الحوار المتمدن - موبايل



لودميلا ساراسكينا :- كل ما بَشَّر به حَدثَ -

الحسن علاج

2015 / 1 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


لودميلا ساراسكينا :" كل ما بَشَّر به حـــــــــــــــــــــــــَدثَ "
إن َيَقظَةَ الكاتب القصوى في عصره ، أتاحت له ، بحسب الجامعية الروسية ، بالتنبؤ بالقسوة والمعاناة التي كانت بلاده تتجه صوبها .
أجرى الحوار : فيرونيكا دورمان
ترجمة : الحسن علاج
دكتور في الفيلولوجيا ، مؤرخة للأدب ، ناقدة أدبية ، كاتبة ، أستاذة ، تعتبر لودميلا ساراسكينا متخصصة في الأدب الروسي في القرنين التاسع عشر والعشرين . منذ ما يزيد عن الثلاثين سنة ، كرست نفسها أساسا لدراسة عمل دوستويفسكي ، الذي خصصت له العديد من المقالات ، محاضرات وأعمال ، منها فيودور دوستويفسكي . انتصار على الشياطين (1996، ترجمه عن الروسية  برينو بيسون ، دار نشر . عصر الرجل ، 2008 ) . وهي عضو الجمعية الدولية لأصدقاء دوستويفسكي ، ترأس هيئة تحرير العديد من المجلات الروسية المتخصصة ، منذ 2001 تقوم بالتدريس وإدارة البحث بالمعهد الوطني لمعرفة الفنون . وقد قامت أيضا بتأليف سيرة ذهنية لأليكسندر سولجنتسين Alexandre Soljenitsyne) ( 1، كتاب مرجعي نشر سنة 2008 بروسيا ، وسيصدر هذه السنة بدار نشر فايار .
ما هي مقاربتك لدوستويفسكي ؟ هل صغت تصورا خاصا في القراءة والتحليل ؟
لقد مضى على ذلك ثلاثون سنة ، أن باحثا ما كان يبادرك بالقول : " منهجي ماركسي لينيني . " فأنا لم يسبق لي أن امتلكت أي منهج أبدا ، بنيوي ، شكلاني أو ما بعد حداثي ، إذ أن كل شبكة قراءة هي شبكة اختزالية بشكل قسري . إن مقارنة مماثلة لا تناسب كاتبا كبيرا . إن دوستويفسكي ذو مواهب كثيرة ومتعددٌ . لا توجد في تصوري سوى طريقة مجزية ومنتجة : الانطلاق من النص . إنها المادة ذاتها التي تقدم الأجوبة على الأسئلة التي يتم طرحها . بالطبع ينبغي مقارنة ، ضم ، الأخذ بعين الاعتبار كل الكتابات ، تسلسل الأحداث . فأنا لست من طينة نقاد الأدب الذين لا يقدِّرون سيرة الكاتب حق مقدارها . فلا يمكن للمرء أن يقرأ الفقراء أو الجريمة والعقاب بمعزل عن السياق البيوغرافي ثم تأويلها كما يحلو له . إذ كل جزئية من جزئيات الحياة اليومية لها أهميتها ، ثم إنها تؤثر في الإبداع . لاسيما في حالة دوستويفسكي ، الذي يَخضع على الدوام إلى قلق مادي وعاطفي .
كيف نضج الكاتب ؟
كان دوستويفسكي في شبابه مولعا بالكتابة . ففي رواياته الأولى وقصصه  القصيرة ، كان يجعل من كل شخصياته الشابة كتَّابا . فقد كان مهووسا بالكتابة ، يبتكر ، يجرب ، يفشل ؛ فقد اقتنع بأن الأدب يمكن أن يكون مشروعا مربحا ، مزيدا من المال ( كما هو الحال عند بوشكين 2وغوغول 3) ، يغدق عليه هذا المال الذي يعوزه دائما . كان يعيش في دوامة العالم الأدبي . إلا أنه أقسم ألا يكتب أبدا تحت الطلب ، ألا يرمِّق نصوصه ، ألا ينمقها دائما . وكانت نقطة القطيعة طبعا هي الاعتقال في 1849 ، ثم سجن الأعمال الشاقة . ولا يَعرف إطلاقا كيف كان سيتطور لو لم تحدث هذه الكارثة . وقد قال فيما بعد : " أباركك ، أيها السجن . " ستسمح له هذه المصيبة بإعادة النظر في الكثير من الأشياء في حياته : المجد ، المال ، موضوعات الكتابة . كان دخوله الأدبي الثاني أكثر صعوبة من الدخول الأول . ففي سنة 1846 ، كان يتحدث عن [ رواية] المساكين وهي لم تأخذ بعد طريقها إلى النشر : كانت بطرسبورغ كلها تهتف بالنابغة ، لأن ناقد الأدب الكبير بيلينسكي Bielinski) ( 4 الذي كان يتمتع بسلطة ونفوذ أدبيين ، سالت دموعه ، وهو الذي لم يذرف دمعة أبدا ... على أنه في سنة 1860 ، تم نسيان دوستويفسكي من طرف الجميع ـ بعد عشر سنوات من الصمت ، عاد مرة أخرى ، [رواية] حلم العم في حجم كتاب الجيب . فماذا قال صديقه والكاتب نيكراسوف5 Nekrassov) ( ، محرر ديموقراطي لمجلات أدبية  والذي سيعانق بالأحضان زميلَه ، الناجي من الموت شنقا ، ثم العمل على نشر أي ترهة مهما كانت ؟ " دوستويفسكي انتهى . " خمس سنوات فيما بعد ، ستظهر [رواية] الجريمة والعقاب .
تنبأ دوستويفسكي بالثورة الروسية . من أين  أتته ِهبة الرؤيا هذه ؟
لم يسبق لدوستويفسكي أن اعتبر نفسه نبيا قط ، بيد أنه كان يتوفر على إدراك حاد بما كان يدور حوله ، كان يلتهم الجرائد ، كان دائما على اتصال بكل شيء ، وقد توصل إلى أن يدرك الأهمية التاريخية إدراكا جيدا لحدث مختلف . يزدري كتَّابنا في الوقت الراهن الحدث الراهن ، بيد أن دوستويفسكي لم يكن ليصبح هو ذاته دون هذا الجوع للخبر . فقد قال : " أشعر بحنين لليومي / لدي نقص في ما هو راهن " ، عنوان الفصل السابع من الجزء الثاني من [رواية] مذكرات في قبو . أثناء قراءته في الصحافة خبر جريمة قتل لا قيمة لها ، لا معنى لها ظاهريا ، اغتيال الطالب إيفانوف ، غرقا في مستنقع ، كشف عن عرَض مميت . كان دوستويفسكي مشخِّصا كبيرا وأقل من نبي . تعتبر [رواية] الشياطين  مختبرا إبداعيا جرب فيه الكاتب واستنبط قاعدة الثورة : ربط العالم كافة بالدم الذي ساهم الكل في إراقته ؛ فبفضل ذلك أصبح رؤيويا كبيرا ، ومن أجل روسيا ، وفضلا عن ذلك من أجل العالم ( ثمة شياطين هندية ـ بيت العالم لروبندروبات طاغور6 ـ ، شياطين صينية ، شياطين لاتينوـ أمريكية  ) . لم يكتف دوستويفسكي بالتنبؤ ووصف الثورة ، فقد وهبها المفتاح الكوني ، استخلص منها القوانين والمبادئ ، السر والوصفة السياسية . في 1922 ، سيقول النقاد الماركسيون : " كان دوستويفسكي يعرف أكثر حول الإواليات ، تشريح وخبايا الثورة وهو يُعد أكثر ثورية من الثوريين . كل شيء تم كما تنبأ به . " كان رؤيويا حقا ، تحليله السياسي والسيكولوجي لروسيا القرن التاسع عشر ، العشرين والواحد والعشرين أيضا ، لا يضاهيه أي تحليل . أصبحت شخصياته أسماء نكرة ، عبارات من أجل وصف أوضاع سياسية ذات أهمية .
كيف ابتكر دوستويفسكي شخصيتين جذابتين ، وهما على ما يبدو تشكلان وجها سلبيا ، الأمير ميشكين وستافروغين ؟
بدءًا قام  بابتكار ميشكين . في بادئ الأمر ـ في المسودات ـ كان الأمير قبيحا جدا . مثل ستافروغين . بيد  أن شخصيات دوستويفسكي تنمو وتتطور ، طوال كتابة الرواية ، التي تعتبر هي الأخرى بحثا . لقد تصور ميشكين مثل شخص عجيب وإيجابي . غير أن دوستويفسكي ما كان يعرف كيف يحقق هذا المشروع . من أين يأتي الناس الخيرون ؟ ممَّ يخلقون ؟ الأمير هو المسيح ، بالتأكيد . باستثناء أن المسيح يعتبر إلها ، في حين أن ميشكين هو إنسان . في [رواية] الأبله  ، كل الأشخاص المرتبطين بهذا الإنسان الذي يجسد الطِّيبة يعانون أو يموتون . إنه ليس جالبا للحظ . لأن الطِّيبة والجَمال الإنسانيين هما شيئان  مختلفان . تنكشف تلك الطبيعة شيئا فشيئا للكاتب أثناء سيرورة الكتابة . فمن يكون ستافروغين هذا ، مُغوِيا مثل شيطان ، يثير أهواء الكل ، [أهواء] الرجال والنساء ؟ كيف حدث هذا ؟ توجب عليه البحث عن ذلك . كان دوستويفسكي يمتلك صيغة أخرى أخيرة لديه : " سينمو ذلك بالريشة . " يلاحظ في المسودات : يتغير ستافروغين في كل الأيام ؛ فجأة ، يفكر مثل دوستويفسكي ـ الفكرة الروسية ، الإيمان ، الأرثذوكسية ـ ، فجأة يَحدُث العكس تماما . لم يبتكر دوستويفسكي شخصياته دفعة واحدة قبل الانكباب على كتابة الرواية ؛ كان يتنبأ بها ، يكشفها تدريجيا عبر تطور الحبكة . فكيف ستصبح بعد لحظة ، في ظرف سنة ؟ لم يكن يعرف ذلك مُقدذَما .
في أي شيء يعتبر دوستويفسكي روسيا حتما تجاه الغرب ؟ كيف يمكن تقديم تفسير لانسياقه في نصرة الروس ؟
ينبغي أن نعرف  أن دوستويفسكي المتأخر في منتصف 1870 ، والذي كان يُتَّهم بإفراطه في نصرة روسيا ، لم يتوقف عن تكرار : " نحن الروس ، نمتلك جزأين . روسيا وأوروبا . " فقد كان يكرر هذا القول كما تكرر الصلاة . على أنه كان مهانا جدا : " نحن أطفال أوروبا ، إننا نحبها ، ومستعدون لخدمتها إلى الأبد . لكنها لا تحبنا . تنظر إلينا كما لو كنا يتامى قاصرين . لا تهتم بنا ، تبتعد عنا . " كانت معاناة لا تنتهي . ففي دفتر كاتب ، في يناير 1881 ، بعد موته بالتحديد ، كانت خيبة أمله بالنسبة إلى أوروبا كبيرةً . فأوروبا التي لا تحب روسيا ، والتي لم تكن تَقبَل بها أبدا ، ذاتَ مجد ، وذاتَ قوة ، وجمال ، بل شقية وبئيسة ، كي تَهَبَها الصدقات وتغتبط بتعاستها . حتى أنه تساءل إذا لم يكن من الضروري التوجه صوب آسيا ...
على أي شيء ارتكز حقد النظام السوفياتي ضد دوستويفسكي ؟
من المعروف أن لينين  ، في عشرينيات القرن الماضي ، كان يُكِن الكراهية لدوستويفسكي ، مع الاعتراف بقيمته . وقد شكلت تلك السنوات تطور الدراسات حول دوستويفسكي . ثم إن تلك الحقبة ـ وبالرغم من كراهية الزعيم ـ فقد ساعدت على نشر متن ضخم من الرسائل والمذكرات . ثم تحل الحقبة الستالينية ، ويتوقف كل شيء . وقد بقي دوستويفسكي ، إلى حدود نهاية الخمسينات ، محظورا لأسباب سياسية . لماذا ؟ ، فابستباقه للثورة ، اتُّهم بكونه مبشرا بالنازية . وصف الاشتراكية مثل أي عدو للاشتراكية في الوقت الراهن لن يقدر ولن يستطيع القيام  بذلك . مع أول انفراج للأزمنة ، حوالي 1960 ، تم السماح بتداول أعمال دوستويفسكي ، لكن على مضض . نشرت أعمال كاملة في عشرة أجزاء ؛ كانت دراسته تفتقد إلى الحماس ، على أنه كان على الدوام مطبوعا بطابع العدُوِّ ، ولو أن اقتناء كتبه ما عاد يقود إلى السجن ولا إلى المنفى . القطيعة ، حصلت في 1971 : فقد تم إعلان الذكرى 150 لولادته بواسطة اليونيسكو " سنة دوستويفسكي " . وقصد إدراجه في الثقافة ، فقد تم تقديمه من الآن فصاعدا ، كمبشر بالحركات الثورية الجذرية ، البولبوتية 7polpotisme) ( ، الماوية . ولكن لا كلمة بخصوص الشيوعية السوفياتية . استمرت تلك الكوميديا إلى حدود البيريسترويكا8 perestroika) (.
ما هو ميراث دوستويفسكي في الأدب الروسي ، من الـ " حقبة الفضية " إلى اليوم ؟
الورثة المباشرون ؟ كل الحقبة الفضية استهواها دوستويفسكي . فقد حاول العديد من الكتاب تقليده ، واقتفاء أثره . كان أندراي بيلي 9Andrei Biely) ( يضع رواية الشياطين  أمامه ، وهو عاكف ، مثلا ، على كتابة رواية بطرسبورغ . وألكسندر بلوخ Alexandre Blok) ( 10، وآخرون كثر ... فهم كانوا يحبونه ، يتملقونه ويشعرون أنهم قريبون منه . على أن هذا الشعور تلاشى عند الكُتَّاب المعاصرين ، كي لا يبقى محتفظا به سوى لدى الباحثين والنقاد . ... ما يتبقى اليوم ، هو دوستويفسكي . شعلة ، مستوى راق للغاية ، حيث إن هناك رغبة في تجاوزه . إن الأدب الحالي فقد بوصلته ، متقلب ، تتم كتابته من أجل الجوائز ، التقليعات ، المواسم ، قال دوستويفسكي ، مترددا بين ما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة : " إني أنتمي إلى اتجاه لا تفرد له النياشين . " إن لحضوره في ثقافتنا دلالة كبيرة . يناضل العديد من الكتاب ضد هذا الإرث المقدس الذي يزعجهم . يحسون بأنهم أقزام وضئيلون . إن ذلك يغيظهم . ثم إن هذا الغيظ إيجابي للغاية . يدخلون في صراع معه في عملهم ، يتناقشون ، يثورون ، يبحثون عن نقط الضعف . يعتبر راسكولنيكوف Raskolnikov) (11 خطا من الخطوط الأكثر حساسية . لن يوجد أبدا مجرمون يندمون في أيامنا هذه . في الروايات المعاصرة ، القتلة هم بدائيون ، لا يعذبهم ضميرهم . هذا الصراع الموجود بين الجريمة والعقاب ، الاحساس بالذنب ، قد تلاشى ... ثمة حالة مثيرة للاهتمام ، صحيح أنها ليست حديثة عهد ، لكنها نموذجية ، هي [حالة] نابوكوف12 Nabokov) ( . فقد شكل تمردا شرسا ضد دوستويفسكي . إن تواجد الكاتب المتعذر تجاوزه ، يخرجه عن طوعه . لدى وصوله إلى قاعة الدرس قال لطلبته الأمريكيين : " جئت من أجل إنزال دوستويفسكي عن عرشه . سنلقي به من أعلى إلى أسفل سافلين . " كان نابوكوف يرغب في البرهنة على أنه يمكن كتابة رواية مع جريمة كاملة ، مجرم كامل ، لن يكون مخدوعا ، لن يصاب بالندم ، لن يشعر بتبكيت الضمير . راسكولنيكوف ، هو كِذبة ، غير موفقة . وكدليل على ذلك ، شرع نابوكوف في كتابة [رواية] غلطة . اختار القاتل ، هيرمان كارلوفيتش ، ضحيتَه ، قتلها ، وشأنه في ذلك شأن راسكولنيكوف ، فقد اقترف خطأ لا يغتفر ، لم يتمكن من إخفاء آثاره ، لقد ضُلِّلَ ؛ منزويا في غرفته بالفندق ، بدأ يفقد صوابه . اليأس هنا ،  هو يأس نابوكوف ، الذي أدرك أن لاوجود لجريمة كاملة . كل جريمة تترك آثارا تعود حتما لملاحقة  المجرم .
هل تعتبر أدوار دوستويفسكي وسولجنتسين ، في الأدب ، وفي تاريخ الروح الروسية ، أدوارا مماثلة ؟
قطعا . إن ما تنبأ به دوستويفسكي بخصوص القرن العشرين قد حدث . وقام سولجنتسين بوصفه . أسوق مثلا : [رواية] الإخوة كرامازوف ، فقد [ظهرت] سنة 1880 . أليوشا 20 سنة ، إيفان 24 سنة ، وميشيا 28 سنة . كلها شخصيات  في ريعان شبابها . خمس وعشرون سنة ، فيما بعد ، تحدث أول ثورة روسية سنة 1905 . تم سحق الإخوة كرامازوف تحت الـ " عجلة الحمراء " للثورة ثم إنهم وجدوا أنفسهم أمام اختيار . ها هي شخصيات سولجنتسين ، تخرج من معطف دوستويفسكي . كان لدوستويفسكي تأثير أساسي على عمل سولجنتسين ، ثم إن مصيرهما كان مماثلا . كلاهما صمد في المعتقل ، الـ" بيت الروسي الميت " . كلاهما غادر [المعتقل] متغيرا ، متجددا ، وبأهداف جديدة . لم يحتقرا تلك المعاناة ، اعترفا بجميلها ، والسمو الذي أكسبتهما إياه . عاملهما الرأي العام بقسوة بذات الطريقة . تم رفضُ مصافحة دوستويفسكي بعد الشياطين  ، فقد اعتُبر مجنونا . واستُحسنَ سولجنتسين من أجل رواية يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش وكُرِه  من خلال رواية 14 غشت ، عند إدراك ذلك الآخر الكامن فيه ، ذلك الحب التراجيدي لروسيا . لم يسبق لا لدوستويفسكي  ولا لسولجنتسين الإساءة إلى وطنهما ، بتقديمهما صورة فظيعة له غالبا . فقد كانا ، على خلاف ذلك ، مفعمين بالرأفة . ربما كانا يعطيان صورة مثالية لروسيا ، لكن أين هو العيب في ذلك ؟ فقد كانا هما الآخران ناقدين شرسين لها . عندما يُتَّهم دوستويفسكي بالتعصب للروس المعادي للأجانب ، أرغب في التساؤل : وستافروغين ، ألم يكن صينيا ؟ وفيدور كرامازوف ، ألم يكن هنديا ؟ إنه الواقع الروسي ، الفظيع والمثير للاشمئزاز . والعجوز التي تعطي قروضا مقابل ضمانات (الجريمة والعقاب) ، هي روسية تسرق زبائنها . وسولجنتسين ؟ ألم يكشف لنا عن الكذَبة ، الخوَنة ، خائري القوى ؟ فكل ما قام بوصفه ، هو الواقع الروسي أيضا . فهما لم يتوقفا عن توبيخ مواطنيهما ، كافة ، الملاك العقاريين ، الرأسماليين ، البورجوازيين ، والمثقفين ، ثم الجذريين .
ما هو إسهام النقد الروسي في قراءة دوستويفسكي ، إسهام باختين تحديدا ؟ وما هي منظورات البحث المعاصر بخصوص دوستويفسكي ؟
لقد قام النقد الروسي بعمل جبار . فقد أسهم الفكر الديني في الحقبة الفضية بوفرة من أجل فهم دوستويفسكي . أسهم النقد السوفياتي المتأخر بحصته في الاكتشافات ، غير أن الشروحات كانت تعاني من شبكة قراءة غارقة في الأَدْلَجَة . لدي علاقة معقدة بباختين Bakhtine) ( . إنه فيلسوف لديه نظرة عامة جديرة  بالاهتمام ، لكن نماذجه لم تصمد أمام محك النص . و ، في الوقت الراهن ، ثمة موضة جديدة : يُشاهد الإنجيل في كل مكان . توجد أمثال على كل الصفحات ، كما لو أن دوستويفسكي قام بنقل الكتابات [المقدسة] إلى لغة الرواية . قد يكون بالإمكان الاعتقاد بأن كل شيء قد قيل سلفا وأعيد قوله لألف مرة . إن تأويل دوستويفسكي ، اكتشاف ثيمات وأبعادا  جديدة في عمله ، لا يرتهن إلى قوة البحث ، بل إلى ذكاء الباحث . الذهنيات تتغير ، والأزمنة أيضا . إن أبالسة اليوم ، مثلا ، ليسوا هم أبالسة البارحة أبدا ، لقد تغيروا . نجدهم في المال ، السلطة ، والفساد . غير أن دوستويفسكي تنبأ بهم . لوجين ، في الجريمة والعقاب : ها هو ذا ثري روسي جديد . منْ  قبلُ ، لما كانت الظاهرة غير موجودة ، كان المرء يمر أمامها دون أن يعيرها أدنى اهتمام ، دون أن يلاحظ شيئا . لكن اقرأوا بتيقظ : كل أساليب الرأسمالية السارقة التي دَمرت روسيا في التسعينات استمرت في هذه الشخصية الكريهة . يمكن للمرء  أن يقضي سنوات وهو يجتر دوستويفسكي ، وفجأة ، يقوم باكتشاف حاسم . إنه يتمتع بعمق سحيق لا ينضبُ .
ـــــــ
1) ألكسندر سولجنتسين : (1918 ـ 2008) كاتب ومنشق روسي له على الخصوص : أرخبيل الغولاغ  والعجلة الحمراء ويوم في حياة إيفان دنيسوفيتش .
2) ألكسندر بوشكين: ( 1799 ـ 1837) شاعر ، مؤلف مسرحي وروائي .
3) نيكولاي غوغول : ( 1809 ـ 1852) ناثر ، شاعر وناقد أدبي . ويعتبر واحدا من الكتاب الكلاسيكيين للأدب الروسي .
4) بيلينسكي : (1811 ـ 1848) يعتبر من أعظم نقاد الأدب الروسي في القرن التاسع عشر .
5) نيكولاي نيكراسوف :( 1821  ـ 1878) شاعر ، كاتب ، ناقد وناشر روسي .
6)رابيندرنات  طاغور :(  1861 ـ 1941 ) مؤلف موسيقي ، كاتب ، مؤلف مسرحي ، رسام وفيلسوف هندي ، وقد كان لأعماله تأثير عميق على الأدب والموسيقى في البنغال في القرن العشرين . حاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1913 .
7) البولبوتية : نسبة إلى بول بوت ونظامه الدموي .
8) البيريسترويكا : تعني إعادة البناء والهيكلة ، وهي تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي قادها ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي من 1985 إلى 1991 .
9) أندراي بيلي :( 1880 ـ 1934 ) شاعر وكاتب روسي . يعتبر من أعظم الكتاب في القرن العشرين .
10) ألكسندر بلوخ (1880 ـ 1921 ) ينتمي إلى جيل رانيا ماريا رايلكه ، فرانز كافكا ، وغيوم أبولنير ، وإيغور سترافنسكي .
11) راسكولنيكوف : شخصية أساسية في رواية الجريمة والعقاب .
12 ) فلادمير نابوكوف : (1899ـ 1977) كاتب ( روائي ، شاعر ، مترجم وناقد أدبي ) أمريكي من أصل روسي .
13) ميخائيل باختين : (1895 ـ 1975 ) مؤرخ ومنظر روسي للأدب . انصب اهتمامه أيضا على التحليل النفسي ، الاستتيقا والأخلاق .  
عن المجلة الأدبية الفرنسية Le Magazine Littéraire) ( ، مارس 2010 عدد : 495
Elhasine320@gmail.com
 
 
 







اخر الافلام

.. كيف تقوم الصين باضطهاد مسلمي الإيغور؟


.. اليمن: تقرير حصري لقناة فرانس 24 من صعدة معقل الحوثيين


.. اتفاق بريكسيت: هل يمكن تأخير موعد خروج بريطانيا من الاتحاد ا




.. ما قاله عمار الحميداوي عن كواليس إعداد التقارير الحصرية لقنا


.. هل كانت روسيا على علم باعتزام إسرائيل شن غارات جديدة على سور