الحوار المتمدن - موبايل



الإمبريالية الإنسانية واليسار الفلسطيني

خالد القيسي

2013 / 11 / 10
العولمة وتطورات العالم المعاصر


مر أكثر من عشرون عاماً منذ توقيع إتفاقيات أوسلو ودخول السلطة الوطنية الفلسطينية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.

وتعتبر إتفاقيات أوسلو، بسبب اللحظة التاريخية التي تم فيها توقيعها، إحد أسباب دخول اليسار الفلسطيني في الأزمة التي لا زال يواجهها حتى الأن.

أوائل التسعينيات مثلت لليسار الفلسطيني لحظة كئيبة، فبعد سقوط الكتلة الشرقية وجد اليسار الفلسطيني نفسه دون أي نوع دعم سياسي فعّال وكذلك وضعه الإقتصادي لم يكن جيد أيضاً، مما أعطى الفرصة لقوى اليمين الوطني بإستغلال إمكانية تطبيق أجندتها السياسية، كما إستغل الإسلام السياسي خيبة أمل الطبقات الكادحة لبناء قاعدة شعبية لها، وجميع هذه العوامل أثرت على اليسار الفلسطيني سلبياً وأفقدت جزء كبير من شعبيته.

وفي ظل دخول سلطة بإمكانها السيطرة على الأوضاع الأمنية الفلسطينية، حقق الأمريكيون إحد أهدافها الأساسية لفرض مشروعها، وكخطوة ثانية كانت – وما زالت – إحد غاياتها القضاء على روح المقاومة النابض في صدر كل شاب، طفل، إمرأة وشيخ فلسطيني.

وللحصول على هذه النتيجة لم تستخدم القوى الإمبريالة القوة المباشرة، بحيث في ذلك السياق القمع كان قد يولد رفض ومقاومة، فبنت القوى الإمبريالة مشروعها على نقطتين أساسيتين هما: التطبيع الثقافي وتغيير المفاهيم والعقلية.

يأتي كنقطة أولى في هذه الإستراتيجية محاولة إرباك مفاهيم الفرد، فعندما كنا بالماضي نتحدث عن نضال الشعب الفلسطيني كنا نقصد في الوقت ذاته نضال تحرير وطني ونضال طبقي، بحيث ما يميزنا عن قوى اليمين هو وجود أهداف على الصعيد الإجتماعي، وأننا لا نجرد قضية شعبنا من محتواها الثوري المتجسد في النضال من أجل المساواة الطبقية.

أصبح اليوم عدد كبير من مكونات التيار اليساري الفلسطيني لا يدرك أهمية التمسك بالنضال الطبقي، فالعديد من أتباع الفصائل اليسارية الفلسطينية يدعمونها بسبب سياساتها الرافضة للمساومة. سياسة رفض المساومة شيء مشرف، ولكن كأولوية يجب زرع الوعي بين صفوف الشعب الفلسطيني بأن ما يميز فصائل كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن غيرها ليس فقط رفضها للتنازلات المجانية، بل أنها تضمن في برنامجها السياسي أهداف على الصعيد الإجتماعي.

قامت جهات خارجية بإستغلال واقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ضحية قمع سلطتي الضفة الغربية وقطاع غزة، لمحاولة جلب نشطائها ونشطاء التنظيمات الأخرى لإنخراطهم في مؤسسات تلتقي تمويل حكومي أجنبي تقدم دعم على الصعيد الإنساني.

هذه المؤسسات، وبالذات المنظمات الغير حكومية (التي على الرغم من تسميتها "غير حكومية" إلا أنها تتلقى دعم إقتصادي من عدد كبير من الحكومات الأوروبية) تبني مشاريعها في القطاعات التي تعجز المنظمات السياسية الفلسطينية تقديم المساندة فيها أو القطاعات المهمشة من قبل فصائلنا لكي تتمكن من كسب دعم شعبي ومشاركة كبيرة من أبناء شعبنا.

أهداف هذه المنظمات التي تتلقى دعم من الإتحاد الأوروبي عن طريق مكاتبها (التعاونيات) هي إبعاد الشباب الفلسطينيين عن العمل التنظيمي لكي يتم القضاء على مفاهيم مهمة مثل العمل الحزبي والسياسة الشعبية، فيتم نزع أي نوع محتوى سياسي من القضية الفلسطينية... يتم تحويلها لمجرد قضية إنسانية حلّها تزويد الفلسطينيين بمساعدات إقتصادية.

فعيلنا أن نقول لا لهذه السياسية الهادفة إلى تصفية قضيتنا تدريجياً، علماً بأن هذه الأساليب تم إستخدامها في أمريكا اللاتينية لخمد الإنتفاضات الشعبية وكانت الإدارة الأمريكية تمول بعض المؤسسات بمبالغ هائلة، فعلينا أن نتعلم من تجربة الحراكات الشعبية التي واجهت نفس الأساليب.

هذه هي الأساليب الجديدة التي أصبحت الإمبريالية تستخدم لحرمان الشعوب من حرية التفكير، هذه هي سياسة "السلام" لدى الإستعمارية.

شاهدنا في السنوات الأخيرة إزدياد ملموس ليس فقط بعدد المنظمات الحكومية واللاحكومية (مثل الـ USAID والـ GIZ) التي تأتي إلى فلسطين، بل أيضاً في صفوف "اليساريين الأوروبيين"، فعلينا أن نتساءل: هل جميع من يدّعي بأنه يساري يقدم دعم مفيد للقضية الفلسطينية؟

العديد منهم يؤمن بعدالة قضيتنا، ولكن للأسف يوجد أيضاً عدد من الأوروبيين الذين يدّعون باليسارية ولكن يتعاملون مع مشاريع مرتبطة بالأن جي أوز أو حتى يعملون مباشرة في صفوفها.

السبب الذي يدفعهم للعمل مع المنظمات اللاحكومية هو ليس وجود لهم مصالح خاصة أو نية عاطلة، بل هو عدم وجود وعي بالنسبة لخطورة نتائج سياسات هذه المؤسسات على مجتمعنا، ففي أخر عقد أصبح اليسار الأوروبي مشتتاً وليس له قيادات قادرة على وضع برنامح سياسي صائب، فإفتقار وعيهم السياسي ينشئ أحياناً نتائج عكسية.

هناك محاولة في تغيير وتحريف مفاهيمنا، فإن عُدنا لمبادئ الماركسية نستطيع أن نعرّف التضامن الدولي بأنه التضامن بين الطبقات الكادحة في مواجهتا للقوى الرأسمالية... للأسف تم تغيير مفهوم مصطلح التضامن الدولي وجعله مجرد دعم قضية إنسانية خالية من أي محتوى سياسي.

للأسف العديد من المجموعات التي تدعم اليسار الفلسطيني في الخارج لم تعد تتبع بعد تعريف التضامن الماركسي وتبنت مفهوم التضامن الليبرالي، فعلينا أن نكون حذرين من في معاملتنا معهم وأن ندرس سياسات هذه المجموعات وأن نفهم مع أي جهات نقوم بالتعامل لكي نستطيع أن نحدد بطريقة واعية معسكر أصدقائنا.







اخر الافلام

.. -ما لا تعرفه عن زياد الرحباني؟--| الجزء الأول


.. إيران تعزز حضورها غرب نهر الفرات بسوريا


.. إجلاء الآلاف من سواحل المكسيك تأهبا للإعصار ويلا




.. الفقر يستفحل في اليمن والموظف يفقد اغلب راتبه


.. انطلاق أعمال مؤتمر الإستثمار السعودي