الحوار المتمدن - موبايل



الروائي سامي حجازي: هنالك رغبة حقيقة لدى العرب لقراءة الأدب السوداني، وأنا أجذر العامية في الرواية المكتوبة

حكمت الحاج

2015 / 1 / 6
الادب والفن


الروائي سامي حجازي: هنالك رغبة حقيقة لدى العرب لقراءة الأدب السوداني، وأنا أجذر العامية في الرواية المكتوبة..
أجرى الحوار: حكمت الحاج

(سامي حجازي، كاتب سوداني من مواليد مدينة كسلا شرقي السودان في العام 1972. تلقى تعليمه الإبتدائي متنقلا بين عدة مدارس نسبة لطبيعة عمل والده في كل من كوستي وكسلا وأم روابة، قضي ثلاث سنوات منها في الولايات المتحدة الأمريكية. عاد ليكمل تعليمه في كسلا قبل أن يدخل جامعة الخرطوم ليتخرج في كلية الهندسة ثم يحضر بها ماجستير العلوم الإدارية. حجازي يكتب القصة القصيرة والقصيرة جدا والشعر والخواطر . رواية الخرطوم نفر هي أول رواية له، وقد صدرت مؤخرا عن منشورات مومنت بلندن، وهي بالعامية السودانية. وبهذه المناسبة كان لنا معه هذا الحوار:)

- كيف حدث أنك أتيت الى الرواية؟ هل كان الدرب سالكا من القصة القصيرة أم من القصيدة أم ربما من بعض اشتغالات نقدية؟ أم أن الخيار كان هو الرواية ولا غيرها، مما أوصلك الى تأليف الخرطوم نفر؟

- لغرابة الأمر لم يحدث من ذلك شيء. أي نعم، كانت عندي بعض المحاولات في مرحلة عمرية مبكرة، أذكر منها محاولة لكتابة الشعر. كتبت مرّة قصيدة من خمسين إلى ستين بيتا في جارتي وأنا ما زلت في المرحلة المتوسطة. كانت وقتها تتلبسني حالة من العشق والهيام المبكر إن جاز التعبير. كنت أكتب كل يوم بيتا أو بيتين وكنت أنوي أن أصل بها إلى مائة بيت مشدودا في ذلك بالمعلّقات التي كنت أحبها في ذلك الوقت ولكني قمت بتمزيقها وتركت كل شيء وإنغمست بالكامل في الرسم الذي كنت أجيده وأحبه وأجد فيه نفسي… في مرحلة الجامعة لم أكتب بشكل جاد أبدا، لم أهتم أبدا بقصاصاتي ولم أحتفظ بأي منها، كما لم يطلع عليها أحد غيري. تلا ذلك الإنغماس الكامل في الحياة العملية لسنوات طويلة فيما بعد حتى العام 2008 تحديدا. وأذكر ذلك العام جيّدا لأني أعتبره البداية الحقيقية والنواة لميلاد هذه الرواية.

- وما الذي حدث في هذا العام الذي تعتبره مفصليا في مسيرتك؟

- في ذلك العام لفتني زميلي في العمل إلى قصة بالدارجة السودانية كانت منشورة على إحدى المنتديات السودانية أيضا. أعجبتني تلك القصة جدا، فكنت أقرأها وأقرأ معها تعليقات الأعضاء ومدى إعجابهم بها وحثهم لكاتبها على المواصلة حتى إنتهى لنهاية غير متوقعة على الإطلاق. إحتفظت بتلك القصة وهي موجودة عندي حتى الان. ثم تناسيت الأمر لمدة سنتين حتى وجدت بعض الفراغ فتذكرت تلك القصة، وقلت في نفسي لعل كاتبها يكون قد كتب غيرها، وجدت عنده محاولة لكتابة الجزء الثاني ولكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا، وكان ذلك كالصدمة ومثار تعجب وتساؤل بالنسبة لي، كيف يفشل ولماذا يفشل؟ هل يموت الإبداع؟ وهل يكتب بعضهم قصة أو رواية واحدة ثم يتوقف إلى الأبد؟ فالحالة ليست نادرة الحدوث كما علمت. دوّن بعضهم أمثلة لذلك ممن لم أسمع بهم أو أقرأ لهم، كمثال (الفراغ العريض) أول رواية نسائية للكاتبة (ملكة الدار)، كُتبت في أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات ولكنها صدرت في الستينات. ثم كاتبة تكنّت باسم (دُرر)، كتبت روايتين ثم إختفت. ثم (ملكة الفاضل) صاحبة رواية واحدة أيضا وبالمثل إختفت. ثم وجدت أمثلة عالمية أيضا، كمثال (الفهد) للإيطالي لامبيدوزا، و(البركان) للأمريكي مالكوم لاوري، والرواية الأشهر (ذهب مع الريح) لمارغريت ميتشل. كلها رويات أشتهرت ولكن أصحابها لم يكتبوا غيرها، فهل يكتب الراوي مثلا نتيجة للاحتشاد الذي يعتمل في نفسه نتيجة ظروف محددة في وقت محدد بحيث تكون ثمرة شريط واحد طويل مستمد من كامل تجربته في الحياة، ثم عندما لا يجد غيرها يتوقف؟


- اسمح لي، ولكن هذه كانت أسئلة عمومية ذات طابع نقدي ليس إلا..!

- على كل حال، لقد تحسرت على صاحب تلك القصة، ولكنه كان السبب الخفي وراء الشعور بالرغبة في الكتابة. واتتني الفكرة من وحي الأسماء المستعارة لأعضاء ذلك المنتدى، ربما إن سجلت مثلهم بإسم مستعار فإنه يمكنني الكتابة بشيء من الحرية دون قيود تذكر وإن كان أعظمها في رأيي هي القيود الأخلاقية الذاتية للفرد، ففي عالم الأسافير المفتوح يمكن للشخص أن يصبح أي شيء إن أراد أو أن يكون من يشاء، ولكن من مشاهداتي فإن الكثيرين يصرون على أن يكونوا مجرد حمقى. وفي نفس الوقت فإن مجتمعنا شفاهي للحد البعيد ولا يميل إلى الكتابة، وأعتقد أن تلك المشكلة تسببت في قعود الكثيرين حتى اللحظة لدرجة أن أحداثا جساما وأسرارا عظيمة وتاريخا مهما محفوظا في صدور الرجال قد ضاع ولم يخرج للعلن أبدا حتى ووري الثرى مع أصحابه.

- هات حدثنا اذن عن دور الانترنت عموما والمنتديات في ذلك الوقت خصوصا في دفعك دفعا حقيقا للانطلاق في الابداع، وأنت من الجيل الذي واكب، بل وتأثر أيما تأثر بثورة الإعلام الجديد؟

- نعم، صحيح.. وبالنسبة لي، فقد قمت فعلا بعملية التسجيل في المنتدى، لكنني لم أقم بتعريف نفسي لبقية الأعضاء، ولم أكن معتادا على التعامل مع أدوات المنتديات من تحرير وتنسيق وإرسال للمشاركات. فقط شرعت من فوري في كتابة قصة (صديقي علي) بالدارجة في يوليو 2010. كتبتها بحماس كبير، وحظيت بإهتمام مقدّر من بعض الأعضاء وتشجيعهم لي حتى النهاية. لم تكن قصة قصيرة، ولكني كنت أشعر بالإسترسال السلس وأنا أكتبها. علمت لحظتها أنه يمكنني الكتابة وكان صدري يحوي الكثير من الكبت الذي يحتاج للتفريغ. بعدها تنوعت مشاركاتي، كنت أشعر دائما أنني أميل إلى القصة، فكتبت العديد من القصص القصيرة، ثم شرعت في كتابة ثلاث روايات. كتبت الفصل الأول من (الخرطوم نفر)، و(القصر)، و(برازيليا) وهذه الأخيرة ضاعت إلى الأبد وكانت مستوحاة من الأدب البرازيلي. وجميعها لم تكتمل لأن الموقع تهكر فيما بعد، وغادرت بدوري عالم المنتديات إلى الفيس بوك. واصلت في كتابة (الخرطوم نفر) و(القصر) في صفحة أدبية ولكني توقف للمرة الثانية، إلا أن التشجيع الحقيقي بدأ من هناك. كان بالصفحة عدد من الصحفيين والنقاد والإعلاميين وحتى القراء العاديين من أصحاب الذوق كما بدا لي، هم الذين أضافوا قيمة لما أكتب. وبالتالي شجعوني على المواصلة، بل وصل الأمر ببعضهم للقول بأني مشروع كاتب كبير وإسم لامع إن شئت، وأنه سيكون لي شأن إن أردت أو رغبت، هكذا قالوها لي بتجرد ولم يكن بيني وبينهم سابق معرفة إلا خلال ما أكتب. ثم واصلت في روايتي (الخرطوم نفر) في مجموعة تضم أميز خريجي جامعة الخرطوم، كنت بذلك أريد جس نبضهم، كنت أعتقد أن المحك والتقيم الحقيقي سيكون هناك، لأن المجموعة كانت تضم أسماء كبيرة في الإعلام ومن بينهم الشعراء والأدباء والفنانين، وفيهم من صدرت لهم مجموعات شعرية أو قصص قصيرة والبعض الأخر روايات. كما أن للمجموعة نشاطات أخرى ثقافية بالخرطوم. وبالفعل كانوا هم مرتكزي الأخير للنشر والحمدلله.

- هل كان اللجوء إلى العامّية عن وعي وإدراك فني منك، أم مجرد رغبة ملحة نتيجة لضعف علاقتك مع اللغة العربية الفصحى، مثلا؟

- لا أبدا، لغتي العربية الفصحى لا بأس بها، وإن كنت لا أستطيع إدعاء تمكني منها، وبالمثل لا أعتقد أن بإستطاعة أحدهم إدّعاء ذلك أيضا. إذا كان البروفيسور والعلّامة الراحل عبدالله الطيب يقول عن نفسه تواضعا أجيد بعض اللغات الأجنبية و"القليل" اللغة العربية، وهو من فطاحلها وصاحب مجلّدي "المرشد إلى فهم أشعار العرب" والشاعر الفذ صاحب الدواوين العديدة والمؤلفات التي لا حصر لها بالإضافة لتفسير القرآن الكريم، فإن كان هذا حاله مع اللغة العربية، فكيف يكون الحال معنا؟ لكن على الأقل ألا يكفي حواري معك الآن باللغة العربية الفصحى كدليل؟ وبشكل إستباقي أيضا يمكنني أن أشير إلى روايتي القادمة "القصر" فهي باللغة العربية الفصحى وإن إحتوت على حوار بالدارجة أو العامية السودانية كما نقول، كما لا أنسى رواية (برازيليا) التي أشرت إليها سابقا والتي ضاعت في الأسافير، كانت بكاملها بالفصحى.

- ولكن لنعد الى الشق الأول من سؤالي، وأنتظر منك الإجابة..!

- بالعودة إلى الشق الأول من سؤالك أقول، قد يكون من محاسن الصدف أن الراوية تمت من أولها إلى أخرها بالعامية وذلك لسبب بسيط. أنا لم أفكّر فيها كعمل أدبي متكامل عندما كتبت أول كلماتها وكانت "عمّي إتسلّط عليّ" إلا بعد أن تعدت ثلثها تقريبا، وذلك بعد تشجيع الأصدقاء والأحبة كما أسلفت في إجابتي على السؤال السابق، وإلا كنت فكرت في كتابتها باللغة العربية الفصحى وفقدت طعم هذه التجربة الفريدة من أولها حتى آخرها… ولكن يمكنني القول بثقة تامه أنني عندما شرعت في النشر، كنت مطمئنا إطمئنانا تاما للتجربة. إن كان هناك ما يشوب الفكرة لكنت قد توقفت أو ترددت عن فكرة النشر. تشجيع الأصدقاء من القراء كان واضحا بالنسبة لي، ومن جهة أخرى لم يتوقف عندها أحد شاكيا من صعوبة قراءتها مثلا أو معضلة في فهم لغتها، أقول ذلك وفي بالي تحديدا القراء من فئات مواليد التسعينات فما فوق، هؤلاء من المؤكد أن الكثير من الكلمات الواردة فيها أو بعض التوصيف كان يشكل بعض التحدي بالنسبة لهم، ولكنها كانت إلى حد كبير مفهومة من خلال الصياغات، وقد إستأنست فعلا بمتابعاتهم وهي في بداياتها.

- أفهم من كلامك انك ربما تمجد العامية على الفصيحة. هل هذا ما تريد ان تخلص اليه؟

- دعني إذن أخلص إلى القول، أنها لم تكن فقط عن وعي وإدراك بل تمت عن إصرار مسبق ورغبة أكيدة في مواصلة المشوار حتى نهايته. ولي أسباب عديدة في ذلك حسب رؤيتي المتواضعة، أذكر منها على سبيل المثال، أن لغتنا الدارجة عبارة عن لغة غنية ذاخرة بشكل مذهل وفريد، وهي لغة توصيف في المقام الأول، فإن إستمعت إلى من يحدثك بها وكنت ملما بمعانيها، فستشعر أنها لغة تتعدى جماليات الوصف أثناء الحديث إلى لغة تحمل كلماتها ومعانيها ومضامينها وصفا دقيقا للأصوات والحركات وكأن الناس على مسرح مفتوح والكل يمثل فيه من خلال الحديث فقط، ولهم هذه المقدرة العجيبة على الحكي أو السرد وتوصيل الصورة الذهنية الكاملة للمتلقي. أضيف إلى ذلك أنها لغة بها الكثير من الحنين، أي لغة (حنينة) كما أسميها. تم توظيفها بإبداع راقي في الجانب العاطفي. الشعر الدارجي زاخر بأمثلة عديدة، أسمح لي أن أستفيض قليلا في هذا الجانب، مستدلا بغناء الشايقية الثري لأنه يمثلها خير تمثيل، وفي بالي (بحر المودة) للشاعر السر عثمان الطيب في والدته والتي غنّاها محمد جبارة يقول مطلعها:
شوفي الزمن يا يمة ساقني بعيد خلاص/ دردرني وإتغربت وإتبهدلت يا يمة وريني الخلاص/ ساقني القدر منك بعيد لأذايا كاس جرّعني كاس/ يا يمة يا فيض الحنان الما كمل/ يا يمة يا بدري البشع دايما بهل/ يا يمة يا نور الصباح وكتين يطل/ وا شري يا زينوبة ولدك في دروب الشوق كتل/ محروم من الحب والمحنة وراك همل/ يايمه ساعت يوصلوا ويقولو ليك شفناه فى بلد فى بلد الأمان/ انبسطي يا نبع الحنان وانا حالي يشهدبوا الزمان/ يايمه رسلي لى عفوك ينجيني من جور الزمان/
وفي أخرى، قصة الفتاة التي انتظرت فارسها سنوات طويلة في مجتمعها القروي البسيط ولكنها فوجئت به يعقد قرانه على غيرها، وعانت ما عانت من جراء ذلك، فكتب الشاعر (بر الحسن بر) على لسانها قصيدته (حبي ليك كان زادي) التي تغنى بها عبدالرحيم أرقي بمشاركة صدّيق أحمد والتي تقول كلماتها:
وداعا يا سراب خداع/ محال ما بيروي عطشانين/ وداعا يا حلم عابر/ يسعد ويفرح النايمين/ وداعا يا كلام معسول/ حدو ومكمنو الشفتين/ وداعا يا قلب قساي/ لا بيحن ولا بيلين/ وداعا يا سحابة صيف/ شايله مطر ضليل ورهين/ 
-;---;--وتبشر بخريف جايينا/ ياما الناس رجوه سنين/ وكل زولا يفكر فيها/ ما معروفه تنزل وين/ وألف سلامة عليك يا قلبي/ مسالم وديمة طبعو حنين/.
-;---;--وغير أشعار الحنين والغزل والعاطفة، كانت لها دورها الريادي في أشعار الثورة وإذكاء مشاعر الحماسة والوطنية في قلوب الناس، كمثال أشعار المقيم الراحل محجوب شريف ويقول في إحدى قصائده:
مساجينك.. مساجينك/ نغرد في زنازينك/ عاصفيرا مجرحة/ بي سكاكينك/ نغني ونحنا في أسرك/ وترجف وإنت في قصرك/ سماواتك دخاخينك/ مساجينك/ برغمك نحنا ما زلنا/ بنكبر بزلازلنا/ بنعشق في سلاسلنا/ بنسخر من زنازينك/ مساجينك/ حكايات الهوى الأول بنحكيها/ بداية الغنا الطوّل.. نغنيها/ حقيقة وليس تتأول/ حنهرب من عناوينك/ حتجهل في عناوينك/ مساجينك/ بالسودان مواقفنا/ للسودان عواطفنا/ ولما تهب عواطفنا/ ما حيلة قوانينك/ مساجينك.
إذن كل الذي كنت أحاول القيام به هو إستخدام هذه اللغة (الحنينة) في روايتي كما هي، بكل بساطتها وعفويتها وبراءتها. وأعتقد الآن جازما، إن لم تكن هذه الرواية بالدارجة، وستخدمت بدلا عنها العربية الفصحى، لاختلف بناء الرواية بشكل كامل وإن كانت بنفس المضمون.

- هل ترمي من وراء كتابتك وروايتك بالعامية أن تجعل منها لغة أدبية؟

- ولمَ لا؟ ما المانع؟ في واقع الأمر وكما ذكرت سابقا أن العامية لغة غنية، هي لغة سلسلة غير متكلفة، قريبة جدا من وجدان القاريء، يجد فيها نفسه بسهولة لبساطتها الشديدة وقربها من حياته اليومية دون الحاجة للتهيوء للقراءة، أي من غير أي تعقيد. بالنسبة لي أجد سهولة كبيرة في الكتابة بالعامية، أسهل بكثير من الكتابة بالفصحى. ولكني أعتقد أنها كتجربة ما زالت في بداياتها، تحتاج إلى الكثير من الممارسة والصقل حتى تشكل لغة أدبية متكاملة جنبا إلى جنب مع الفصحى دون أن تخصم إحداهما من الأخرى أو على حسابها. وفي نفس الوقت تحتاج إلى آخرين لينضموا لهذا النادي، حتى تنضج التجربة وتنهض. وهناك ما زالت بعض الإشكاليات، فليست كل العامية تكتب، بعض الكلمات تضطر لإستبدالها بكلمات أخرى لأنه يصعب كتابتها، لأنها لا تحوي مخارج واضحة للحروف، أو تحتاج للإتفاق حول شكل حروف معينة تضاف للكلمة حتى يفهم معناها. وكما ذكرت سابقا، أنها لغة توصيف كبيرة، بعض تلك التوصيفات لا تتم بالكلمات، مثلا بعضهم لو أراد أن يقول لك (نعم)، فإنه يكتفي بصوت يشبه الطرق يصدره بلصق اللسان مع تجويف الفم الأعلى، مثل هذه الحركة تحتاج إلى الكثير من الكمات للوصول إليها، حتما سيصاب القاريء بالملل إن كنت ستوصفها بشكل مستمر في قصة أو رواية مثلا.
ولكن بالنسبة لي، أستمتع جدا وأنا أقرأ رواية سودانية بالعامية، منتدياتنا السودانية على الإنترنت فيها محاولات كثيرة جيّدة وجاذبة للقراء. ومن جانبي، أتمنى أن أكون قد ساهمت ولو مساهمة صغيرة في هذا الجانب. فقط أتمنى أن لا يتم النظر إليها بشيء من الدونية، كثيرون يعتقدون أن الكتابة بالعامية ما هي حالة ضعف وتهرب من الكتابة بالفصحى، ولكن هذه نظرة ضيّقة غير صحيحة وغير حقيقية بهذا الشكل المطلق. فالضعيف في الفصحى هو ضعيف أيضا في العامية، ببساطة شديدة جدا تستطيع أن تكتشف هذه الحقيقة. على العكس تماما، أعتقد أن من يرغب في الكتابة بالعامية، عليه أن يجيد الفصحى أولا، حينها سيمتلك ناصيتهما معا.

- ما هي طبيعة اللغة العامية التى إخترتها ونحن نعلم التنوع الثقافي الكبير بين شرق السودان وغربه، شماله وجنوبه؟

- في واقع الأمر هذا أصعب سؤال واجهني حتى الآن، وأنا أشكرك لأنك ستتيح لي الفرصة لكي أعمل بعض التوضيحات. من المعروف أن هناك الكثير جدا من اللهجات السودانية في شماله وشرقه وغربه وشرقه، وكلها متأثرة بشكل أو بآخر بكلمات دخيلة وأخرى أصيلة دون إستثناء للتنوع الجغرافي الكبير للسودان الممتد من المناخ الصحراوي شمالا وإلى الاستوائي جنوبا (في السابق). تجد الكلمات النوبية والتركية في الشمال، ثم كان هناك ما يعرف بعربي جوبا وهي اللغة التي يستخدمها أخواننا الجنوبيون (في السابق أيضا من النيليين)، ومثل ذلك في الشرق والغرب. ولكن هناك ما يعرف بلهجة أهل الوسط، وهي اللهجة الوسيطة بين كل تلك المكونات التي إجتمعت في منطقة الوسط..

- وماذا عن روايتك الخرطوم نفر، أي عامية استخدمتها فيها؟

- العامية التي إستخدمتها في الرواية مرت على مرحلتين أو ثلاثة. هي بدأت باللهجة الشمالية الصرفة، وهناك أنواع منها أيضا حسب الأجناس والأعراق، ولكنى قصدت وتعمدت ألا تميل كل الميل نحو قبيلة بعينها، فأنا أهلي من المناصير، وهؤلاء لهجتهم قوية جدا كأجسادهم نسبة لطبيعة منطقتهم الصخرية والقاحلة، واللهجة التي كتبت بها على لسان حسين عندما كان صبيا صغيرا فيها الكثير من لهجة الشايقية. ولكن على أية حال أردت أن يكون حسين هو إبن الشمال الجغرافي دون إنتماء عرقي معين. ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي التأثر بلهجة الوسط (لهجة الخرطوميين)، ومارس تلك اللهجة التي كان قد إستنكرها في الأول بعد أن تأثر بها. ثم تأتي المرحلة الأخيرة، وهي اللهجة العامية التي يمارسها الطالب الجامعي وغيره من المثقفين والتي استمرت حتى نهاية الرواية.

- بما انك روائي من السودان، فهل نستطيع القول بثقة انك قد خرجت من عباءة الطيب صالح، ذلك الروائي السوداني الرائد والعظيم ؟ هل تأثرت به بصراحة أم لا؟

- تأثرت به وفي نفس الوقت لم أتأثر. وقبل أن تسألني كيف، سأجيبك. بلا شك أن الطيب صالح رحمة الله عليه قامة من قامات الأدب السوداني والعربي، من منا لم يقرأ له ويتأثر به؟ ولكن في نفس الوقت كنت قد تعرفت به في مرحلة مبكّرة جدا من عمري، للدرجة التي كان يصعب على إستيعاب كل ما كتب. ولأني أتمتع بذاكرة إنطباعية قوية، فقد تركت رواياته بداخلي إنطباعات وجدانية عميقة ولكنها في نفس الوقت لم تكن مكتملة، بالأخص موسم الهجرة إلى الشمال. لكن نفس هذه الإنطباعات كانت سببا في إستحالة عودتي إلى كتاباته مرة أخرى رغم كل تلك السنين الطويلة ولسبب بسيط، لأني ملول جدا ولا أحب التكرار. ولكن الذي أثار دهشتي حقيقة هو تعليقات العديد من الأصدقاء، كانوا يقارنون ما أكتب بكتاباته ويقاربون المسافات بيننا. حقيقة لم أعمد إلى ذلك، ولا أحسست بنفسي أنحى ذلك المنحى. وللتأكيد شعرت بالحاجة الملحة للعودة إلى كتاباته، كان قد مضى الكثير بيني وبينه. وصار هناك ما يستدعى القيام بتلك الخطوة وإعادة قراءة رواياته بشكل جديد ومختلف كليا عن التجربة الأولى. ولكني إشترطت على نفسي شرطا، ألا أقوم بتلك الخطوة قبل إكتمال روايتي، لأني خفت التأثر به فعلا قبل أن تنتهي. كنت قد قرأت العديد من الروايات السودانية الحديثة، وبدا لي تأثرها الكبير والواضح بكتابات الطيب صالح، هم فعلا لم يخرجوا من عباءته. رغم إني لا أنكر أن التشبيه بهذا القامة قد أسعدني أيما سعادة. ولكن عفوا والدي وأستاذي الطيب صالح، بكل تواضع أقول لا أستطيع أن أكتب تحت عباءتك.

- ما هي مصادرك الثقافية؟ وبحكم أنك عشت ثلاث سنوات من طفولتك بالولايات المتحدة الأمريكية، هل تأثرت بما قرأت باللغة الإنكليزية، بالأفلام أو الثقافة الأنكلوساكسونية بشكل عام؟

- تأثرت بلا شك بالثلاث سنوات من عمري التي قضيتها بالولايات المتحدة الأمريكية، درست في مدارسها، شاركت في أنشطتها، طفت على معالمها، حقيقة والدي رحمة الله عليه كان رجل يحب المغامرة والسفر والترحال. طاف بنا على الكثير من مناطقها ومعالمها التي ظلت راسخة في ذاكرتي، كانت تجربة ثرّة ما زال تأثيرها ممتدا حتى يومنا هذا. ولكن على صعيد هذه الرواية تحديدا، لم يكن تأثير تلك التجربة بالشيء الواضح، على عكس روايتي الأخرى التي آتي على ذكرها كثيرا ولم تنشر بعد وهي "القصر"، فكل ما ذكرت يدخل في مكوناتها بالإضافة إلى مصادر أخرى. أما بالنسبة لـ(لخرطوم نفر)، فهي رواية سودانية خالصة، تأثري فيها واضحا بالمكون المحلي من عادات وتقاليد وأحاجي الجدات والأدب السوداني والبلد ذاخر بالتنوع الثقافي الثر، وتلك المكونات أخذت من وقتي الكثير بعد تلك الثلاث سنوات التي أشرت إليها، لأني كنت كالمبتديء من الصفر بعد رحلة تغرب عن البلد وكأن لم يكن قبلها شيء. بالمناسبة، يعتقد البعض أنني قادم من الريف حسب مجريات أحداث الرواية، لكن في واقع الأمر أنا قمت ونشأت في مدينة، وهي مدينة كسلا الشهيرة ببساتينها وجبالها ومعالمها السياحية التى ما زالت للحد البعيد على طبيعتها العذرية. على كل حال، علاقتي بالريف حيث تنطلق منها هذه الرواية كانت عبارة عن رحلتين فقط في كل حياتي. الأولى كانت في الثانوي، وتلك قضيت فيها نحوا من الإسبوع في منطقتنا بالشمالية، والثانية كانت عند تأبين والدي رحمة الله عليه وكانت يوما واحدا فقط. تأثير ذلك الإسبوع كان عظيما في نفسي وحياتي، يمكنني القول أنها الجذور الحقيقية لبطل هذه الرواية. وتأثري الأخر جاء من منظر لا أنساه أبدا وقعت عليه عيني في رحلتي الأولي تلك إلى الشمالية. كانت الرحلة عموما قاسية جدا بدأت من كسلا صباحا مرورا بمنطقة تسمى قوز رجب وفي الطريق إحتجنا عبور نهر عطبرة الموسمي ولا كباري في تلك المناطق القاحلة حتى وصلنا إلى مدينة عطبرة. في الطريق إلى عطبرة قضينا ليلتنا في الخلاء عند محطة خلوية بها بعض الرواكيب المصنوعة من القش والحصير، أذكر تلك الليلة لأنها كانت باردة جدا إضطررت للنوم أسفل الشاحنة مفترشا الرمل ومتخذا من إطارها الخلفي ساترا من الهواء البارد.

- هي رحلة مؤثرة كانت في حياتك كما يبدو.. صحيح؟

- نعم، صحيح. أجمل جانب من تلك الرحلة كان هو الشق الثاني منها، وهو من عطبرة إلى الشمالية، ركبت لوري محملا بالبضائع، فخيرني السائق في أريحية نادرة، هل نتبع النيل أم نقطع صحراء بيوضة، ولكنه حذرني قبل الإختيار، أن الطريق المحاذي للنيل وعر جدا وأن الرحلة ستستغرق يومين كاملين، لكن بالطبع سأمتع نظري بجمال بكر لا نظير له، وعلى الجانب الأخر يمكننا قطع الصحراء في رحلة تستغرق ما بين أربعة إلى ستة ساعات، وبالطبع ستكون رحلة خطيرة ومرهقة والصحراء قاحلة لا ظل لا حيوان لا نبات مجرد رمال في كل مكان، وسنحتاج بالطبع لحمل الكثير من الماء للإحتياط، ميزتها الوحيدة طبعا هي قصر المسافة، وبدون تردد إخترت النيل.
أما المشهد الذي شدّني فعلا وتأثرت به كثيرا، فبينما كنا نجد في المسير ونحن على حالنا من محاذاة للنيل عند ضفته الغربية، هو ظهور تلك المنطقة التي ظهرت أمامنا فجأة بين التلال الصخرية وكأنها برزت من العدم. كانت عبارة عن جنة غير مطروقة من الأشجار الكثيفة جدا والظليلة بشكل عبقري مدهش، توقفنا عندها فورا. تفاجأت بأن المنطقة خالية تماما إلا من رجل عجوز وإمرأة مسنة. ذينك المسنين كانا لوحدهما في تلك البقعة الفريدة على وجه الأرض، شغلني أمرهما بشكل لا يصدّق، حتى الأن أذكر هيئتهما بملابسهما البسيطة الرثة، وعليهما جلد كثير التجاعيد يكسو عظاما، وراكوبة وحيدة أقاماها من سعف النخيل عند جزع شجرة ضخمة. وبالأنحاء بعض الأواني القليلة والعتيقة المبعثرة هنا وهناك وبقايا نار لم يخمد دخانها. كنت في قمة خجلي وهم يكرمون وفادتنا بالمتاح لديهم ولم يكن غير الماء العذب الزلال. كان ذلك المنظر رفيقي وأنا أكتب في (الخرطوم نفر) وكأني أسدد دينا على رقبتي.

- من موقعك كروائي، كيف ترى إذن الى الكتابة والأدب في السودان الآن؟

- الكتابة الآن في السودان عملية مرهقة للغاية، يكاد يكون من المستحيل على الكاتب التفرغ للكتابة. الحياة هنا ضاغطة بشكل لا يصدق. الكل مشدوه جريا وراء لقمة العيش. فمن أين تتوفر الأجواء المناسبة للكتابة؟ هذا طبعا بالإضافة لأسباب أخرى عديدة، أذكر منها المشاكل المتعلقة بالنشر. يذكر الكاتب السوداني حمور زيادة الذي فاز مؤخرا بجائزة نجيب محفوظ عن روايته (شوق الدرويش) كأول سوداني يحصل عليها في لقاء له على قناة ONtv أنه في الغالب ما كانت اللجنة ستنتبه لروايته إن نشرت بالخرطوم في إجابة على سؤال للمذيعة، وأنا أعتقد ذلك أيضا. وتلك هى مشكلة حقيقية ومعاناة ما زالت قائمة تواجه الكتاب والناشرين. كمثال أخر، رواية (آلام ظهر حادة) للصديق الروائي عبدالغني كرم الله، نشرت في القاهرة في العام 2004 ولكن لدهشتي الشديدة لم توزع في الخرطوم إلا في العام 2014 خلال فعاليات معرض الخرطوم الدولي الأخيرة، أي بعد عشرة أعوام كاملة منذ تاريخ طباعتها دون أي أسباب واضحة. مثال أخير، أقام أعضاء مجموعة "الميين روود" أمسية أدبية بدار إتحاد الكتّاب السودانيين بالخرطوم في نوفمبر الماضي، وكانت المناسبة هي مناقشة كتاب صدر حديثا لأحدى الأعضاء بمعية عدد من النقاد. ولكن اضطروا لطلب نسخ سلمت باليد من خارج البلاد لتصل إلى النقاد وتم ذلك قبل سويعات معدودة من قيام الأمسية بينما الكتب كان قابعة لعشرين يوما في المطار ولا يعلمون بالضبط متى ستخرج. هذه أمثلة بسيطة عن مدي المعاناة التي يعانيها الكاتب والناشر على حد سواء، ولكن الصورة ليست كلها بتلك القتامة. خلال العقد الماضي بدأت تظهر العديد من الأسماء الواعدة في سماء الأدب، وهي في حالة تزايد وتصاعد مستمر مما يشرح ويسر النفس. ظل الأدب السوداني شحيح الظهور في المحافل الدولية والإقليمية وحتى المحلية لفترة طويلة من الزمن وإن لم يتوقف بالمرة. ولكن كانت هناك حالة من الركود الثقافي العميق بين الجيل الأول والجيل الحالي بالذات في فترة التسعينات، لكني أعتقد أن لثورة الإتصالات الأثر الأكبر في إشعال جذوته من جديد وخلق الحراك المطلوب رغم الضغوط الإقتصادية والإجتماعية والسياسية المعروفة. وسائط مثل الفيس بوك وتويتر والمدونات الإلكترونية ساعدت كثيرا في ظهور العديد من الكتاب الشباب. هذا طبعا بالإضافة لدور المسابقات التشجيعية والنشر، مثل جائزة الطيب صالح التي ساهمت في سطوع نجوم جيل صاعد، ومسابقة جمعية غادة الثقافية للشباب. وأنا كمثال حاضر أمامك، لم أكتب أيا من قصصي أو رواياتي على الورق منذ العام 2010، لدرجة إني أحيانا أشتاق لمسكة القلم بين أناملي وتذكر ذلك الإحساس بالضغط على سطح ورقة جرداء وممارسة بعض الخربشات بلا معنى، ولكنه لا يعدو كونه مجرد إشتهاء. منذ ذلك التاريخ وأنا أكتب إما مباشرة على المنتديات أو الفيس بوك، أو أحتفظ بها كنسخ إلكترونية على الحاسوب. وبالمثل، ظهور الكتاب الإلكتروني ساعد كثيرا في إخترق حاجزي الزمان والمكان وكان أثره واضحا وجليا. على العموم، يمكنني القول أنه عاد ذلك النهم للمعرفة وللبحث عن كل جديد. شاهدت بنفسي الناس في معرض الخرطوم الدولي للكتاب في سبتمبر الماضي وهي تستقطع من مصروفها اليومي على شحه وقلته لتشتري به كتاب أو كتابين. كنت أشاهد الناس تخرج من المعرض بصحبة مجموعة من الكتب، هذه صورة مشرّفة وظاهرة صحية، الناس عادت تقرأ من جديد. بدأ الإهتمام أيضا والدعوات تترى عن طريق شبكات التواصل الإجتماعي لضخ الدماء من جديد في التظاهرة الفريدة التي إبتكرتها مجموعة من الشباب المثقف والتي إشتهرت بالـ(مفروش)، وهي تعني البضاعة المباعة على الأرض، هناك يتم عرض وبيع وتبادل الكتب المستعملة في محيط منطقة مقهى (إتني) القديم الذي كان يجتمع فيه المثقفون السودانيون. وهذه التظاهرة الفريدة من نوعها غير أنها توفر الكتاب النادر والغير متوفر قد ساعدت أيضا في تواصل الأجيال. وبنفس الطريقة تخرج دعوات أخرى ليوم قراءة فقط بالساحة الخضراء مثلا. إذن هناك حراك ثقافي حقيقي وفعلي ومتزايد، وهذه البركة التي كانت راكدة لبعض الوقت، لم تعد ساكنة كما في السابق، وبالتالي تحتاج لمن يغذيها بإستمرار، وهنا يأتي دور الكتّاب الشباب لمليء هذا الفراغ ليلبي طموحات وأشواق الشباب بصفة خاصة، كل ذلك وأنا ألاحظ ميلا واضحا نحو كل ما هو سوداني، الناس قرأت كثيرا لكل الكتاب العرب والعالميين، حاليا هناك رغبة حقيقية وكبيرة في كل ما هو سوداني.
التقاه: حكمت الحاج







اخر الافلام

.. شاهد.. المنزل الذى قتل به أحفاد الفنان المرسى أبو العباس ببو


.. فنانو اليمن يعزفون للسلام في عيد الموسيقى العالمي


.. كاريكاتير.. بين حزن ميسي وفرح رونالدو




.. لقاء الفنان صباح الخياط على قناة هنا بغداد وحديث عن سيرته ال


.. الموسيقى المغاربية حاضرة في عيد الموسيقى بباريس