الحوار المتمدن - موبايل



دفاع عن هيجل

بتول قاسم ناصر

2013 / 10 / 31
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


انتقد هيجل كثيرا وهوجم بكونه ممثلا للغطرسة الأوروأمريكية التي تملأ الدنيا مكابرة ومعاندة وغطرسة ، والتي تدور حول محور التجارة والحرب والاحتكار في خدمة القارون الأعتى والأغلب والأقهر. وبين منتقدوه إن الاعتقاد بعصمة الفلسفة الأوربية والقيادة التاريخية الأوروامريكية لايؤدي بالتاريخ الا بالذي هو فيه الآن : مدن وأقطار وقارات ومنظومات شمسية متحفزة للتقاذف بالصواريخ وأعتدة الإبادة التي لا تبقى ولا تذر. وقد وصف بعض هؤلاء هيجل بالغافل الأكبر الذي عميت بصيرته عن جميع الحقائق وأنه عدو الحكمة الذي خرب الفلسفة ، وأنه صديق الأشرار الهتلريين والفيتويين سادة العالم، وأنه لم ينصف نفسه وفلسفته من نظرته الى الشرق وصدر عن الغرور الغربي المبرر بالنهضة ، وأنه لم يجعل بينه وبين الكلي المطلق المجرد الا الكلي المطلق المجرد، وأنه قال بنهاية التاريخ الذي لانهاية له ، وأنه ، وأنه ... ولقد انتقد غير هؤلاء الفلسفة المثالية لهيجل ، وتراوحت لهجة الانتقاد بين نقد موضوعي علمي تفحص تلك الفلسفة بعمق وببصيرة ، ونقد حاد جانب الموضوعية لم يبق لهيجل ولم يذر وهو موقف كل الذين يعرضون عن الفلسفة المثالية التي يعد هيجل من حاملي أمجادها . ولقد شاع في ثقافتنا العربية أن الفلسفة المثالية – نظريا - أوهام وخيالات – وعمليا – رجعية محافظة ، وأنها سلاح بيد الأنظمة المتخلفة والبرجوازية. أما الفلسفة التجريبية أو الوضعية او المادية فهي وحدها التي ترتبط بأرض الواقع الصلبة وتساير التقدم والتطور وتناصر الثورات والثوار. ولهذا يعد الصدور عن الموقف العام للمثالية سبة وتتعرض طروحاتها للنبذ والاستهانة(1). فالقول بوجود علة عاقلة للكون هي الكلي المطلق المجرد ، وأن المادة خرجت عنه وأنه سابق عليها ، وأن هنالك غاية للتطور ، وغير ذلك من أفكار وصفت بأنها تخدم أهدافا سياسية رجعية وبرجوازية وأنها تنصر الحكام الأقوياء. ولقد حاربت الأفكار الثورية الفلسفة المثالية من خلال هذا الفهم ونفر منها الثوريون وما ذلك الا لنفرتهم من بعض من ينصرون الفلسفة المثالية من الحكام والأقوياء الذين فسروا مقولاتها تفسيراً يخدم مصالحهم. والحق إن الكلي المطلق المجرد الذي تؤمن به المثالية هو مع الثوار أنصار الحق الذين يسارعون في الخيرات وهو مع الفقراء والمساكين والصادقين الذين لا يرجون علوا في الحياة الدنيا. وما كان الكلي المطلق المجرد يحب المستأثرين المستكثرين الطاغين المتغطرسين الذين يخضمون مال العباد خضما فيزيدون الجائعين جوعا والمحرومين حرمانا ، الذين يدعون أنهم يؤمنون بالكلي المطلق المجرد وأنه يحبهم لذلك مكنهم من رقاب العباد. وقد رد على هؤلاء الأدعياء بعض من أصحاب الفكر الثوري - منطلقين من ردة فعل معاكسة - بإنكار وجود المطلق المجرد . وحقيقة الأمر أن هؤلاء أرادوا أن يحاربوا أدعياء المثالية او المثل ، ولكنهم أخطأوا في التصويب الى الهدف ، فسددوا رميتهم الى الكلي المطلق المجرد وأخطأوا في التفسير والتعبير عن مقاصدهم .
• ألا وإن هيجل هو العارف الكبير الذي وصف الحقيقة ودنا منها ، وليس هو عدو الحكمة الذي خرب الفلسفة ، وما هو بالغافل الأكبر الذي عميت بصيرته عن جميع الحقائق .
• وكيف يكون صديقا للأشرار والهتلريين الفيتويين القاهرين المستاثرين أعداء الفقراء المساكين بعد أن بين أن موضوع الإرادة العاملة الفاعلة في العالم ، المحركة للتاريخ هو الخير ، وأنها ترتبط بما تراه حقا وواجبا وتسعى الى تحقيقه. وقد بين أن أفعال الإرادة تعبر دائما عن الخير الذي عبر عنه بالكلي ، وأن الإرادة قد تكون تعبيرا عن الأهداف الشخصية التي تتعارض مع القيم العليا التي يمثلها الخير ، فهنالك الكثير من القوانين الجائرة ، وأمثال هذه ليست نتاجا للكلي بل هي تجليات لغيره ، لغير الخير. ومن هنا فإن القانون الذي وضعته مصالح طبقة خاصة مستأثرة أو مصلحة شخص واحد كهتلر ، لم يصدر عن الماهية الكلية للعقل اوالروح وإنما عن الأهداف الشخصية والرغبات الأنانية التي تتعارض مع الكلي الذي تعيه الإرادة وتعبر عنه .
• أما أنه لم يجعل بينه وبين الكلي المطلق المجرد الا الكلي المطلق المجرد ، فلأن منهجه الجدلي يصف تطور المطلق ، وهو يتعقب هذا التطور في خطواته الصاعدة ، وأن الخطوة الأخيرة لتطور المطلق في (فلسفة الروح) تتمثل بالفلسفة ، إذ إن العقل الفلسفي هو التجلي الكامل للمطلق ، وهو يرى الى فلسفته بأنها تمثل المعرفة الأخيرة بالمطلق ، ومن حقه أن يرى ذلك في فلسفته وأن يقول ذلك عنها . ومن حقنا ألا نقول ذلك عنها وأن نتجاوزها. ونحن نقول إن عليه مآخذ تتصل بالفكرة النظرية والتطبيق .
• وأما أنه لم يأت بجديد لا في النظر الى الفلسفة ولا في النظر الى الفن والمسألة الجمالية غير أن جمع بين افلاطون وأرسطو ، فنقول : إن التأثير واقع في البحث الفلسفي ولا يأتي الفيلسوف أو المفكر من فراغ فإنه لكي يكون له موقف من الأفكار والفلسفات الموجودة فلابد من أن يجوس خلالها ويتفحصها ويأخذ منها ويضيف إليها ، ويترك ويبني ويهدم . ولقد ذكرت الدراسات مصادر التكون الفكري لهيجل وهي : اللاهوت والفلسفة القديمة والحديثة ثم تيار العصر (2). ولقد تأثر بهذه المصادر وأخذ الا أنه لم يخضع للأفكار التي تأثر بها ولم يسمح لها أن تطغى عليه ، فقد أثبت وجوده بينها واستطاع بعبقريته الخلاقة أن يتمثل هذه الفلسفات ثم يقدمها فلسفة جديدة من خلال منهجه الجدلي الذي يرجع الى إبداعه هو. إن الفلسفة عند هيجل كل متصل تدفعه ضرورة داخلية : ((فكل فلسفته كانت ولا تزال ضرورية ، وبالتالي فليس منها ما اختفى و زال وإنما تجدها عناصر إيجابية في كل واحد .. وآخر فلسفة هي نتيجة لجميع الفلسفات السابقة.)) والفلسفة في تطورها تشبه الشجرة في نموها .. فنمو الشجرة يعني اختفاء البذرة ، فهي تتحول الى وريقات صغيرة ثم يكون نمو الزهرة سلبا لهذه الوريقات فهي تعلن أن هذه الوريقات ليست هي الصورة الحقيقية للشجرة ثم تجيء الثمرة بعدئذ فتعلن بوجودها، إن الزهرة صورة زائفة من صور وجود النبات : ((ومع ذلك فلم يكن في استطاعة أي منها أن يرى النور ما لم تتقدمه جميع المراحل السابقة)) فإذا كانت فلسفة هيجل ((ثمرة)) لتأريخ الفلسفة فهي تحمل في جوفها مباديء الفلسفات السابقة كلها ، وكان يعد منهجه الجدلي امتدادا وتطويراً للجدل القديم(3).
• ولقد ذكر منتقدو هيجل أنه لم ينصف نفسه وفلسفته من نظرته الى الشرق وأنه صدرعن الغرور الغربي المبرر بالنهضة وعواملها والاصلاحات الدينية والديمقراطية ، وقد أكل من حصرم الغطرسة الجرمانية المطلقة حتى ضرس بفعلته هتلر وضرست معه الجرمانية الفاضلة الجليلة وأنه وقف مكسور الظهر تحت أمجاد الفخفخة الجرمانية والتأريخ الجرماني المجيد يمنن ويباهي ويستكثر ، وقد أعمت العنجهية بصيرته عن كل الحقائق المطلقة . ولقد هاجمه الذين انتقدوا (مركزية الفكر الغربي) - في مبادئها الفلسفية وفي ممارساتها الفعلية – من حيث الموقع الذي أعطاه للعقل وأنه عده القوة التي تنظم شؤون العالم (وهذه كانت الفكرة المركزية التي هيمنت على الفلسفة الغربية قديمة وحديثة) كما يرون . والحق أن الدعوات التي هاجمت مركزية العقل من خلال مهاجمة مركزية العقل الغربي إنما هي دعوات عدوة في ثياب صديق ، غايتها أن لا يبقى سند للحقيقة والقضاء على المرجعية العقلية وإحلال الشك محل اليقين فلا يقين ولا حقيقة ولا معرفة . ولقد هوجم هيجل في دراسته للتاريخ الذي هو عرض للروح او الفكر او الحرية ، إذ قرر أن العالم الشرقي لم يصدر عن وعي كامل بالحرية ، ولقد أخذوا عليه أنه صدر عن وجهة نظر مركزية العقل الغربي وأنه كشف عن ممارسة المركزية الغربية القمعية لغيرها واعتمادها مبدأ مصادرة الغير ومحاولة صياغته صياغة غربية والا وجهت اليه شتى أنواع التهم ووصفته أوصافا قاسية . ونقول إنه ناقش (مبدأ الحرية) الذي رأى أن التاريخ عرض له من حيث كونه نمط وجود ومصيرا اجتماعيا ، أي من مستوى الحقيقة التاريخية ، من خلال تغلغله في جميع الدساتير والنظم والعلاقات الاجتماعية والسياسية ، ومن خلال تحققه نظاما سياسيا في الدولة الذي يعبر عن التحقق الفعلي للحرية تاريخيا . ومن هنا عارض كون الحالة الطبيعية الأولى للمجتمعات البشرية كانت تعبر عن حرية الإنسان ، وقد قيدت هذه المجتمعات هذه الحرية وحدت منها بما وضعته من نظم وقوانين وتشريعات مختلفة . وهو ينتهي من تحليله للمجتمعات البدائية الأولى الى القول بأن الفكرة المستخلصة من تاريخها هي أن الإنسان في بداية تاريخه كان يرزح تحت نير الرق والظلم والعبودية ، أي انه لم يكن حرا. وان تقدم التاريخ يعني تقدم الوعي بالحرية على مستوى النظم والمؤسسات وليس على مستوى الأفراد لأن رغبات ومصالح الأفراد تتعارض وتتصادم وأن التاريخ يستفيد من هذا التعارض والتصادم ليتقدم ، وأن سيادة أفكار نظم محدودة لا يعني التعبير عن وعي أفراد المجتمع جميعا كما حدث في المجتمعات البدائية التي تعبر أنظمتها الحاكمة عن وعي شخص الحاكم الذي كان وحده حرا دون بقية الناس. فالقول بأن الإنسان في هذه المجتمعات كان يمارس حريته ويستمتع بها من غير عائق حالة غير موجودة ولم تحدث بالفعل في أي وقت مضى كما يقول .
ولقد ذهب بعض دارسيه الى وجود ثغرات في فلسفته للتاريخ ، منها أنه يقول إن البرهان على القضية الأساسية التي يسوقها وهي (العقل يحكم التاريخ) ينتمي الى مجال الفلسفة النظرية بصفة عامة والمنطق بصفة خاصة ، فكيف يمكن في هذه الحالة أن يقول إنها مستخلصة من دراسته لتاريخ العالم ، وإننا لو درسنا الوقائع التاريخية فسوف يتمثل التاريخ أمامنا بوصفه مسارا عقليا؟.. ويبدو من هذا واضحا - كما يبينون - أن هيجل قد عرف الشيء الكثير عن المسار الذي ينبغي أن يسلكه التاريخ قبل أن يعرف أية وقائع تاريخية في الإطلاق ، فهو يعرف مثلا أن التاريخ ينبغي أن يكون تحقيقا تدريجيا للحرية ، ويعرف كذلك أن هذه العملية يجب أن تتم في مراحل متمايزة واذا اقتضى الأمر فإنه يقدم براهين فلسفية لهذه القضايا لأنه يعلم منذ البداية أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية (4). وإذا كان يعرف منذ البداية أن التاريخ هو تقدم الوعي بالحرية فان المراحل التي تمثلها لابد من أن تكون مراحل تدريجية في تقدم هذا الوعي ، بمعنى أن الشرق لابد من أن يكون ممثلا لمرحلة دنيا عما تمثله الحضارة اليونانية لا لأن وقائع التاريخ تقول ذلك بل لأن سير الوعي يحتم ذلك(5). ويفهم من هذا الانتقاد أن هيجل يفرض فكره الفلسفي على التاريخ وأنه يأخذ من التاريخ ما يؤكد أفكاره. ولا ضير في أن ينطلق المؤرخ من فكر فلسفي يعينه على سبر القوانين التي تحكم تطور التاريخ وتوجه أحداثه وأن يعمل على اكتشافها في التاريخ مثلما يعمل على اكتشافها في كل جوانب الوجود ، فالفلسفة نظرية مجردة وهي شاملة في مجال التطبيق. ولقد حاول هيجل أن يكتشف المنهج الجدلي الذي وصفه في مجالات كثيرة منها التاريخ ، ولا ضير في ذلك كما قلنا إنما الضير في أن يفرض أفكاره على التاريخ والواقع عندما لا يستجيب التاريخ والواقع لهذه الأفكار. وهو يبين في دراسته الفلسفية للتأريخ أن فلسفة التاريخ تابعة للمعطيات التاريخية ومستخلصة من وقائع التاريخ بحيث تكون هذه الوقائع أساسها ومرشدها. ولا ضير في أن يذهب المؤرخ وفي رأسه مجموعة من الأفكار القبلية ولكن دون محاولة منه في أن يلوي أحداث التاريخ لكي تتفق مع هذه الأفكار ، فهو ينفي نفيا قاطعا هذا الاتهام الذي يوجه الى الدراسة الفلسفية (6).
• ولقد قيل إن تطبيق هيجل لمنهجه الفلسفي عليه اعتراض. وإن المنطق الهيجلي صحيح بصفة عامة لكن تطبيقاته مع مالها من قيمة كبيرة ، مشكوك في صحتها ، إذ يبدو أنها غير مقنعة تماما ، فالقسم الصحيح من فلسفة هيجل هو المنطق ويشك في صحة التطبيق. لقد شرح في المنطق منهجه ولم يطبقه ، ثم طبق المنهج على موضوعات عينية في فلسفة الطبيعة وفلسفة الروح ، فهذه تطبيقات للمنطق او هي المنهج الجدلي مطبقا على موضوعات عينية . وفلسفة التاريخ تطبيق هي الأخرى لهذا المنهج نفسه ، ولا نستطيع أن نفهم نظرية التطور التاريخي دون الإشارة الى منهجه الجدلي أو منطقه ، وأن خطوات التأريخ تسير مترسمة خطى المنهج الذي يعبر عن طبيعة العقل وهو المنهج الجدلي أي ان نظريته التأريخية تعتمد على نظريته الفلسفية (7).
ومع أن الاعتراضات على تطبيقه منها ماهو صحيح الا أننا نستطيع أن نعرض عن تطبيقاته ونستطيع أن نطبق أفكاره تطبيقا صحيحا.(8) ولقد قيل بعد وفاته إنه لو عاش وأراد الكتابة في جدل الطبيعة لانهالت عليه الحقائق من كل صوب(9). فأفكاره قابلة للاكتشاف في عينات تجريبية لم يعرفها هو.
ولقد أنكر منتقدو هيجل عليه أنه يقول بنهاية التاريخ ، ويرون - منتقدين له- أن حوادث التاريخ الإرادي لا تفنى ولا تستحدث ، وأنها محكومة بحركة دائمة مؤبدة من جميع الجهات الى جميع الجهات. ولا تكون الا في هذه الطبيعة التي لا تكون الا في هذا التأريخ الذي لا حدود له ولانهاية للصراع فيه . وان دعواه بنهاية التاريخ وبلوغ الغاية الخالدة دعوى تقوم عليها وبها جميع حجج الملل والنحل والفرق والمذهب والمدارس والأحزاب والاتجاهات ، ركنا لازما واجبا من أركان سلامة العقيدة وصحة الإيمان وآية من آيات الإخلاص والولاء والانقياد للنظم العقلية . وهنا نسأل هل يضير الفلسفة أن مصادر الإيمان تؤيدها وأنها تلتقي عليها وبها جميع حجج الملل والنحل والفرق والمذاهب والمدارس والأحزاب والاتجاهات ، ولم لا تكون مصادر تعزيز لها ، ولم لا نضع أمامنا أن نتائج العلوم تؤيدها كذلك ، وهكذا تلتقي عندها المعرفة الدينية والمعرفة العلمية ، وهذا يؤكد أنها تمكنت وحفت بالتأييد.
إن سبب عدم رضا منتقدي هيجل عنه أنه تؤيده العقائد والنظم العقلية أو أنه يؤيدها ، وهذا يذكرنا بموقف الماركسية منه فلقد خرجت على مثاليته وروحانيته ولم ترض عنه على الرغم من تأثرها به ، وإن الجدل لديها يرد الى منطقه وان ماركس وصفه بالمفكر العملاق وقال إنه يعد نفسه تلميذا له وأغلظ القول لمن استهان به ، وكان يرى هو وانجلز في جدل هيجل (أوسع مذهب من مذاهب التطور وأوفرها مضمونا وأشدها عمقا وأثمن اكتساب حققته الفلسفة الكلاسيكية الألمانية...) وكانت كل صيغة أخرى لمبدأ التطور تتراءى لهما وحيدة الجانب فقيرة المضمون ، تشوه وتفسد السير الواقعي للتطور..في الطبيعة والمجتمع وكان ماركس يقول دائما : (إن الإطار المثالي الذي غلف الجدل الهيجلي ، لم يمنع هذا الرجل مطلقا من أن يكون أول من عرض الصورة العامة للجدل بطريقة واعية وشاملة) بل نراه قبل إصدار كتاب (رأس المال) يعيد قراءة منطق هيجل ويقول عنه في رسالة الى انجلز : (إنه خدمني خدمة كبرى) . ولقد لخص انجلز رأي الماركسية في عبارة جامعة مختصرة جدا : (من المستحيل ان نستغني عن هيجل) فهو على حد تعبيره ((ملحمة جدلية)). ولقد عكف لينين الذي أخذ على عاتقه إقامة المجتمع الشيوعي لأول مرة والتطبيق العملي للماركسية – على قراءة مؤلفات هيجل في سنوات التحضير للثورة لإعداد نفسه فلسفيا ، وخرج بنتيجة مفادها أنه يستحيل استحالة قاطعة فهم (رأس المال) لماركس مالم يدرس منطق هيجل ويفهمه كله. ولهذا فقد مضى نصف قرن من الزمان ولم يفهم ماركس واحد من الماركسيين- كما يقول – . ولهذا يحرص على علاج هذا النقص عند الماركسيين بعد الثورة فكان أهم ما يشغله هو إرساء قاعدة فلسفية متينة للمجتمع الجديد فكتب يدعو الى إقامة هذه القاعدة ويرى أنه ليس من سبيل الى تحقيق هذه الغاية الا اذا تضافرت جهود المثقفين والمفكرين والكتاب للقيام بدراسة جادة وواعية للجدل الهيجلي وتفسيره تفسيرا ماديا (10). وهذه هي الغاية التي كرست الماركسية جهدها لها ، فعملت على تطبيق الجدل الهيجلي تطبيقا ماديا وحاولت البرهنة على أن العقل قد انبثق من المادة . وكانت محاولة نحس أنها تجهد نفسها في تأكيدها ، وأنها تضعف أمام المحاولة ، ولكن ما تصنع ، إنها لا ترضى للجدل أن يؤيد الدين الذي ناصر – بشخص ممثليه – الحكومات والنظم الظالمة الفاسدة التي أحكمت قبضتها على أعناق الشعوب،واستأثرت بالخيرات وذهبت بها وحدها .. إنه نوع من ردة الفعل ، وإلا فإن الماركسية لا تختلف مع هيجل ومع الدين ، وإن السلام والعدل الاجتماعي وكل المثل العليا التي تناضل من أجل إحقاقها في الأرض إنما هي أوصاف لله الكلي المطلق المجرد ، فهي إذن مؤمنة به لا بل انها من أحسن المؤمنين وما هي الا خطوة واحدة تخطوها الماركسية حتى تتم المصالحة بينها وبين الدين. وهي خطوة سهلة ترتد بها الى الوراء الى هيجل ، الى المصدر الذي صدرت عنه . ولقد آن الأوان للماركسيين أن يراجعوا مبادئهم ويعيدوا النظر في موقفهم من الدين ، فما عاد أفيوناً للشعوب بل هو محرك للشعوب ومفجر للثورات وهذا الأمر اعترف به قادة الاتحاد السوفيتي السابق بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران ، فلقد أدهشهم ان تكون للدين هذه القوة الجبارة التي تمكن الشعوب من اقتلاع أعتى الأنظمة الغاشمة في حين لا تستطيع ذلك أقوى الأفكار الثورية وأكثرها انتشارا. ولعل موقف الماركسية من الدين هو الذي يجعلها تعجز عن التغيير والوصول الى حكم الشعوب المسلمة ، فهنالك دعاية مضادة لها تؤلب الشعوب عليها إن تمكنت من الوصول الى الحكم . وإن استطاع الماركسيون أن يخطوا هذ الخطوة الجبارة (السهلة في الوقت نفسه) ليتصالحوا مع الدين لكان ذلك في مصلحتهم كثيراً ، وما هي الا خطوة يخطونها الى هيجل – كما قلت – الى المبدأ الذي بدأ به الجدل لديه ، الى الفكر والعقل والروح بوصفها منطلقا للجدل ، وأن يعيدوا اليه الاعتبار ويعترفوا بأن الجدل لديه كان يقف على قدميه وقفته الصحيحة منتصبا شامخا تؤيده الأديان ، متفقة معه على أن العقل يسبق المادة وأنه منطلق لها والحاكم عليها.
إن العقل يحكم على المادة ، والإنسان ينظم الواقع على وفق متطلبات تفكيره العقلي الحر بدلا من الاكتفاء بتشكيل أفكاره على وفق النظام القائم والقيم السائدة. ولما كان الإنسان موجودا مفكرا فإن عقله يتيح له أن يتعرف على إمكاناته الخاصة وعلى إمكانات عالمه ، ومن ثم فهو ليس واقعا تحت رحمة الوقائع المحيطة به بل في استطاعته أن يعرف الواقع ، ومن ثم يسعى الى تغيير الواقع الى أن يصبح متمشيا مع العقل (11). وبهذا فهو يسبق الواقع ويلغي الواقع دائما ويغيره ، وان كل تغيير وكل تقدم للواقع وللتاريخ يعبر عن تحقق أعلى للعقل ، والتاريخ بأسره هو تقدم العقل او الوعي.
ليس العقل أو الفكر نتاجا للمادة بل العكس ، لأنه لا يمكن تصور المادة بدون استخدام لمقولات الفكر. إن الشي ء يعرف بالفكر ، فالفكر سابق عليه أسبقية العلة على المعلول. والفكر هو العلاقات الكائنة بين الأشياء أوالتي نكونها عن الأشياء ونربط بها بينها والتي من خلالها نعرفها ، فالمعرفة إدراك العلاقات التي بين الأشياء ، وليس هنالك معرفة بلا علاقة بلا توسط – كما يذهب هيجل - . لا نستطيع أن ندرك الا الموضوع المغلف بالكلية ، لا ندركه إلا في طبيعته الكلية ، مرتبطاً بغيره من الموضوعات ، متوسطاً ، ولا وجود لمعرفة مباشرة بلا توسط . إن الأشياء والظواهر جزئية .. كل شيء هو نفسه وليس الآخر ، هو سلب الآخر. ولايكون هو مجتمعا مع غيره الا في الفكر والمعرفة ، الا في العلاقة ، فالحقيقة هي العلاقة ، والأشياء تسمى بالعلاقة ولأن الشيء يسمى بالعلاقة فالعلاقة سابقة على الشيء والعلاقة موطنها العقل ، فالعقل سابق على الشيء الذي يسميه ، العقل إذن أو الفكر سابق على المادة ...
• ماذا عن التاريخ الذي قال هيجل بنهايته وهو لا ينتهي كما يقول منتقدو هيجل ؟... قلنا من خلال هيجل إن العقل علاقة ، العقل هو أداة لأدراك الوحدة القابعة وراء الاختلاف ، هو الذي يجمع بين المختلفات – وهنا تتجلى عبقرية اللغة العربية وهو أمر نود أن ننوه به ، فالعقل فيها هو الجمع ، وكأن واضعها أدرك أن العقل والفهم والفكر هو الجمع والعلاقة. ومثل هذه القدرات للغة التي وجدها الباحثون قد قادتهم الى الإيمان بنظرية التوقيف الإلهي في اللغة – فمن أين عرف واضع اللغة أن العقل جمع وعلاقة لو أننا سلمنا بنظرية الوضع والتواضع الاجتماعي لا التوقيف في اللغة ؟ ..العقل إذن هو الذي يجمع بين المختلفات ليعرفها . ولكي يجمعها ينتقل من الشيء الى ضده ، يجمعه إليه ، وهاتان خطوتان الى المعرفة، وتمثل الخطوة الثالثة مرحلة الجمع بينهما ، المركب منهما ، العلاقة بينهما ، وهي مرحلة الفهم أو المعرفة أو العقل .. هذه الخطوات تتعاقب والتعاقب تاريخ ، فالتاريخ إذن رحلة العقل في سبيل المعرفة ، الخطوات التي يخطوها من أجل ذلك .. الخطوة الأولى وجود مباشر غير متعين ثم انتقال الى الضد ، ثم المركب او العلاقة وهي وجود متعين للنقيضين ، وهذا هو تاريخ الأشياء ومنه حوادث التاريخ الإرادي التي قال منتقدو هيجل إنها لا تفنى ولا تستحدث . إن النظرة الحقيقية للشيء ((هي أن ننظر اليه على أنه (تاريخ).. لأن تاريخ الشيء هو وحده الذي يكشف عن حقيقته ، ويقصد بالتاريخ هنا تاريخ تكوينه))(12). إن تعريف الشيء هو تتبع تأريخي لتكوين الشيء ، الكشف عن الكفاح الذي قام به حتى يتمكن من تأكيد وجوده. وهنا نرد على الأفكار التي تنطلق في دراستها لحقائق الأشياء من إغفال التاريخ كالبنيوية ، فحقيقة الأشياء تاريخها ، الخطوات التي تخطوها لتؤكد وجودها ، ولا وجود لها خارج هذه الخطوات . إن الخطوة الأولى او اللحظة الأولى من لحظات تاريخ الشيء هي وجوده غير المتعين أو غير الظاهر ، وجوده الكامن ، وهذا يسميه هيجل الفكر الخالص أو المضمون أو الماهية أو الروح ، ثم يصبح وجودا ظاهرا أو وجودا متعينا أو ماديا من خلال جمعه بغيره. ومعنى أنه يصبح وجودا متعينا أنه يعرف ، ولما كان تحديد الوجود او المعرفة هي غاية الحركة ، فإن الحركة تتوقف عند الخطوة الثالثة ، فتاريخ الشيء يتوقف عندها ، وهي لحظة عودة التاريخ الى المبدأ الذي منه بدأ ، لأن المبدأ يظل غير متعين أو غير محدد حتى بلوغها ، وهي بذلك لحظة انطباق النهاية على البداية انطباق الوعي على مضمونه. هل يعني هذا أن تحقق الأشياء أو تعينها يعني نهايتها ونهاية تأريخها ؟ يقول هيجل إن الخطوة الثالثة والأخيرة في تأريخ وجود الأشياء هي خطوة أولى في مثلث آخر. وهكذا تدخل الأشياء في سلسلة من العلاقات (أو المثلثات) المتكاثرة التي تؤكد اتصال مسيرة التاريخ وتطورها بتجاوز لحظاتها المتولدة باستمرار والتي تمثل الأشياء أو تمثل تأريخ الأشياء مادامت الأشياء عبارة عن تأريخها.
التأريخ إذن رحلة العقل الى المعرفة وتعبير عن هذه المعرفة ، واذا كان ذلك ما هي حوادث التاريخ الإرادي ، أي التاريخ الذي تصنعه الإرادة الحرة للإنسان ، ماهي الإرادة الفاعلة في التاريخ المحدثة له ..؟ يبين هيجل أن الإرادة معرفة ولكنها معرفة عملية إنها الذهن العملي أو العقل العملي. والفراق بين المعرفة والإرادة ، إن المعرفة تأخذ الموضوع كما هو ، والإرادة تحاول تغييره أو تشكيله. تشكيل العالم بنشاطها الخاص ، فمما يضاد طبيعة الإرادة أن تجد العالم على نحو لا يتفق معها ثم تتركه على ما هو عليه فهي تسعى لتشكيل العالم ليتفق معها. إن الإرادة هي الأنا الفاعلة ، الأنا المفكرة هي المعرفة . والإرادة لا تبلغ ما تريده دفعة واحدة ، ولهذا فهي تعاني من نقص الإشباع في الإرادة حتى تتجلى في العالم كاملة. إنها تحول الوعي الى واقع ، تجلي الفكر في العالم الخارجي ، توجد نفسها في العالم الخارجي ، وتتأمل نفسها على نحو موضوعي.
وليس العالم الخارجي الذي نتحدث عنه هو عالم الطبيعة فهذا عالم موجود بالفعل ، ولكنه العالم الموضوعي الذي تخلقه الإرادة لذاتها لكي تصبح موضوعية . إنه ما عبر عنه المنتقدون لهيجل بحوادث التاريخ الإرادي ، وهو عالم المنظمات والمؤسسات والأعراف والعادات والحقوق والواجبات ، إنه عالم الدول وهذه عبارة عن العقل أو الوعي أو الروح وقد أصبح صلبا ، أي الروح او العقل أو الوعي الموضوعي . إن كل دولة تمثل مرحلة من مراحل تحقيق الإرادة لمعرفتها ، مرحلة من مراحل سير المعرفة ، فكل دولة تجسد فكرة محدودة ، كل دولة تجسد مرحلة جزئية من الفكرة الكلية التي تفض نفسها في التاريخ في مراحل مختلفة من الزمان. وهذه المراحل المتتالية تشكل تاريخ العالم. فهذا التاريخ لا تحكمه الصدفة أو القدر الأعمى ولكن تحكمه الروح أو العقل الخالد وهو تطور عاقل (13) ، تطور فعل الإرادة العاقلة حتى تحقق نفسها فيبلغ تاريخ فعل الإرادة نهايته وهذا يعني أن التاريخ له نهاية .
إن ما يكتب عن هيجل إنما هو مظهر من مظاهر الاختلاف بين المتحمسين لمنطقه والمعارضين له. وهذا الاختلاف -كما قيل- دليل خصوبة هذا المنطق وعمقه. فالفكرة الخصبة المنتجة تؤدي الى فكرة مؤيدة او معارضة ، وإن خصوبتها لا تعني أنها حقيقة نهائية، ولكنها توحي بأفكار أخرى. ولقد أفاد المنطق الهيجلي خصومه وأنصاره على السواء. ولقد ثار عليه خصومه وهاجموه بعنف حد التعصب والخروج الى آفاق من الشطط ، وأمعنوا الفكر بطرق شتى في الشروح المختلفة التي ساقها لمنهجه حتى عدّوه مجموعة من الأخطاء المنطقية والاستنتاجات الفاسدة التي يغلب عليها التصنع والافتعال. وقالوا إن المعنى الحقيقي للجدل الهيجلي غير واضح في الإطلاق ، حتى بالنسبة للذين قضوا مدة في محاولة دراسته دراسة متعاطفة . ولكن هؤلاء الخصوم تأثروا به - كما قلنا - وردة الفعل عليه هي مظهر من مظاهر التأثر به . تأثرت به تيارات فكرية متعددة ومدارس فلسفية متباينة تتفق فيما بينها على أنها جميعها تقف على أرض هيجلية. ولا تكاد تجد من الفلسفات التي ظهرت بعده لا تبدأ منه سواء أكانت مناصرة له أم معارضة. فالماركسية والوجودية والبرجماتية والبنيوية وما بعد البنيوية ، وهي من أهم اتجاهات الفكر الحديث كلها تبدأ منه وتتأثر به بشكل أو بآخر ، فهو أبو الحداثة ، وهو الذي وضع الأسس التي نشأ بالاستناد اليها العقل الحديث بما هو حديث . ولم يقتصر الأثر الهيجلي على ميدان الفلسفة وحدها. وإنما تعداها الى غيرها من المجالات الكثيرة في الأدب والتاريخ والسياسة والدين والفن وتأريخ الفلسفة . ولقد راجعوا نتائج العلم في ضوء أفكاره ، فلقد وضع فلسفة تتسم بأنها شاملة في مجال انطباقها. وإن فكرة النسق الكلي التي هي مشروعه الفلسفي ترسم مثلا أعلى تتطلع المعرفة في كل ميادينها الى الوصول اليه (14).

الهوامش
1. ينظر: محاضرات في فلسفة التاريخ ، الجزء الأول (العقل في التاريخ)/ج.ف.ف.هيجل /ترجمة دكتور إمام عبد الفتاح إمام/دار الثقافة للطباعة والنشر/القاهرة /1974/ص(أ).
2. ينظر: المنهج الجدلي عند هيجل ، ولتر ستيس ، تأليف إمام عبد الفتاح إمام ، دار التنوير للطباعة والنشر/بيروت-لبنان/الطبعة الثانية ،1982، ص 32-81.
3. ينظر المصدر نفسه، ص 41-42.
4. ينظر محاضرات في فلسفة التاريخ ..ص 46.
5. المصدر نفسه ص 47.
6. نفسه ص 24-25.
7. ينظر/ المنهج الجدلي لهيجل ص(338)
8. استعنت بالمنهج الجدلي لهيجل وبنظريته في المعرفة فـي دراستـي للدكتوراه التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة في العام 1999. وهي عن تطور الفكر النقدي الأدبي في العراق في مرحلة من التاريخ الحديث هي مرحلة التأسيس للنهضة المعاصرة التي أساسها وعي الحضارة العالمية واستلهامها في معرفة الذات (وعي الذات عن طريق الآخر) ثم محاولة الصدور عن هذا الوعي ( المركب ) في بناء النهضة الجديدة.
9. ينظر : المنهج الجدلي لهيجل ص (296).
10. ينظر المصدر نفسه ، ص 291-292.
11. ينظر محاضرات في فلسفة التاريخ ..ص (ج)
12. ينظر المنهج الجدلي لهيجل ..ص (132)
13. ينظر فلسفة هيجل ، ولترستيس ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام ، دار الثقافة للطباعة والنشر ، بالقاهرة ، 1975، ص612-613.
14. ينظر : المنهج الجدلي لهيجل ، ص (339 ، 344 ، 346 ، 366).







اخر الافلام

.. الحكومة اليمنية: الحوثيون يتخلّون رسميا عن اتفاق السويد


.. فرنسا تلحق بألمانيا وتمنع هبوط طائرات -ماهان- الإيرانية


.. بلال السعيداني.. مباراة اَمام الجزائر أهم من مباراة السعيدان




.. اسامة الحدادي.. الان جيراس مدرب و لاعب كبير سيفيد المنتخب


.. نعيم السليتي.. فرحان بالعودة الى التدريبات مع المنتخب بعد 4