الحوار المتمدن - موبايل



مقتل الطالب المغربي الإسلامي بين السياسي و الإنساني و قيم المواطنة

نبيل بكاني

2014 / 5 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


لم يستطع وزير التعليم العالي المغربي، الحسن الداودي، كما يظهر ذلك المقطع الأول في الفيديو المتداول حاليا على نطاق واسع، حبس دموعه و هو يعلق على حادثة مقتل الطالب "عبد الرحيم الحسناوي"، الذي لقي مصرعه أثناء الأحداث الأخيرة التي اندلعت بين فصيلين طلابيين بجامعة ظهر مهراز بفاس. قد تبدو ردة فعل الوزير عادية و طبيعية، كأي شخص في لحظة إنسانية مماثلة. إلا أن الصادم في الفيديو، ذلك التناقض الذي يظهر صارخا عند مشاهدة المقطع الثاني من نفس الفيديو و الذي صور قبل سنة في أحد اللقاءات الحزبية، و يظهر فيه الوزير و هو يرد على سؤال حول مقتل طالب يدعى محمد الفزازي خلال تدخل أمني عنيف شهده السكن الجامعي بفاس في يناير 2013، بعبارات غير واضحة ملفوفة بقهقهات و ضحكات و حركات استهجانية، لا تتحملها وضعيته الاعتبارية كمسؤول دولة، خاصة بعد مقارنته بالمقطع الأول الذي يظهر فيه الوزير في قمة الإنسانية و المسؤولية و هو يتحدث عن جريمة قتل الطالب الحسناوي الذي كان ينتمي لمنظمة التجديد الطلابي المحسوبة على حزب العدالة و التنمية الحاكم الذي ينتمي إليه الوزير.

أكيد أن عشرات الآلاف ممن شاهدوا هذا الفيديو المركب سيصيبهم غضب شديد، بسبب التناقضات الصارخة التي أبانت عنها مواقف الوزير خلال مناسبتين أليمتين متشابهتين، لضحيتين ينتميان إلى نفس الوطن، حيث كان المفروض في الوزير التصرف بكل ما تمليه المسؤولية الجسيمة كرجل دولة، بعيدا عن أي اعتبارات ضيقة و هو يتحدث حول حادثة وفاة الطالب الفيزازي التي مست كيان كل المغاربة، مثلما مست قضية مقتل الطالب الحسناوي كيانهم، لأن المسألة، أولا و أخيرا، تتعلق بقضية إنسانية هي أكبر من أي اعتبارات ضيقة. فالمفترض أن كل المغاربة سواسية أمام الحكومة، و أمام وزراءها، و لا يمكن للانتماء الضيق أن يحل محل الحس الوطني و احترام قيم المواطنة التي لا يمكن بناءها وفق أواصر القرابة العشائرية أو الحزبية أو الدينية، بل تظل المواطنة فوق ذلك كله. إلا أن المسؤول الحكومي بردة فعله الأولى، قد اثبت للمغاربة جميعا، على اختلاف انتماءاتهم السياسية و الاثنية و الدينية، أنه وزير لانتماء سياسي و فكري محدد، و ليس وزيرا لانتماء إنساني يسمى "وطن" يظم مواطنين تختلف ثقافاتهم و أفكارهم و قناعاتهم، لكن نفوسهم تتوحد ضمن مجال إنساني محسوس لا ملموس هو المواطنة التي ظلت لمئات السنين تشكل لحمة المغاربة داخل حوزة الوطن و خارجها في هذا العالم الفسيح.

قد يعتبر تصرف الوزير خطئا معزولا، يمكن لأي سياسي أن يقع فيه في لحظة معينة. إلا أن مبادرة رئيس الحكومة بتخصيص طائرة لنقل الوفد الحكومي، على حساب دافعي الضرائب، لحضور محفل تأبين الطالب المتوفى المنتمي للذراع الدعوية لحزب رئيس الحكومة، تأتي لتؤكد الاعتقاد الذي يشيع بأن فريق العدالة و التنمية داخل الحكومة و بمباركة رئيسها، ينحو في تسييره للشأن العام، نحو تغليب منطق الانتماء الحزبي و الحركي، على حساب ما هو قيمي وطني، خاصة أن رئيس الحكومة، لم يقم بنفس المبادرة عندما تعلق الحادثة بمقتل الطالب الفزازي مثلا، الذي أثبتت التحقيقات الصحفية أنه لم يكن قيد حياته ينتمي إلى أي تيار طلابي داخل الجامعة. هذه الطائرة بدورها أثارت ردود فعل قوية لدى الرأي العام، فمن ناحية أخرى يمكن تفيسر ذلك ضمن خانة تبذير المال العام، ليبقى رئيس الحكومة ملزما بإرجاع ما بذمته إلى الخزينة العامة، و الحال أن الحكومة لم تعود المغاربة على التعاطي وفق هذا النهج مع حوادث أو قضايا إنسانية لا تقل ألما، و لنا في حادثة ممر تيشكا التي أودت بحياة 43 مسافرا بعد انقلاب الحافلة التي كانت تقلهم بين مدينتي مراكش و ورزازات مثالا، حيث لم يكلف رئيس الحكومة نفسه إرسال وفد حكومي إلى المشفى الذي كان يرقد فيه الضحايا الناجون، أو لتقديم التعازي لأهالي الأموات، أو حتى إقامة محفل تأبيني رمزي لهم.

هذه الوقائع تجد مكانا لها وسط الادعاءات التي تطلقها المعارضة متهمة الحزب الحاكم بتبني مشروع ل"أخونة" الدولة و مؤسساتها، و هو أيضا، ما يزكيه ما تنشره الصحافة الوطنية باستمرار حول التدخل المباشر في عمليات التوظيف الخاصة بالمناصب العليا، مثلما حدث مع مسابقات توظيف عمداء بعض الجامعات، التي ألغى فيها وزير التعليم العالي نتائج بعض الاختبارات آمرا بإعادة المباريات الاختيارية أكثر من مرة، لتمكين أشخاص مقربين من الحزب من المناصب، و غيرها من الخروقات، كالذي شهده محيط مكتب وزير الاتصال، فكما جاء على صحيفة "الأخبار"، بأن الخازن المالي العام للمملكة رفض التأشير على منصب كاتب عام جديد للوزارة عينه الوزير مصطفى الخلفي مؤخرا، بسبب استفادته سابقا من المغادرة الطوعية للوظيفة العمومية مع تعويض مالي، و هو ما يتنافى قطعا مع قانون الوظيفة العمومية. مثلما تم تعيين أشخاص آخرين في الدواوين الوزارية، بطرق غير شفافة، حسب ما كشفت عنه الصحافة، كديوان وزير العدل و ديوان الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان و ديوان مؤسسة رئاسة الحكومة و ديوان وزير النقل و التجهيز. و قد ظلت الأسئلة تراوح مكانها دون أجوبة رسمية، حول تلك الخروقات التي تضرب مبدأ المواطنة و المساواة، حيث ذكرت جريدة "الأخبار" سابقا، أن وزيرة المرأة و التضامن، عينت مرشحا لتولي منصب مدير ديوان الوزارة، رغم أنه كان قد حل في الرتبة الثالثة من بين المتبارين، ما يعني أن التعيين تم خارج إطار قانون تكافئ الفرص.

وفي وزارة الصناعة والتجارة تمت إعادة مباراة لاختيار كاتب عام للوزارة، مرات متعددة في سبيل إعطاء حظوظ أكبر لنجاح اسم معين، كما نشرت الصحافة.

و قد سبق للنائب عبد العزيز أفتاتي المنتمي لحزب العدالة و التنمية، أن هدد بكشف لائحة تتعلق بتوظيفات وصفت بالمشبوهة في دواوين وزراء حزبه، استفاد منها نواب بالبرلمان و قياديين في أحزاب سياسية و مقربين منهم.

إن المضي دون اكتراث في ضرب قيم المساواة و العدالة الاجتماعية و مفهوم المواطنة و مبدأ دولة المؤسسات و القانون، و تغليب طابع الانتماءات الحزبية، و تحقير الكفاءة لصاح القرابة التنظيمية أو الاديولوجية، سيكون له انعكاسات خطيرة، خاصة في ظروف سياسية و اجتماعية كالتي يعرفها المغرب، و ما لها من ارتباط بالأوضاع الإقليمية. و لنا في التجربة المصرية "أفضع" مثال، لما يمكن للأوضاع أن تؤول إليه في ظل سياسة الإقصاء و التهميش تمهيدا للتمكن و الاستفراد بالمؤسسات و الإدارة، و التخلي عن المهمة الحقيقة للحكومة في خلق الثروة و التنمية و إيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية و توسيع مجال العمل و التوظيف و الحرص على تنفيذ القوانين. فتجربة الإخوان في مصر مثلا، و بعيدا عن الدعايات الفئوية، فان الانقلاب الحقيقي على نظام الحكم الإسلامي، قد قام به المواطن المصري البسيط في اليوم الذي توجه فيه محمد مرسي، و هو رئيس لمصر، نحو أنصاره في جماعة الإخوان المسلمين بميدان التحرير مخاطبا إياهم دون غيرهم من أفراد الشعب، و ما خلفته تلك الواقعة من شرخ بدا من المستحيل وقتها، وقف اتساعه بين باقي مكونات الشعب المصري و تنظيم الإخوان الذي لا يمكن له في أفضل الأحوال أن يزيد عن كونه مجرد مكون من المكونات الاجتماعية داخل البلاد.


كاتب من المغرب
Bakani1@hotmail.fr







اخر الافلام

.. الواق واق وأبو عمر المصري.. في كواليس النجوم


.. الاتفاق النووي في حالة موت سريري


.. الآلاف يشاركون في المسيرة السنوية للمثليين والمتحولين جنسيا




.. الزفاف الملكي 2018: زواج الأمير هاري وميغان في قلعة وندسور |


.. بعد لغز لون الفستان.. -لوريل- أو -ياني- تحدي جديد يتعلق بالس