة- الاقلية الحاكمة، في حين يوجد أكثر من 7 ملايين مواطن تحت خط الفقر والبطالة تجاوزت 30% (37)، أذ بلغت مستويات البطالة بين الخريجين سنوياً أكثر من 50% وهذه تشكل خسارة مادية وعلمية حقيقية للمجتمع والاقتصاد(38).
5- أن ديمقراطية الغرب الامبريالي مؤدلجة وطبقية بأمتياز ومنحازة لصالح الطغمة المالية الحاكمة ولايمكن ان تكون خارج أطار ذلك، وبهذا الخصوص يشير السيد محمد باقر الصدر الى ان (( الديمقراطية في ظل الرأسمالية لاوجود لها، فقلة قليلة من الرأسماليين هم الذين يحكمون وان الحكم يتداول بينهم من خلال هذه القلة المتحكمة، ففي الولايات المتحدة الامريكية يتولى الحكم حزبان هما في الحقيقة حزب واحد قد يكون الفرق بينهما في بعض الوعود التي يطرحونها امام الجمهور)) (39).
يؤكد بريجنسكي (( لقد كانت امريكا الجديدة شيئاً مختلفاً تماماً، قوة توسعية شرهة اقليمياً، ومتعطشة للارض، ولاتعرف معنى الرحمة في السعي الى تحقيق المصالح المادية، وامبريالية في طموحاتها الدولية، ومنافقة على صعيد نزعتها الديمقراطية)) (40).
أن النظام الامريكي لم يعد نظاماً أنموذجاً يحتذى به لاسياسياً ولا اقتصادياً- أجتماعياً ولاايديولوجياً، فهو نظام فيه الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقراً، وعليه فهو نظاماً غير عادلاً، وبهذا الخصوص يشير بريجنسكي ان (( نسبة 1% من العائلات الامريكية في العام 2007 تملك نسبة مذهلة من الثروة القومية الامريكية، تصل الى 33،8%، في حين ان حصة شريحة 50% الدنيا لم تكن تتجاوز 2،5%)) (41).
6- إن ((ديمقراطية)) الاحتلال الامريكي قد أدخلت العراق أرضاً وشعباً في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار، وتعميق اوجه الصراع، واشتداد حدة التناقضات بين الاحزاب السياسية، وبين مكونات الشعب العراقي، أذ كان ثمن هذا النموذج الامريكي (( الديمقراطية)) الامريكية في العراق ثمناً باهضاً من الناحية البشرية والمادية، فحرب الخليج الأولى والثانية، وفرض الحصار الاقتصادي اللامشروع واللاقانوني ومنذ العام 1980-2013، حيث تجاوزت الخسائر البشرية والمدنية 1،5 مليون قتيل، ومابين 4-5 مليون عراقي مهاجر داخل- خارج العراق، اما الخسائر المادية خلال الفترة المذكورة فقد تجاوزت تريليون دولار.
أما الخسائر البشرية للحكومة الأمريكية فقد تراوحت مابين 4500-5000 قتيل عسكري منذ عام 2003 ولغاية رحيل القوات الأمريكية من العراق، وأصيب فيها أكثر من 100 ألف عسكري بعاهه أو بأخرى(42).
لقد كانت الكلفة المادية لعملية الحرية للعراق باهضة وخيالية، وبهذا الخصوص يشير جوزيف ستيغلتز الى ان (( الكلفة الاجمالية للحرب تتراوح مابين 2،7 تريليون دولار كنفقات ميزانية صرفة و 5 تريليونات دولار كأعباء أقتصادية اجمالية حسب السيناريو( حالة فضلى))، اما السيناريو المتفائل للغاية سوف تتجاوز الكلفة الاقتصادية الاجمالية للحرب سقف التريليوني دولار، وفي ظروف كهذه يبدوا لنا رقم 3 تريليونات دولار ككلفة أجمالية رقماً حكيماً)) (43).






الخلاصة:
ينبغي على قادة الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة في الحكم والأحزاب السياسية غير المشاركة في الحكم الجلوس سويه من أجل أعداد مشروع سياسي- اقتصادي- أجتماعي وديمقراطي في شكله ومضمونه من أجل العراق، ووحدة العراق أرضاً وشعباً، ولعل من اهم البنود المقترحة للمشروع الوطني يستند الى جملة من النقاط التي سوف نؤشرها ضمن الأتي:
1-من اجل الخروج من مأزق (( ديمقراطية)) الاحتلال وتحقيق الاستقرار ينبغي أقرار مرحلة انتقالية ولفترة محدودة من عام 2014 ولغاية عام 2024، والعمل بالنظام الرئاسي للفترة الانتقالية فقط وتشكيل حكومة مركزية حازمة وعادلة ومهنية وغير طائفية من اجل أعادة بناء العراق اقتصاديا واجتماعيا وعسكرياً والحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً.
أن النموذج ((الديمقراطي)) المعمول به منذ الاحتلال الامريكي ولغاية اليوم، ادخل العراق، والشعب العراقي في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار، وهدد ولايزال يهدد هذا النموذج بتفكيك الدولة العراقية وتقسيمها الى دويلات متصارعة ومتحاربة، ودويلات تقوم على اساس طائفي وهذا ما لايتلائم مع واقع وتطلعات الشعب العراقي.
2-من الضروري إعادة النظر ببعض بنود الدستور وبشكل جذري وفق الآليات والأسس الديمقراطية والقانونية، لان هذا الدستور بشكله ومضمونه الحالي يعد المصدر الرئيس للازمات في المجتمع العراقي.
3-من الضروري، وعلى جميع قادة الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة في الحكم ان ترفض وتنبذ قولاً وفعلاً وممارسة نظام المحاصصة السياسي- الطائفي- القومي السيء الصيت وان يتم تثقيف أعضاء وكوادر وجماهير هذه الأحزاب بذلك، واستخدام كافة وسائل الإعلام العامة والخاصة لكي تلعب دوراً مهماً في تثقيف المواطنين بمساوئ هذا النظام.
4-ينبغي أعادة النظر في بناء الدولة العراقية وعلى أسس وطنية وديمقراطية ومهنية واعتماد المبدأ السليم وهو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وهذا يساعد على التخلص من نظام المحاصصة المرعب المخيف.
5-العمل الجاد ووفق القواعد الإدارية والقانونية في محاربة ظاهرة الفساد المالي والإداري، هذه الظاهرة (( السرطانية)) الخطيرة التي شملت كافة مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العسكرية والأمنية وحتى السلطة القضائية، حيث بعض رموزها وقعوا في هذا المستنقع الخطير، ومن هنا ينبع الخطر على النظام والمجتمع العراقي، ومن اجل المحاربة الحقيقية والجادة لهذه الظاهرة الإجرامية يتطلب تطبيق العقوبات القانونية ومنها مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للفاسدين، وإنزال أقصى العقوبة ألا وهي عقوبة الإعدام كعقوبة رادعة بالعابثين والسارقين لثروات الشعب العراقي.
6-ينبغي عدم الأخذ بنماذج الديمقراطيات الغربية- الأمريكية سواء في الميدان السياسي أو الاقتصادي- الاجتماعي، لان هذه النماذج لاتتلائم مع واقع وظروف تطور الاقتصاد والمجتمع العراقي، وان هذه النماذج كرست وأفرزت نتائج سلبية في البلدان الرأسمالية وفي مقدمتها تنامي معدلات الفقر والبطالة والمديونية الداخلية والخارجية، وتنامي معدلات الجريمة وانتشار المخدرات في المجتمع ولاسيما وسط الفئات الشبابية، وتوليد الأزمات، وغياب العدالة الاجتماعية في هذه المجتمعات الغربية، وطموحها اللامشروع في النهب والاستحواذ والهيمنة على ثروات الشعوب وقيادة العالم.
7-أن الديمقراطية التي يحتاجها الاقتصاد والمجتمع العراقي اليوم هي تلك الديمقراطية التي تحترم وتخدم الانسان وتؤمن له كافة حقوقه الرئيسة وضمانها دستورياً، وهي حق العمل، وحق التعليم والعلاج والسكن المجاني.... واحترام مبدأ المواطنة، وإقامة علاقات متكافئة بين المواطنين ورفض التمييز بين المواطنين، وإقرار مبدأ التعايش السلمي، وتحقيق الاستقرار، وإقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة، ويجب ان تكون المصلحة الوطنية فوق المصلحة القومية والطائفية السياسية.
8-من اجل ترسيخ الديمقراطية الشعبية وتعزيز مسارها السياسي والاقتصادي- الاجتماعي في المجتمع العراقي يتطلب تشريع عدة قوانين مهمة وفي مقدمة هذه القوانين، هو تشريع قانون الاحزاب السياسية وبشكل عصري يلبي طموح ورغبات جميع الاحزاب السياسية العراقية، وكما يجب اجراء تعديل جذري لقانون الانتخابات وان يكون اكثر عدالة وديمقراطية وان يأخذ بنظر الاعتبار ظروف وعمل ونشاط جميع الاحزاب كبيرة كانت ام صغيرة، حاكمة اليوم او غير حاكمة، ومن اجل تطوير وتعزيز المسار الديمقراطي ان يكون عادلاً وناجحاً ينبغي القيام بالتعداد السكاني الواضح المعالم والاهداف، وذلك لكي يتسنى المعرفة الدقيقة لعدد المواطنين الذين لهم حق الانتخابات وبشكل دقيق، وليس الاعتماد على وثائق غير دقيقة مثل البطاقة التموينية وغيرها من القوانين الاخرى.
9-ينبغي على قادة الكتل والاحزاب السياسية المتنفذة والحاكمة اليوم وغيرها ان يرفضوا ويتخلوا عن جميع المليشيات المسلحة العسكرية وحلها واعتبارها غير قانونية وهي تتعارض مع مبدأ الديمقراطية وينبغي حصر السلاح في يد الدولة فقط، ويجب ان يشرع قانوناً واضحاً يمنع تشكيل أي ميليشيا وتحت أي هدف او مبرر كان فلا مليشيا في المجتمع الديمقراطي اذا اردنا ان نبني مجتمعاً ديمقراطياً حقيقياً.
10-ان الديمقراطية لاتعني فقط التوجه الى صناديق الاقتراع، بالرغم من اهمية ذلك، ولكن يجب ان تضمن الديمقراطية قانونياً التكافؤ والعدالة للاحزاب السياسية في المشاركة والنشاط الاعلامي والدعم المالي... لجميع الاحزاب وبدون تمييز، وينبغي على الديمقراطية ان تحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، وتعمل على تعزيز وحدة العمل وفق القانون وحسب الاختصاصات والصلاحيات بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبنفس الوقت تنظم عمل ونشاط السلطة الرابعة- الاعلام- وفق القانون.
11-ينبغي على الديمقراطية الشعبية ان ترفض وتنبذ النهج الطائفي- القومي السيء الصيت، وبنفس الوقت من الضروري ان تعزز اللحمة والتعايش السلمي بين مختلف الاحزاب السياسية قادة وكوادر واعضاء من جهة، وبين الشعب والسلطة من جهة اخرى، والعمل على أقرار حرية الرأي والتظاهر السلمي، ونبذ الاعتقالات السياسية، وتحقيق حرية الاعلام والصحافة بكل انواعها وبدون رقابة ولكن ضمن الاطر القانونية المعمول بها، والعمل على محاربة الفساد المالي والاداري داخل المجتمع، واحالة المفسدين وفق القانون للمحاكم لينالوا الجزاء العادل.
12- تعني الديمقراطية، الرفض المبدئي لكل اشكال التطرف الديني والطائفي والعنصري وان تعتمد وتقر مبدأ المواطنة والمساواة للافراد داخل المجتمع، وان من اهم سمات الديمقراطية هي وجود معارضة سياسية حقيقية فاعلة وناشطة داخل المجتمع، وليست معارضة كارتونية شكلية تعمل وتنشط وفق ريمونت السلطة الحاكمة.
13- ان الديمقراطية تعني وحدة الشعب أرضاً وجغرافيةً ومحاربة الارهاب والفساد المالي والاداري بأعتبارهما وجهان لعملة واحدة، وهي تعني القضاء على الفقر والبطالة والامية والجريمة والمخدرات.... من خلال تنفيذ خطة التنمية الاقتصادية- الاجتماعية والتي يكون هدفها الرئيس هو الانسان، وهي تعني المساواة في توزيع واعادة توزيع الدخل القومي لصالح المجتمع والاقتصاد الوطني، وهي أيضاً تعني الالتزام المبدع بتطبيق القانون الرئيس ألا وهو الدستور على جميع أفراد المجتمع وبدون إنحياز او تمييز لهذه الطبقة أو تلك، لهذه الفئة أو تلك، وان تقر قولاً وفعلاً بالتداول السلمي للسلطة، وهذا هو الجوهر الرئيس لحكم الشعب.
14- ينبغي على قادة جميع الاحزاب السياسية العراقية الحاكمة وغير الحاكمة وقادة المنظمات النقابية والمهنية وفي مقدمتها أتحاد نقابات العمال واتحاد الجمعيات الفلاحية....
ان يعلنوا وبشكل رسمي وللشعب العراقي رفضهم لفكرة الاقاليم لانها تمثل البداية الحقيقية لاختفاء العراق من الخارطة السياسية وتفكيك العراق أرضاً وشعباً وهذه الفكرة تقف وراءها قوى اقليمية ودولية معروفة.
أن موقف الرفض العلني هذا يعني افشال مشروع بايدن اللاشرعي واللاقانوني.
أن الديمقراطية في العراق اليوم في مأزق حقيقي، وان العراق أرضاً وشعباً يواجه تحدياً ووضعاً غير عادياً، وكما يواجه الشعب العراقي اليوم أزمة عامة وشاملة، أزمة نابعة من بنية النظام الحاكم، فامام الشعب العراقي وقواه الوطنية خياران لا ثالث لهما وهما:-
الخيار الأول: ينبغي على كافة قادة الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة وغير الحاكمة الجلوس سوية من اجل التفاهم وتقديم التنازلات وتغليب المصلحة الوطنية للعراق على المصلحة القومية والطائفية والسياسية الضيقة، بهدف أعداد مشروع وطني للمرحلة الانتقالية ينقذ العراق شعباً وارضاً من التمزق والاحتراب اللامشروع، وكما ينبغي أيضاً إشراك المنظمات الجماهيرية والمهنية والشخصيات الوطنية المستقلة من القانونيين والاقتصاديين وغيرهم، وبعد أقرار هذا المشروع من قبل قادة الاحزاب والمنظمات والشخصيات الوطنية العراقية، ينبغي اقراره من قبل السلطة التشريعية لكي يصبح قانوناً ملزماً للجميع وعلى الجميع.
الخيار الثاني: وفي حالة عدم تحقق الخيار الاول أو فشله، فان العراق أرضاً وشعباً سوف يسير نحو الجحيم، نحو المجهول- المعلوم، وسوف تعم الفوضى وعدم الاستقرار، وكما لايستبعد من احتمالات أندلاع حرباً طائفية يخطط لها أعداء الشعب العراقي ومدعومة من قبل دول أقليمية ودولية تهدف الى الخيار الثاني الكارثي.
ليس سراً، هناك صقوراً متطرفة من بين اغلب قادة الاحزاب السياسية العراقية، تهدف الى تحقيق الخيار الثاني، فهولاء- كما نعتقد- انهم يشكلون الاقلية في احزابهم ويسعون الى تحقيق أجندات أقليمية ودولية تسهم بالمحصلة في تفكيك كيان الدولة والمجتمع العراقي بما يخدم توجهات تلك الدول الاقليمية والدولية.
أن أغلب جماهير شعبنا العراقي من قادة وكوادر واعضاء الاحزاب السياسية الوطنية العراقية يرفضون هذا النهج الخطير واللامشروع، وعليه سوف ينتصر الخيار الاول، الخيار الشعبي الوطني والديمقراطي، الأمر الذي يقودنا بطبيعة الحال الى أثارة الكثير من التسأولات ومنها، هل توجد ديمقراطية حقيقية في العراق لمرحلة مابعد 9/4/2003، لاسيما اذا علمنا ان مستقبل الديمقراطية في العراق رهين بموقف قادة الاحزاب السياسية العراقية فلا ديمقراطية بدون احزاب ديمقراطية ولاديمقراطية شعبية بدون دولة ديمقراطية حقيقية. وعليه فالمستقبل القريب سيكشف لنا كثيراً من الحقائق.
مصادر البحث:
1- المعجم الفلسفي المختصر، دار التقدم، موسكو، 1986، ص 224-225.
2- زبيغنيو بريجنسكي، رؤية إستراتيجية، أمريكا وأزمة السلطة العالمية، ترجمة: فاضل جتكر، بيروت، 2012،ص 62.
3- المصدر السابق، ص 52.
4- د.رجب بودبوس، العولمة بين الانصار والخصوم، بيروت، 2002،ص 51.
5- طريق الشعب 10/10/2007.
6- د.عبد الحي زلوم، أزمة نظام الرأسمالية والعولمة في مازق، عمان، 2009، ص 53.
7- د.رجب بودبوس، العولمة بين الانصار والخصوم، بيروت، 2002، ص 114.
8- طارك فلورباييه، الرأسمالية أم الديمقراطية- خيار القرن الواحد والعشرين، ترجمة: عاطف المولي، الجزائر، 2007، ص 43.
9- د.عبد الحي زلوم، أزمة نظام، مصدر سابق، ص 54.
10-المصدر السابق، ص 52.
11-المصدر السابق، ص 148.
12-د.نعمان عبد الرزاق السامرائي، قراءة في النظام العالمي الجديد، لندن، 2002،ص 36.
13- د.عبد الحي زلوم، أزمة نظام، مصدر سابق،، ص 121-122.
14- جريدة البينة الجديدة، 16/10/2011.
15- جريدة معاً نحو الحرية،1/10/2011.
16- جريدة البينة الجديدة، 27/9/2010.
17- مجموعة باحثين، استعادة التوازن، ترجمة: سامي الكعكي، بيروت،2009،ص 72.
18- موسى فرج، قصة الفساد في العراق، دمشق، 2013، 401.
19- جريدة طريق الشعب، 10/9/2012.
20- جريدة المدى، 25/9/2007.
21- جريدة طريق الشعب،2/10/2007، وجريدة الصباح، 10/3/2008.
22- جريدة الصباح، 1/10/2007.
23- جريدة المدى،29/10/2007.
24- جريدة طريق الشعب،15/12/2010.
25- موسى فرج، قصة الفساد في العراق،مصدر سابق، ص 480.
26- جريدة المدى،16/5/2011.
27- جريدة المدى، 11/5/2011.
28- جريدة طريق الشعب، 26/4/2011.
29- البينة الجديدة، 2/5/2011.
30- جريدة المدى،3/5/2011
31- موسى فرج، قصة الفساد في العراق، مصدر سابق، ص 79.
32- المصدر السابق،، ص 334-335.
33- المصدر السابق،، ص 386
34- المصدر السابق،ص 115.
35-المصدر السابق، ص 148.
36- قاسم البغدادي، اللعبة الأمريكية-قناع- ضياع- جياع، بدون دار نشر، 2010، ص7.
37- مجلة الثقافة الجديدة، العدد 342، السنة 2011، ص 20.
38- جريدة طريق الشعب، 25/3/2013.
39- مجلة الثقافة الجديدة، العدد345، السنة 2011، ص 49.
40- زبيغنيو بريجنسكي، رؤية إستراتيجية- امريكا وازمة السلطة العالمية، ترجمة: فاضل جتكر، بيروت، السنة 2012، ص 52.
41- المصدر السابق، ص 62.
42- د. عبد الحي زلوم، ازمة نظام، مصدر سابق،ص 48.
43- جوزيف ستيغلتز، حرب الثلاثة تريليونات دولار، بيروت، ترجمة: سامي الكعكي، 2009، ص 60.


بـغـداد







اخر الافلام

.. أبرز محطات إدارة ترمب في الأيام المئة الأولى


.. هل يطبق النظام الفدرالي في اليمن؟


.. نافذة من فرنسا - الطريق إلى الإليزيه 23-4-2017 (التاسعة)




.. مرآة الصحافة الأولى 24/4/2017


.. موسكو: تفجير لوغانسك يهدف لعرقلة التسوية