الحوار المتمدن - موبايل



بابِلُ والثقافة

الحسن علاج

2014 / 12 / 10
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات



بقلم : إميل نيكول
ترجمة : الحسن علاج
لماذا يلجأ البشر ـ من أجل التواصل ـ إلى استعمال لغات عديدة جدا ، أكثر اختلافا وأكثر إبهاما ؟ بالتأكيد ، كلنا مختلفون ، ثم إن الجماعات البشرية تشكل فيما بينها تبايناتٍ جسديةً مميزةً ، كلون البشرة ؛ على أنه ، أثناء مقارنة اختلافات اللغة ، فإن تلك التفاوتات الجسدية تضحى بدون أهمية ؛ فهي لا تَحُول دون التبرع بالدم و لا بالتبرع بالأعضاء من مجموعة بشرية إلى أخرى ، في حين أن اختلافاتِ اللغة تعمل على إيقاف كل تواصل . إن مبرر وجود أو علة هذه الظاهرة الغريبة ، الشاذة ، يُثاخمان لغزا .
هذا اللغز الذي يبهر البشر منذ فترات ضاربة في القدم ، كل حقبة ، كل ثقافة تجتهد قصد الإمساك به على طريقتها . تميز جورج شتاينر George Steiner) (  ، من بين المعاصرين ، بعمل ذي شأنٍ ، مر على صدوره 30 سنة على التمام (في 1975) وقد عَرف منذئذٍ طبعاتٍ وترجماتٍ عديدةً . أستاذ الأدب المقارن ، ولد بباريس سنة 1929 لأبوين يهوديين نمساويين ، نزح إلى الولايات المتحدة الأمريكية ي سنة 1940 ، يُجيد ثلاثَ لغاتٍ منذ نعومة أظافره ( الألمانية والفرنسية والإنجليزية ) ، فُتن جورج شتاينر باختلاف اللغات الذي قاده لمرات عديدة إلى القصة البابلية للتوراة ، التي أتى على ذكرها في عنوان عمله : ما بعد بابل (After Babel).
قصيرة جدا ، هي الإشارات بخصوص بابل ، لكنها تتموضع دائما حول نقاطٍ رئيسيةٍ للعمل ، حينما يقدم المؤلف خلاصةً لوجهة نظره . لذلك فهي [الإشارات ] تشكل نوعا من دَليلِ أَرْيَانَ ariane) ( 1.
ظهرت الثِّيمَةُ  أول مرة في الفصل 2 ( اللغةُ والغُنوصُ) حينما تناول المؤلف الظاهرة الغريبة لاختلاف اللغات تناولا فيه إصرارٌ وجديةٌ . إنه يزيح النظرية التطورية جانبا (ص 54 ـ 55 ) التي تسعى إلى تفسير تنوع اللغات عبر تغيُّر تكيُّفي وانتخابٍ طبيعيٍّ . ما الذي يجعل لغات منطقة معطاة أفضل تكيُّفاً في وسطها الطبيعي من غيرها ؟ فلو تم ، بالطبع ، استثناء التطور الطبيعي للمعجم الضروري لبيئة معطاة ، فلن يتم إدراك ما الذي يجعل بِنْياتِ لغة الإيسكيمو تتكيف أفضل مع برد المنطقة الشمالية منها من الصحراء أو الغابة الاستوائية . حينما يتم التفكير في العقباتِ الضِّخامِ لتنوع اللغات ، في العوائق التي تضعها في طريق تقدم البشرية ، فإن اللغز يظل في تمامه .
لغزٌ اتخذته معظمُ الحضارات موضوعا للتأمل (ص 57) ، سواء حول القصة التوراتية ، أو بتطوير قصتها الخاصة حول انقسام اللغات . تقدم 2300 صفحة من العمل الضخم ـ نميل إلى القول برج بابل ـ لأرنو بوريست Arno Borst) ( شهادةً على ذلك : ُبْرْجُ بَاِبِلَ . تاريخ التصورات حول أصل اللغات والشعوب 2  ، في ستة أجزاء . شتوتغارت ، هايرسيمان ، 1975 ـ 1963 .
من المدهش أن نرى كيف أن قصة بابل ، في التفكير اليهودي أو المسيحي حول تنوع اللغات ، مضخمة بواسطة تطوير موضوعات ملحقة ، لا سيما [موضوعة] اللغة الأصلية التي لا يوجد لها حاليا أي أثر . في خَلفية أسطورة اللغة الأصلية الكاملة ، مثلا ثمة  لغةٌ يستحيل معها اللجوء إلى الكذب لأن اللغة تطابق بالتحديد الواقعَ ، يتم تأويل قصة بابل ، يقول شتاينر ، مثل خرابٍ ثانٍ ، مع نتائج مأساوية جدا شأنها في ذلك شأن الخراب الأول .
في نهاية فصله الرابع ، يعود شتاينر إلى بابل ، بالضبط فور صياغته لقناعاته الخاصة بخصوص النقاش بين التصور العمومي أو التخصيصي للغات . فحسب الرؤية العمومية ، فإن الاختلافات بين اللغات لن تؤثر سوى على السطح ، وفي العمق فإنه يكون بالإمكان اكتشاف النَّحْوِ المشترك بين كل اللغات . لن تؤثر التفاوتات ، بحسب الرؤية التّخصيصية ، على السطح فحسب ، بل ستلامس صميم اللغة ذاته ، بحيث أن كل ترجمةٍ لن تكون سوى مغامرة محفوفة بالخطر .  
قام شتاينر بتطوير الحدس التالي : " يمكن لاختلافات اللغة أن تُؤَوَّل كتمرد ضد إكراهات الكُلِّية غير المميزة ، صراع التنوع ضد الكلية . " يفسر هذا العصيان لغز التنوع المُبلبلِ للغات .
من هذا المنطلق ، يطور شتاينر رؤيته الخاصة لبابل (ص286) : " من الممكن أننا نكون قد اسْتهنَّا ببابل . فالبرج لم يسجل نهاية الوحدة السعيدة التي كانت ستعرفها الإنسانية تحت نظام لغة كلية ؛ فالتعدد كان موجودا منذ زمن بعيد ، ثم إنه عَقَّد ، في الحقيقة ، مشروع البشرية . في سعيها لتشييد البرج ، قامت الأمم بكتمان السر الأعظم : لن يكون الفهم الصحيح ممكنا إلا هناك حيث يوجد صَمْتٌ . شيدوا في صمت . ثمة خطر حقيقي ضد الله . "
يُلاحظ هنا بوضوح أن شتاينر يَتَمَاسَفُ se distancier) ( مع  القصة التوراتية . فقد قام في أول الأمر باستبعاد اللغة الوحيدة ، الماثلة بشكل قوي في قِصَّةِ الخَلْقِ ، من بعد عمل على إدراج أسطورته الخاصة للتواصل عبر الصمت ، فكرة أجنبية تماما عن قصة بابل .
يعود شتاينر مرة أخرى إلى بابل في نهاية مؤلفه ؛ خالصا إلى تحليل الآثار المترتبة على استخدام اللغة الإنجليزية كلغة دولية (ص 470) ـ عواقب على كل المجتمعات التي تعاني من التأثير على الإنجليزية نفسها : " إن اللغة الإنجليزية الأمريكية والإنجليزية ، بمقتضى انتشارهما العالمي ، هما عاملان أساسيان في تفكيك التنوع اللغوي الطبيعي . " ثم يضيف : " إذا كان مفعول الانتثار هو إضعاف العبقرية الطبيعية للغة ، فإن الثمن سيكون كارثيا . " ثم يستخلص : " سيكون من المثير للسخرية أن الإسهام في الجواب على بابل يكون لغة مبسطة بدلا من عيدِ الخمسين pentecote) ( 3 ."
لنعد إلى القصة التوراتية . سمحت اللغة التي قام بها شتاينر بملاحظة الانقلاب الذي يحدث حينما يتم تبني التنوع كقيمة مرجعٍ ، في حين أن القصة التوراتية تقدمه [التنوع] كعقوبة إلهية و، إن يكن مثل لعنة ، على الأقل كعقبة يصعب تجاوزها ضد الطموحات البشرية الكونية . إذا كان من الممكن ، في ظل التاريخ الطويل لتفسير القصة التوراتية ، المعاينة بسهولة لميل قوي لتقويم التماثل ، لاسيما مع استيهام اللغة الكاملة ، نعاين في الوقت الحاضر المنفذ الكبير للمنزع المعاكس . في ظل بيئة حيث يعتبر التنوع شيئا مسلما به ، لاسيما حينما يتعلق الأمر بالثقافة ، يجد نفسه في مواجهة قصة تقدمه مثل عقوبة إلهية ، هذا شيء غير مريح حتى لا نقول أنه [شيء] فاضح . نتفهم المجهودات المبذولة من أجل تحريف معنى القصة . يتعلق الأمر الآن بإدراك أهميتها . ومن أجل توضيح المناقشة ، سنقارن بين تأويلي القصة ؛ ففي التأويل التقليدي ، تكمن خطيئة البشر في الرغبة في الارتفاع للوصول إلى الله ويصنعون لأنفسهم اسما . شكلت وحدة اللغة التي وضعوها في خدمة هذا المشروع التدنيسي ، منفعة جلية أساءوا استعمالها ؛ ولإيقاف إنجاز هذا البناء ، ثم العمل على إفشال كل محاولة من هذا النوع ، عاقب الله البشر ببلبلة ألسنتهم .
ضمن التأويل المضاد الذي يعطي قيمة للتنوع ، فبدلا من الحديث عن الخطيئة ، المشروع التدنيسي ، سيتم الوعي بإدراك التماثل المحير الذي يصدر عن الوصف الابتدائي : شعبٌ واحدٌ ، لغةٌ واحدةٌ ، خطابٌ وحيدٌ ، بشر يرفضون التشتت في حين أن هذا يطابق مقاصدَ اللهِ 4 . إن هذا لهو الشيء المحير : لقد قدم الله علاجا لذلك بزرع التنوع الذي يطابق رؤيته وخُطَطَه من أجل البشرية 5 .
يُلاحظ إلى أي حد يتعارض التفسيران تعارضا جذريا . ففي أحدهما ، تعتبر الوحدانية خيرا والتنوع عقوبةً ، وحتى لعنة ، وفي التفسير الثاني ، الوحدانية هي شرٌ والتنوع خيرٌ .
ماهي العناصر التي توجد بحوزتنا من أجل الفصل بين رؤيتين لبابل ؟
1)      إشارات تقدمها القصة نفسها ؛
2)      إشارات يمنحها السياق القريب ( الفصل 10 من سفر التكوين ) ؛
3)      أجوبة على بابل في العهد الجديد : على عيد الخمسين وعلى رؤيا القديس يوحنا .
1) القصــة
مما لا جدال فيه  أن المشروع البشري يتم وصفه مثل مشروع تدنيسي . يقدم رد فعل الله في الآية 6 تماثلات صادمة مع [ رد الفعل] الذي يعلن عن نهاية قصة ارتكاب الذنب في جنة عدن ( تكوين 3. 22 ) .
ـ نفس البنية العامة ترد في أزمنة ثلاثة :  معاينة الحالة التي هي نتيجة الذنب الذي جعل الإنسان مهددا 6 ، توقع العواقب لو أن الله لم يتدخل 7، العقوبة الإلهية 8 .
ـ نفس العبارة العبرية تدرج الزمنين الأولين في كل نص : هو ذا من أجل المعاينة ، والآن  لتوقع  الآثار ،
ـ ذات القرار الإلهي بصيغة الجمع : " هو ذا الإنسان قد صار كواحد منـ(ـنا) " (تكوين 3.22) ؛ " هلم ( نـ)ـبلبل هناك لغتهم " ( تكوين 11. 7) . تظهر القرابة المنشودة بين النصين بابل كمحاولة جديدة من الكائن البشري كي يصبح نظيرا لله .
إن الطريقة التي بها تسمي القصة وتصف تنوع اللغات تتضمن حكما سلبيا : " نبلبل ( أو نشوش ) لغتهم " . ويعتبر الفعل قدحيا بشكل لا مراء فيه ، فهو لن يستطيع في أي شيء أن يستحضر الإسراف المبالغ فيه للتعدد ، إنه الغموض . إن تشابه بلل مع ببل يستثمر بطريقة تفضي إلى ظهور التواء معين : بابل ـ بلل ، بابل ـ بلا بلا بلا. إن الهدف من هذه العملية يعتبر زجريا بكل وضوح : " حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض " . ( الآية 7 ) . يلاحظ أخيرا أن الاستراتيجية الإلهية التي تكمن في التنوع من أجل التشتت ( تكوين 11. 8 ) تؤكد بأن الأثر الطبيعي للاختلاف هو التشتت .
لايوجد في مقاصد الله تفضيل الوحدة ضمن التعدد ؛ إن الوحدة ـ وبكل تحديد ـ هي ما يرغب [ الله] في تفكيكها . على خلاف مثاليي عصرنا الذين يحلمون بالفضائل الطبيعية للوحدة ضمن التعدد ، يتكشف الله عن واقعية  عنيدة : الاختلاف يفضي إلى التشتت . هل سيفاجأ المرء بأن الأعمال تشكل سندا له ؟ في حين أن البشر يدركون إدراكا جيدا بأن التشتت هو اشبه بخطر ثم  إن الموضوع المعلن لمشروعهم يكمن في تجنبه [ الخطر] 10 ، ويتبين أنهم غير قادرين على اتقائه لما كانت اختلافاتهم تمنعهم من فهم بعضهم البعض .
إن ذلك في حقيقة الأمر هو محاولة  لتقويل النص ما لم يقله ـ ما يقوله بالطريقة الأكثر وضوحا ، الأكر إلحاحا ، الأكثر إثارة للإعجاب ـ بدلا من تصور تماثل مشؤوم وتنوع مفيد . لأن النوايا المتحدة للبشر ، تحديدا ، هي نوايا منحرفة إذ أن تماثل اللغة ، الملائم ، يحطم من قبل الله لصالح تنوع فاقد للفعالية . لرفض هذه  البداهة ، على المرء أن يصبح مضللا بالحكم المسبق الضخم لصالح التنوع . وجورج شتاينر نفسه ، ومهما يكلف الثمن الذي يعقده على التنوع ، فإنه يملك من الثقة ما يجعله يعترف بكونه [ التنوع] يشكل عائقا كبيرا ولغزا .
ومع ذلك ، فإنه يلاحظ أن المؤلف  التوراتي لا يستعمل عبارة لعنة . إن فكرة العقاب التي يبدو الله فيها رحيما ، بل وكريما ، لا يمكن استبعادها بشكل مسبق . ينبغي على الأقل الاعتراف بأن تنوع اللغات هذا هو عائق ، نهاية يفرضها الله ضد طموحات البشر الكلية .
2) الفصــل 10
إن توزيع الشعوب بحسب ألسنتها الخاصة ، قد تمت الإشارة إليه في الفصل 10 ضمن قائمة الأمم المنحدرة من سلالة نوح . وكخلاصة لقائمة أبناء يافث Japhet) ( ، يضيف المؤلف ( 10 . 5 ) : " من هؤلاء تفرق سكان جزر الأمم في أراضيهم ، كل كلسانه ، بحسب عشائرهم ، وبأممهم . " كررت العبارة ، من أجل أبناء حام Cham) ( ( 10 . 20 ) وأبناء سام Sem) ( ( 10 . 31 ) .
ها نحن أولاء قد تمت مكافأتنا ، قبل الرواية المأساوية من الفصل 11 ، برواية أكثر شيوعا تقدمها مثل ظاهرة طبيعية . هل يميل ذلك إلى إضفاء النسبية على الرواية المأساوية من الفصل 11 ؟ ثم كيف يمكن الفصل بين رؤيتين لتنوع اللغات ؟
إن رد الروايتين إلى مصدرين مختلفين ، يعملان على نشر نظريات لاهوتية متناقضة ، لهو من جهة حل سهل حتى لا  نقول [ حلا] فيه تكاسل ، ومن جهة أخرى فهو ينزع إلى أن يحرم النص التوراتي من سلطته لصالح القارئ ، الذي سيختار بمشيئته بين هذه [ الرواية ] أو تلك .
ثمة طريقة أخرى لمحاولة مفصلة إشارات التنوع اللساني في الفصل 10 والفصل 11 ، وتتمثل في السعي إلى إدراجها في سلسلة زمنية : إن حدث بابل الذي روي في الفصل 11 ، يسبق في الزمن توزيع الشعوب بحسب ألسنتهم والذي تمت الإشارة إليه في الفصل 10 .
لوحظ أن الإشارة إلى تنوع اللغات يرتهن إلى نبذة نهائية لكل واحد من أبناء نوح 11 الثلاثة . وهكذا تحافظ قصة بابل على كل ملاءمتها كأصل لتنوع اللغات والتي يأتي ذكرها ببساطة في الفصل 10 . إنها إمكانية ، على أن تلك المحاولة يمكن أن تبدو مصطنعة نوعا ما . وفيما يخص النص التوراتي ، فإنه لم يشر إلى أي تسلسل وترك المسألة مفتوحة .
هل سيصبح من الممكن اعتبار قائمة الأمم في الفصل 10 وقصة بابل في الفصل 11 كإضاءتين مختلفتين ومكملتين لظاهرة تنوع اللغات والأمم ؟ كذلك ، ففي الفصل 1 والفصل 2 من سفر التكوين ، تقدم لنا قصة الخليقة من خلال إضاءتين مختلفتين ، في أول قصة يعتبر الرجل والمرأة [ كائنين ] غير منفصلين ، وقد رويت قصة خلقهما في ذات الفعل ، مثل تتويج للعمل الإلهي  للأيام الستة : " فخلق الله الإنسان على صورته ، على صورة الله خلقه . ذكرا وأنثى خلقهما . " ( 1 . 27 ) . يتموقع خلق الرجل والمرأة ، في الفصل 2 ، في نهاية العمل الإلهي مع ظهور النباتات والحيوانات بين الاثنين [ الفصلين ] . كذلك يمكن اعتبار قائمة الأمم وقصة بابل بإضاءتين مكملتين : إن التنوع اللساني والثقافي كظاهرة طبيعية ، ذلك التنوع بوصفه عائقا ضد الطموحات البشرية ، مثل فقدان لوحدة أصلية .
بتقريبه للعرضين التكميليين ، يقود النص التوراتي إلى التفكير بأن النظرتين ممكنتين ، تتكاملان ، تقوم الواحدة بتصحيح العواقب التي لا مبرر لها والتي يمكن للقارئ أن يستخلصها من الأخرى . باعتراف الله بالصعوبة التي تعترضنا في فهم الواقع في شموليته المعقدة ، سيتصرف عبر لمسات متتالية حتى يتيح لنا التوفيق تدريجيا بين نظرتنا . في هذه الحالة ، فإن الفصل 10 بإمكانه أن يبادر غلى تقديم تأويل جذري لمأساة بابل . ومع ذلك فنحن لن يفوتنا أن الفصل 11 يأتي بعد الفصل 10 وليس العكس . فبدلا من تخفيف مأساة بابل عبر توزيع بدون قصة في الفصل 10 ، بل هو توزيع يبدو طبيعيا على ما يظهر في الفصل 10 ، الذي ـ تبعا لقصة بابل ـ يخفي لغزا مؤلما ومدمرا للبشر .
3 ) العهد الجديد : عيد الخمسين ورؤيا يوحنا
يلقي العهد الجديد ضوءا ساطعا على قصة بابل . إن التماثل بين بابل وعيد الخمسين قد تمت ملاحظته منذ أمد بعيد ، فهو يتمتع بحظوة خاصة تمام الخصوصية ، يفهم ذلك بسهولة لماذا . فإذا كان عيد الخمسين هو جواب الله على بابل ، فإن ذلك الجواب ، بدلا من أن يقودنا إلى ما قبل بابل ، إلى وضع تكون فيه اللغة وحيدة ، يمنح تجاوزا على مستوى تنوع اللغات . إنها ليست لغة وحيدة يوظفها الله لكي يتواصل مع حجاج العيد اليهودي ، لكنها لغة كل واحد ( أعمال الرسل 2 . 7 ـ 8 ) : " فكيف يسمع كل منا لغته التي ولد فيها ؟ " 12  صاح المستمعون متعجبين ! يعتبر عيد الخمسين عيدا مضادا لبابل . على أنه عيد مضاد لبابل يشير إلى أن الوحدة هي ممكنة ومرغوب فيها من قبل الله ضمن التنوع وليس ضمن تطابق لغة وحيدة ، لثقافة وحيدة .
للتخفيف من تأثير عودة عيد الخمسين بخصوص بابل ، يمكن اعتبار أن تنظيم تنوع اللغات هذا في معجزة عيد الخمسين ، لا زال يتموقع في مرحلة ما قبل الأخيرة لإنجاز المشروع الإلهي ، التي سيتكيف [ التأثير ] عبرها مرة أخرى مع الوهن والتحديدات الخصوصية للزمن الحاضر ، وكون أن تنوع اللغات يعتبر مظهرا من مظاهر هذا الوهن . على أنه حينما ـ في سفر رؤيا يوحنا ـ يكشف لنا عن مشروع الله في مرحلته النهائية ، فإن المسألة لم تكن لغة وحيدة ، بل [ مسألة ] حشد للبشر " من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة " ( رؤيا يوحنا 7 . 9) أمام عرش الله ليمجدوه . فحتى أنه لم تتم الإشارة بصراحة إلى أنهم يمجدون [ الله ] كل واحد حسب لغته الخاصة ، فإن غياب ثيمة theme) ( اللغة الوحيدة ثم الإشارة إلى التنوع لهما دلالتهما . أليس ذلك يعتبر برهانا قاطعا على أن التنوع كان مرغوبا فيه من قبل الله ؟
سيتم العمل على إضافة ملاحظتين
1) إن العمل الذي لا جدال فيه ، والذي يسعى الله من خلاله إلى إدراج ذلك التنوع في مشروعه ، وكذلك في المراحل الوسيطة مثل المرحلة النهائية ، لا يمنع من أن يكون هذا التنوع قد تم فرضه كعائق ، وهو ما تشير إليه قصة بابل بدقة ، وأن يعاش على الدوام كعائق ، مثل جرح . فهو [ التنوع ] يصيب البشر ليس في مشروعهم التدنيسي ، بل في جماعة المؤمنين وفي ما تتمتع به من أصالة . إذا كانت معجزة عيد الخمسين تحملنا على التغني بمحاسن الوحدة ضمن التنوع ، فإنه لا يفوتنا ـ  في بعض الفصول اللاحقة ـ الصعوبات الحقيقية التي تواجهها جماعة القدس الرائعة ( أعمال الرسل 6 . 1 ) . إن أول خط في شق [ الصف ] لتلك الطائفة الملتحمة جدا ، يلي من قبيل الصدفة خط توزيع اللغات بين اللغة اليونانية والعبرية ( أو الآرامية ) . فحتى وإن كان ما تم بناؤه ليس هو برج بابل ، بل المعبد الروحي ، صرح الله الحي ، فإن تقسيم بابل يظل عائقا مؤلما ، جرحا غائرا . لا ننسى أن عيد الخمسين هو معجزة ، وليس ظاهرة طبيعية ثم إن الحشد في المجد النهائي للناس من كل أمة ، من كل لسان ومن كل ثقافة هو أيضا معجزة تستعصي على الفهم . وحده الحمل المضحى به ، تمكن من تحقيق المعجزة من خلال ذبيحته : " لأنك ذبحت وبدمك اشتريت أناسا لله من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة . " ( رؤيا يوحنا 5 . 9 ) . إن الإرادة التي تهدف إلى أن تجعل من تنوع بابل نوعا من نعمة طبيعية ، ألا يشكل ذلك انتقاصا من نعمة الله ومجده لصالح وهم ما ؟
2 ) حينما يتم تقديس قطب التنوع ، كالأفكار التي تستمد من الوقت الراهن ، الشيء الذي يجعل من التنوع الثقافي خيرا ومن التماثل شرا ، فإنه يتم التعرض مرة أخرى إلى أخطاء الحكم .
يلاحظ على الخصوص أن العهد الجديد تمت كتابته ليس في لغة طائفة ثقافية محصورة ومنذمجة  جدا ، بل في لغة مشتركة ـ اللغة الإنجليزية في ذلك العهد ـ لم تكن اللغة الأم لأي واحد من مؤلفيه . الروح القدس الذي كان حريصا في عيد الخمسين على سماع ما يقال عن آيات الله في لغته الأم ، التمس من قبل مؤلفي العهد الجديد بذل مجهود للكتابة في لغة مشتركة لم تكن لغتهم الأم . سيتيح ذلك لعدد كبير من الناس من فهم الرسالة ، ويقدم إشارة قوية لكليتها . ولقد سبق لتلك الإشارة أن ظهرت في العهد القديم باستعمال الأرامية ،  لغة أخرى مشتركة ، لغة تجارية ، لغة ديبلوماسية ، إنجليزية القرن السادس قبل يسوع المسيح ، ومثل اللهجة الكوينية koiné) ( ستصبح الإنجليزية لغة القرن الأول في ما بعد . سيكون بالإمكان استعادة ملاحظات جورج شتاينر بخصوص اللغة اليونانية التي دون بها العهد الجديد .
إن اختيار الروح القدس لعيد الخمسين من أجل اللغة الأم ، ومن أجل اللغة الدولية في تدوين العهد الجديد ، يشير بوضوح كبير إلى الخطر الذي سيتم ركوبه رغبة في جعل الإنجيل في خدمة هذه القضية أو تلك . إن مصلحة الإنجيل هي التي يتوجب عليها إملاء الاختيارات .
ثمة ملاحظة أخرى ، وهي الصيغة الشهيرة التي تضم العام والخاص " الناس من كل قبيلة ، من كل لسان ، من كل شعب " وهي تنهض كعلامة على استقبال التنوع في المرحلة التهائية للتصميم الإلهي ، واستعيرت من بلاغات الإدارة البابلية والفارسية ، من خلال سفر دانيال ؛ فهي تصدر عن تلك الإمبراطوريات البهيمية التي تم وصفها في النبوءة التوراتية ، التي تطمح إلى السيادة على العالم . وقد كان للإمبراطورية الحق في الزعم بفعل ذلك بتوقيرها للغة ، الدين ، ثقافة كل شعب خاضع ، وكان ذلك الزعم يماثل إلى حد ما الواقع ، حتى ولو أن إسرائيل أفاد منه بالتأكيد . وفي آخر سفر من أسفار التوراة ، لم تكن الصيغة مخصصة لشعب من اشتروا ، فقد ظهرت 7 مرات : مرتان لوصف شعب الذين اشتروا ( رؤيا يوحنا 5 . 9 ؛ 7 . 9 ) ، مرتان للإشارة إلى انتشار القول الإلهي ( 10 . 11 ؛ 14 . 6 ) ، على أنه أيضا [ ظهرت ] ثلاث مرات لذكر انتشار السلطات الفاسدة على نطاق واسع ( 11 . 9 ؛ 13 . 7 ؛ 17 . 15 ) . هناك إشارة أخرى : استعمال التنوع أو التماثل ، أو الوحدة في التعدد ، كمعيار مميز معناه الضياع ، يوجد المعيار الصحيح في موضع آخر ، عن ذلك عبر بولس الرسول بجرأة كبيرة : " فمن أجله قبلت خسارة الأشياء وأنا أعتبرها نفاية لكي أربح المسيح " ( فيلبي 3 . 8 ) ، ثم استحضر في جزء كبير ميراثه الثقافي الثمين ...
كلمة من أجل الختام : تنوع وتماثل يتصارعان بالتبادل على امتداد تاريخ البشرية ، ولن يوقفنا عن فعل ذلك  حتى مجئ الرب ، تبعا لأخطار اليوم يظهر هذا مثل حماية للآخر 13  . يتجنب المسيحي الذي يخبر كلمة الله السقوط في فخ التبعية لهذا أو لذاك ، في الصراع الضاري لهذا أو لذاك ، الذي ينظر إليه على انه تجسيد للشر . معتبرا نفسه [ المسيحي ] مرتبطا بيسوع وحده وبكلمته ، يكون بمقدوره أن يتحرك في هذا العالم حيث التماثل يخفي على الدوام تهديدا بالظلم والتنوع [ يخفي ] قطيعة وجرحا . يستلذ ثمن الحرية المحصل عليها بالمسيح بخصوص تلك الإذلالات ، شاهدا على عمل الخلاص الذي أكمله ، رافعا نظره وانتظاره نحو الحشد الكير للمؤمنين من كل قبيلة وشعب ولسان أمام عرش الله والحمل .
ـــــــ
1 ـ في الفقرات التي تلي ، فإن العمل الذي سيتم الاستشهاد به يتعلق بالطبعة الإنجليزية لسنة 1977 : جورج شتاينر  (George Steiner) ، ما بعد بابل . Aspects of language and Translation, oxford university press , 1977 , 8 – 507 p. وقد قمنا بترجمة النصوص المستشهد بها إلى الفرنسية . وسيكون في وسع القارئ أيضا الاطلاع على الترجمة الفرنسية : ما بعد بابل : شعرية القول والترجمة . ترجمة : لوسيان لوترينغر Lucienne Lotringer) ( باريس ، ألبان ميشال ، 1991 و 1998 .
2 ـ برج بابل . تاريخ تصورات حول أصل تنوع اللغات والشعوب . وبالإمكان الاطلاع على كتاب في المتناول لهوبيرت بوست Hubert Bost) ( ، من النص إلى الرمز ، Geneve , labor et fides , 1985 , 268 p. وكذلك يمكن الاطلاع على العمل الضخم ل  Christoph Uehlinger) (  , weltreich und «  eine rede »/ eine neue deutung der sogenannten Turmbau erzahlung ( Gen 11,1-ç), orbis Biblicus et orientalis 101, Gottingen , vandenhoeck et rupercht , 1990 , 16 – 627 p    
3 ـ سنترك جانبا مجهودات شتاينر التي يتخيل فيها تجاوز بابل عن طريق الاستحضار الملغز للصمت الكبير .
4 ـ نلفت النظر إلى أن الأمر ب" ملء الأرض " ( تكوين 1 . 28 ) ما كان ليتم دون تشتت .
5 ـ exemple d’une telle interpretation dans Ellenvan wolde , «  Facing the Earthe : primaeral history in a new perspective » , in s . dit . philip R. Davis and David J.A . clines,the world of genesis , places , perspectives , jsot suppl . series 257 , sheffield , academic press, 1998 , p. 22 – 47 . 
6 ـ " فقال يهوه : " هو ذا شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة . وهذا ما ابتدأوا يفعلونه . " ( تكوين 11 . 6 ) ؛ " وقال يهوه الله : " هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر . " ( تكوين 3 . 22 ) .
7 ـ فقال يهوه : " هو ذا هم شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة ، وهذا ما ابتدأوا يفعلونه . فالآن لا يتعذر عليهم شيء ينوون أن يفعلوه . " ( تكوين 11 . 6 ) ؛ " والآن لكيلا يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الدهر . " ( تكوين 3 . 22 ) .
8 ـ " هلم ننزل ونبلبل هناك لغتهم حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض " . ( تكوين 11 . & ) ؛ " فأخرجه يهوه الله من جنة عدن " ( تكوين 3 . 23 ) .
9 ـ تعتبر أول كلمة في الخطاب الإلهي تعجبا بسيطا وهو ، على خلاف العبارة الفرنسية allons) ( ، هلم ، ليست فعلا بصيغة جمع .
10 ـ " وقالوا : " هلم نبني لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه في السماء ونصنع لأنفسنا اسما شهيرا . لئلا نتبدد على وجه كل الأرض " .11 ـ لقد تمت الإشارة أيضا إلى أن حضور اسم فالج في ذرية سام ، مع شرحه " ولعابر ولدان ابنان اسم الواحد فالج ،  . لأنه في أيامه انقسمت الأرض ، واسم أخيه  يقطان " ( تكوين 10 . 25 ) يمكن أن يشكل تلميحا إلى انقسام بابل . يظهر ذات الفعل قسم  في مزمور 9 . 55 في الإشارة إلى بابل : " بلبل يهوه ، فرق لسانهم . "
12 ـ تعني حرفيا " اللغة التي ولدنا فيها . "
13 ـ لنستمع إلى شاهد معاصر آخر ؛ " إن مبدأ توحيد جديد ، لبلد ، لأوروبا أو للمعمورة ، فإنه ينقل مبدأه في التمييز إلى مكان آخر بدون إلغائه . وهو ما يعني : المتعدد ومستقبل الواحد ( والعكس بالعكس : بقدر ما توجد هناك قبائل ، بقدر ما توجد الحاجة إلى تنظيم لأمم متحدة ) . فإلى متى ينبغي تذكر المنافحين عن العولمة المستقبلية ، القضائية أو التقنية ، أنه توجد ثلاث آلاف لغة محكية في هذا الكوكب ومائة منها هي التي توجد مكتوبة ؟ تقوم الأنظمة التقنية بدورة حول العالم ، نعم ، لكن لم ولن تكون هناك لغة كونية ( للأسباب نفسها ) . وبقدر وجود الترانزستورات والحواسيب الآلية من أجل التواصل ، بقدر ما تكون هناك لهجات ، شعوب وآلهة بهدف اللاتواصل  . " ريجيس دوبري ) Regis Debray (  ، دروس الميديولوجيا العامة ، باريس ، غاليمار ، 1991 ، ص 115 .
*  النص الذي قمنا بترجمته هو لصاحبه : إميل نيكول Emile Nicole) (  (1944) ( دكتور في علم الللاهوت بكلية اللاهوت البروتستانتي لستراسبورغ ، وهو أستاذ يدرس العهد القديم .)، تحت عنوان : بابل والثقافة Babel et la culture)   (. عن مجلة : Thev vol. 4 , n 2 , 2005 p : 13 – 22
ـ اعتمدنا نقل النصوص التوراتية على نسخة : الكتاب المقدس ترجمة العالم الجديد . مترجم عن الطبعة الإنجليزية المتقدمة لسنة 1984
جورج شتاينر ( 1929) . متخصص في الأدب المقارن ونظرية الترجمة . له العديد من الدراسات حول نظرية اللغة والترجمة وفلسفة التربية .

 







اخر الافلام

.. ضيف وحكاية - حاتم الصفدي: عاش حياة اليتم واليوم يعيد الحياة


.. نشرة الثامنة- نشرتكم 2019/1/20


.. أكثر من نصف نازحي العالم من الوطن العربي




.. مقتل خبراء نزع ألغام بانفجار مخزن للألغام عند أطراف مأرب


.. توفيق اللحجي قتلته ميليشيات الحوثي بعد عامين من الأَسر