الحوار المتمدن - موبايل



لودميلا ساراسكينا :- كل ما بَشَّر به حَدثَ -

الحسن علاج

2015 / 1 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


لودميلا ساراسكينا :" كل ما بَشَّر به حـــــــــــــــــــــــــَدثَ "
إن َيَقظَةَ الكاتب القصوى في عصره ، أتاحت له ، بحسب الجامعية الروسية ، بالتنبؤ بالقسوة والمعاناة التي كانت بلاده تتجه صوبها .
أجرى الحوار : فيرونيكا دورمان
ترجمة : الحسن علاج
دكتور في الفيلولوجيا ، مؤرخة للأدب ، ناقدة أدبية ، كاتبة ، أستاذة ، تعتبر لودميلا ساراسكينا متخصصة في الأدب الروسي في القرنين التاسع عشر والعشرين . منذ ما يزيد عن الثلاثين سنة ، كرست نفسها أساسا لدراسة عمل دوستويفسكي ، الذي خصصت له العديد من المقالات ، محاضرات وأعمال ، منها فيودور دوستويفسكي . انتصار على الشياطين (1996، ترجمه عن الروسية  برينو بيسون ، دار نشر . عصر الرجل ، 2008 ) . وهي عضو الجمعية الدولية لأصدقاء دوستويفسكي ، ترأس هيئة تحرير العديد من المجلات الروسية المتخصصة ، منذ 2001 تقوم بالتدريس وإدارة البحث بالمعهد الوطني لمعرفة الفنون . وقد قامت أيضا بتأليف سيرة ذهنية لأليكسندر سولجنتسين Alexandre Soljenitsyne) ( 1، كتاب مرجعي نشر سنة 2008 بروسيا ، وسيصدر هذه السنة بدار نشر فايار .
ما هي مقاربتك لدوستويفسكي ؟ هل صغت تصورا خاصا في القراءة والتحليل ؟
لقد مضى على ذلك ثلاثون سنة ، أن باحثا ما كان يبادرك بالقول : " منهجي ماركسي لينيني . " فأنا لم يسبق لي أن امتلكت أي منهج أبدا ، بنيوي ، شكلاني أو ما بعد حداثي ، إذ أن كل شبكة قراءة هي شبكة اختزالية بشكل قسري . إن مقارنة مماثلة لا تناسب كاتبا كبيرا . إن دوستويفسكي ذو مواهب كثيرة ومتعددٌ . لا توجد في تصوري سوى طريقة مجزية ومنتجة : الانطلاق من النص . إنها المادة ذاتها التي تقدم الأجوبة على الأسئلة التي يتم طرحها . بالطبع ينبغي مقارنة ، ضم ، الأخذ بعين الاعتبار كل الكتابات ، تسلسل الأحداث . فأنا لست من طينة نقاد الأدب الذين لا يقدِّرون سيرة الكاتب حق مقدارها . فلا يمكن للمرء أن يقرأ الفقراء أو الجريمة والعقاب بمعزل عن السياق البيوغرافي ثم تأويلها كما يحلو له . إذ كل جزئية من جزئيات الحياة اليومية لها أهميتها ، ثم إنها تؤثر في الإبداع . لاسيما في حالة دوستويفسكي ، الذي يَخضع على الدوام إلى قلق مادي وعاطفي .
كيف نضج الكاتب ؟
كان دوستويفسكي في شبابه مولعا بالكتابة . ففي رواياته الأولى وقصصه  القصيرة ، كان يجعل من كل شخصياته الشابة كتَّابا . فقد كان مهووسا بالكتابة ، يبتكر ، يجرب ، يفشل ؛ فقد اقتنع بأن الأدب يمكن أن يكون مشروعا مربحا ، مزيدا من المال ( كما هو الحال عند بوشكين 2وغوغول 3) ، يغدق عليه هذا المال الذي يعوزه دائما . كان يعيش في دوامة العالم الأدبي . إلا أنه أقسم ألا يكتب أبدا تحت الطلب ، ألا يرمِّق نصوصه ، ألا ينمقها دائما . وكانت نقطة القطيعة طبعا هي الاعتقال في 1849 ، ثم سجن الأعمال الشاقة . ولا يَعرف إطلاقا كيف كان سيتطور لو لم تحدث هذه الكارثة . وقد قال فيما بعد : " أباركك ، أيها السجن . " ستسمح له هذه المصيبة بإعادة النظر في الكثير من الأشياء في حياته : المجد ، المال ، موضوعات الكتابة . كان دخوله الأدبي الثاني أكثر صعوبة من الدخول الأول . ففي سنة 1846 ، كان يتحدث عن [ رواية] المساكين وهي لم تأخذ بعد طريقها إلى النشر : كانت بطرسبورغ كلها تهتف بالنابغة ، لأن ناقد الأدب الكبير بيلينسكي Bielinski) ( 4 الذي كان يتمتع بسلطة ونفوذ أدبيين ، سالت دموعه ، وهو الذي لم يذرف دمعة أبدا ... على أنه في سنة 1860 ، تم نسيان دوستويفسكي من طرف الجميع ـ بعد عشر سنوات من الصمت ، عاد مرة أخرى ، [رواية] حلم العم في حجم كتاب الجيب . فماذا قال صديقه والكاتب نيكراسوف5 Nekrassov) ( ، محرر ديموقراطي لمجلات أدبية  والذي سيعانق بالأحضان زميلَه ، الناجي من الموت شنقا ، ثم العمل على نشر أي ترهة مهما كانت ؟ " دوستويفسكي انتهى . " خمس سنوات فيما بعد ، ستظهر [رواية] الجريمة والعقاب .
تنبأ دوستويفسكي بالثورة الروسية . من أين  أتته ِهبة الرؤيا هذه ؟
لم يسبق لدوستويفسكي أن اعتبر نفسه نبيا قط ، بيد أنه كان يتوفر على إدراك حاد بما كان يدور حوله ، كان يلتهم الجرائد ، كان دائما على اتصال بكل شيء ، وقد توصل إلى أن يدرك الأهمية التاريخية إدراكا جيدا لحدث مختلف . يزدري كتَّابنا في الوقت الراهن الحدث الراهن ، بيد أن دوستويفسكي لم يكن ليصبح هو ذاته دون هذا الجوع للخبر . فقد قال : " أشعر بحنين لليومي / لدي نقص في ما هو راهن " ، عنوان الفصل السابع من الجزء الثاني من [رواية] مذكرات في قبو . أثناء قراءته في الصحافة خبر جريمة قتل لا قيمة لها ، لا معنى لها ظاهريا ، اغتيال الطالب إيفانوف ، غرقا في مستنقع ، كشف عن عرَض مميت . كان دوستويفسكي مشخِّصا كبيرا وأقل من نبي . تعتبر [رواية] الشياطين  مختبرا إبداعيا جرب فيه الكاتب واستنبط قاعدة الثورة : ربط العالم كافة بالدم الذي ساهم الكل في إراقته ؛ فبفضل ذلك أصبح رؤيويا كبيرا ، ومن أجل روسيا ، وفضلا عن ذلك من أجل العالم ( ثمة شياطين هندية ـ بيت العالم لروبندروبات طاغور6 ـ ، شياطين صينية ، شياطين لاتينوـ أمريكية  ) . لم يكتف دوستويفسكي بالتنبؤ ووصف الثورة ، فقد وهبها المفتاح الكوني ، استخلص منها القوانين والمبادئ ، السر والوصفة السياسية . في 1922 ، سيقول النقاد الماركسيون : " كان دوستويفسكي يعرف أكثر حول الإواليات ، تشريح وخبايا الثورة وهو يُعد أكثر ثورية من الثوريين . كل شيء تم كما تنبأ به . " كان رؤيويا حقا ، تحليله السياسي والسيكولوجي لروسيا القرن التاسع عشر ، العشرين والواحد والعشرين أيضا ، لا يضاهيه أي تحليل . أصبحت شخصياته أسماء نكرة ، عبارات من أجل وصف أوضاع سياسية ذات أهمية .
كيف ابتكر دوستويفسكي شخصيتين جذابتين ، وهما على ما يبدو تشكلان وجها سلبيا ، الأمير ميشكين وستافروغين ؟
بدءًا قام  بابتكار ميشكين . في بادئ الأمر ـ في المسودات ـ كان الأمير قبيحا جدا . مثل ستافروغين . بيد  أن شخصيات دوستويفسكي تنمو وتتطور ، طوال كتابة الرواية ، التي تعتبر هي الأخرى بحثا . لقد تصور ميشكين مثل شخص عجيب وإيجابي . غير أن دوستويفسكي ما كان يعرف كيف يحقق هذا المشروع . من أين يأتي الناس الخيرون ؟ ممَّ يخلقون ؟ الأمير هو المسيح ، بالتأكيد . باستثناء أن المسيح يعتبر إلها ، في حين أن ميشكين هو إنسان . في [رواية] الأبله  ، كل الأشخاص المرتبطين بهذا الإنسان الذي يجسد الطِّيبة يعانون أو يموتون . إنه ليس جالبا للحظ . لأن الطِّيبة والجَمال الإنسانيين هما شيئان  مختلفان . تنكشف تلك الطبيعة شيئا فشيئا للكاتب أثناء سيرورة الكتابة . فمن يكون ستافروغين هذا ، مُغوِيا مثل شيطان ، يثير أهواء الكل ، [أهواء] الرجال والنساء ؟ كيف حدث هذا ؟ توجب عليه البحث عن ذلك . كان دوستويفسكي يمتلك صيغة أخرى أخيرة لديه : " سينمو ذلك بالريشة . " يلاحظ في المسودات : يتغير ستافروغين في كل الأيام ؛ فجأة ، يفكر مثل دوستويفسكي ـ الفكرة الروسية ، الإيمان ، الأرثذوكسية ـ ، فجأة يَحدُث العكس تماما . لم يبتكر دوستويفسكي شخصياته دفعة واحدة قبل الانكباب على كتابة الرواية ؛ كان يتنبأ بها ، يكشفها تدريجيا عبر تطور الحبكة . فكيف ستصبح بعد لحظة ، في ظرف سنة ؟ لم يكن يعرف ذلك مُقدذَما .
في أي شيء يعتبر دوستويفسكي روسيا حتما تجاه الغرب ؟ كيف يمكن تقديم تفسير لانسياقه في نصرة الروس ؟
ينبغي أن نعرف  أن دوستويفسكي المتأخر في منتصف 1870 ، والذي كان يُتَّهم بإفراطه في نصرة روسيا ، لم يتوقف عن تكرار : " نحن الروس ، نمتلك جزأين . روسيا وأوروبا . " فقد كان يكرر هذا القول كما تكرر الصلاة . على أنه كان مهانا جدا : " نحن أطفال أوروبا ، إننا نحبها ، ومستعدون لخدمتها إلى الأبد . لكنها لا تحبنا . تنظر إلينا كما لو كنا يتامى قاصرين . لا تهتم بنا ، تبتعد عنا . " كانت معاناة لا تنتهي . ففي دفتر كاتب ، في يناير 1881 ، بعد موته بالتحديد ، كانت خيبة أمله بالنسبة إلى أوروبا كبيرةً . فأوروبا التي لا تحب روسيا ، والتي لم تكن تَقبَل بها أبدا ، ذاتَ مجد ، وذاتَ قوة ، وجمال ، بل شقية وبئيسة ، كي تَهَبَها الصدقات وتغتبط بتعاستها . حتى أنه تساءل إذا لم يكن من الضروري التوجه صوب آسيا ...
على أي شيء ارتكز حقد النظام السوفياتي ضد دوستويفسكي ؟
من المعروف أن لينين  ، في عشرينيات القرن الماضي ، كان يُكِن الكراهية لدوستويفسكي ، مع الاعتراف بقيمته . وقد شكلت تلك السنوات تطور الدراسات حول دوستويفسكي . ثم إن تلك الحقبة ـ وبالرغم من كراهية الزعيم ـ فقد ساعدت على نشر متن ضخم من الرسائل والمذكرات . ثم تحل الحقبة الستالينية ، ويتوقف كل شيء . وقد بقي دوستويفسكي ، إلى حدود نهاية الخمسينات ، محظورا لأسباب سياسية . لماذا ؟ ، فابستباقه للثورة ، اتُّهم بكونه مبشرا بالنازية . وصف الاشتراكية مثل أي عدو للاشتراكية في الوقت الراهن لن يقدر ولن يستطيع القيام  بذلك . مع أول انفراج للأزمنة ، حوالي 1960 ، تم السماح بتداول أعمال دوستويفسكي ، لكن على مضض . نشرت أعمال كاملة في عشرة أجزاء ؛ كانت دراسته تفتقد إلى الحماس ، على أنه كان على الدوام مطبوعا بطابع العدُوِّ ، ولو أن اقتناء كتبه ما عاد يقود إلى السجن ولا إلى المنفى . القطيعة ، حصلت في 1971 : فقد تم إعلان الذكرى 150 لولادته بواسطة اليونيسكو " سنة دوستويفسكي " . وقصد إدراجه في الثقافة ، فقد تم تقديمه من الآن فصاعدا ، كمبشر بالحركات الثورية الجذرية ، البولبوتية 7polpotisme) ( ، الماوية . ولكن لا كلمة بخصوص الشيوعية السوفياتية . استمرت تلك الكوميديا إلى حدود البيريسترويكا8 perestroika) (.
ما هو ميراث دوستويفسكي في الأدب الروسي ، من الـ " حقبة الفضية " إلى اليوم ؟
الورثة المباشرون ؟ كل الحقبة الفضية استهواها دوستويفسكي . فقد حاول العديد من الكتاب تقليده ، واقتفاء أثره . كان أندراي بيلي 9Andrei Biely) ( يضع رواية الشياطين  أمامه ، وهو عاكف ، مثلا ، على كتابة رواية بطرسبورغ . وألكسندر بلوخ Alexandre Blok) ( 10، وآخرون كثر ... فهم كانوا يحبونه ، يتملقونه ويشعرون أنهم قريبون منه . على أن هذا الشعور تلاشى عند الكُتَّاب المعاصرين ، كي لا يبقى محتفظا به سوى لدى الباحثين والنقاد . ... ما يتبقى اليوم ، هو دوستويفسكي . شعلة ، مستوى راق للغاية ، حيث إن هناك رغبة في تجاوزه . إن الأدب الحالي فقد بوصلته ، متقلب ، تتم كتابته من أجل الجوائز ، التقليعات ، المواسم ، قال دوستويفسكي ، مترددا بين ما بعد الحداثة وما بعد بعد الحداثة : " إني أنتمي إلى اتجاه لا تفرد له النياشين . " إن لحضوره في ثقافتنا دلالة كبيرة . يناضل العديد من الكتاب ضد هذا الإرث المقدس الذي يزعجهم . يحسون بأنهم أقزام وضئيلون . إن ذلك يغيظهم . ثم إن هذا الغيظ إيجابي للغاية . يدخلون في صراع معه في عملهم ، يتناقشون ، يثورون ، يبحثون عن نقط الضعف . يعتبر راسكولنيكوف Raskolnikov) (11 خطا من الخطوط الأكثر حساسية . لن يوجد أبدا مجرمون يندمون في أيامنا هذه . في الروايات المعاصرة ، القتلة هم بدائيون ، لا يعذبهم ضميرهم . هذا الصراع الموجود بين الجريمة والعقاب ، الاحساس بالذنب ، قد تلاشى ... ثمة حالة مثيرة للاهتمام ، صحيح أنها ليست حديثة عهد ، لكنها نموذجية ، هي [حالة] نابوكوف12 Nabokov) ( . فقد شكل تمردا شرسا ضد دوستويفسكي . إن تواجد الكاتب المتعذر تجاوزه ، يخرجه عن طوعه . لدى وصوله إلى قاعة الدرس قال لطلبته الأمريكيين : " جئت من أجل إنزال دوستويفسكي عن عرشه . سنلقي به من أعلى إلى أسفل سافلين . " كان نابوكوف يرغب في البرهنة على أنه يمكن كتابة رواية مع جريمة كاملة ، مجرم كامل ، لن يكون مخدوعا ، لن يصاب بالندم ، لن يشعر بتبكيت الضمير . راسكولنيكوف ، هو كِذبة ، غير موفقة . وكدليل على ذلك ، شرع نابوكوف في كتابة [رواية] غلطة . اختار القاتل ، هيرمان كارلوفيتش ، ضحيتَه ، قتلها ، وشأنه في ذلك شأن راسكولنيكوف ، فقد اقترف خطأ لا يغتفر ، لم يتمكن من إخفاء آثاره ، لقد ضُلِّلَ ؛ منزويا في غرفته بالفندق ، بدأ يفقد صوابه . اليأس هنا ،  هو يأس نابوكوف ، الذي أدرك أن لاوجود لجريمة كاملة . كل جريمة تترك آثارا تعود حتما لملاحقة  المجرم .
هل تعتبر أدوار دوستويفسكي وسولجنتسين ، في الأدب ، وفي تاريخ الروح الروسية ، أدوارا مماثلة ؟
قطعا . إن ما تنبأ به دوستويفسكي بخصوص القرن العشرين قد حدث . وقام سولجنتسين بوصفه . أسوق مثلا : [رواية] الإخوة كرامازوف ، فقد [ظهرت] سنة 1880 . أليوشا 20 سنة ، إيفان 24 سنة ، وميشيا 28 سنة . كلها شخصيات  في ريعان شبابها . خمس وعشرون سنة ، فيما بعد ، تحدث أول ثورة روسية سنة 1905 . تم سحق الإخوة كرامازوف تحت الـ " عجلة الحمراء " للثورة ثم إنهم وجدوا أنفسهم أمام اختيار . ها هي شخصيات سولجنتسين ، تخرج من معطف دوستويفسكي . كان لدوستويفسكي تأثير أساسي على عمل سولجنتسين ، ثم إن مصيرهما كان مماثلا . كلاهما صمد في المعتقل ، الـ" بيت الروسي الميت " . كلاهما غادر [المعتقل] متغيرا ، متجددا ، وبأهداف جديدة . لم يحتقرا تلك المعاناة ، اعترفا بجميلها ، والسمو الذي أكسبتهما إياه . عاملهما الرأي العام بقسوة بذات الطريقة . تم رفضُ مصافحة دوستويفسكي بعد الشياطين  ، فقد اعتُبر مجنونا . واستُحسنَ سولجنتسين من أجل رواية يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش وكُرِه  من خلال رواية 14 غشت ، عند إدراك ذلك الآخر الكامن فيه ، ذلك الحب التراجيدي لروسيا . لم يسبق لا لدوستويفسكي  ولا لسولجنتسين الإساءة إلى وطنهما ، بتقديمهما صورة فظيعة له غالبا . فقد كانا ، على خلاف ذلك ، مفعمين بالرأفة . ربما كانا يعطيان صورة مثالية لروسيا ، لكن أين هو العيب في ذلك ؟ فقد كانا هما الآخران ناقدين شرسين لها . عندما يُتَّهم دوستويفسكي بالتعصب للروس المعادي للأجانب ، أرغب في التساؤل : وستافروغين ، ألم يكن صينيا ؟ وفيدور كرامازوف ، ألم يكن هنديا ؟ إنه الواقع الروسي ، الفظيع والمثير للاشمئزاز . والعجوز التي تعطي قروضا مقابل ضمانات (الجريمة والعقاب) ، هي روسية تسرق زبائنها . وسولجنتسين ؟ ألم يكشف لنا عن الكذَبة ، الخوَنة ، خائري القوى ؟ فكل ما قام بوصفه ، هو الواقع الروسي أيضا . فهما لم يتوقفا عن توبيخ مواطنيهما ، كافة ، الملاك العقاريين ، الرأسماليين ، البورجوازيين ، والمثقفين ، ثم الجذريين .
ما هو إسهام النقد الروسي في قراءة دوستويفسكي ، إسهام باختين تحديدا ؟ وما هي منظورات البحث المعاصر بخصوص دوستويفسكي ؟
لقد قام النقد الروسي بعمل جبار . فقد أسهم الفكر الديني في الحقبة الفضية بوفرة من أجل فهم دوستويفسكي . أسهم النقد السوفياتي المتأخر بحصته في الاكتشافات ، غير أن الشروحات كانت تعاني من شبكة قراءة غارقة في الأَدْلَجَة . لدي علاقة معقدة بباختين Bakhtine) ( . إنه فيلسوف لديه نظرة عامة جديرة  بالاهتمام ، لكن نماذجه لم تصمد أمام محك النص . و ، في الوقت الراهن ، ثمة موضة جديدة : يُشاهد الإنجيل في كل مكان . توجد أمثال على كل الصفحات ، كما لو أن دوستويفسكي قام بنقل الكتابات [المقدسة] إلى لغة الرواية . قد يكون بالإمكان الاعتقاد بأن كل شيء قد قيل سلفا وأعيد قوله لألف مرة . إن تأويل دوستويفسكي ، اكتشاف ثيمات وأبعادا  جديدة في عمله ، لا يرتهن إلى قوة البحث ، بل إلى ذكاء الباحث . الذهنيات تتغير ، والأزمنة أيضا . إن أبالسة اليوم ، مثلا ، ليسوا هم أبالسة البارحة أبدا ، لقد تغيروا . نجدهم في المال ، السلطة ، والفساد . غير أن دوستويفسكي تنبأ بهم . لوجين ، في الجريمة والعقاب : ها هو ذا ثري روسي جديد . منْ  قبلُ ، لما كانت الظاهرة غير موجودة ، كان المرء يمر أمامها دون أن يعيرها أدنى اهتمام ، دون أن يلاحظ شيئا . لكن اقرأوا بتيقظ : كل أساليب الرأسمالية السارقة التي دَمرت روسيا في التسعينات استمرت في هذه الشخصية الكريهة . يمكن للمرء  أن يقضي سنوات وهو يجتر دوستويفسكي ، وفجأة ، يقوم باكتشاف حاسم . إنه يتمتع بعمق سحيق لا ينضبُ .
ـــــــ
1) ألكسندر سولجنتسين : (1918 ـ 2008) كاتب ومنشق روسي له على الخصوص : أرخبيل الغولاغ  والعجلة الحمراء ويوم في حياة إيفان دنيسوفيتش .
2) ألكسندر بوشكين: ( 1799 ـ 1837) شاعر ، مؤلف مسرحي وروائي .
3) نيكولاي غوغول : ( 1809 ـ 1852) ناثر ، شاعر وناقد أدبي . ويعتبر واحدا من الكتاب الكلاسيكيين للأدب الروسي .
4) بيلينسكي : (1811 ـ 1848) يعتبر من أعظم نقاد الأدب الروسي في القرن التاسع عشر .
5) نيكولاي نيكراسوف :( 1821  ـ 1878) شاعر ، كاتب ، ناقد وناشر روسي .
6)رابيندرنات  طاغور :(  1861 ـ 1941 ) مؤلف موسيقي ، كاتب ، مؤلف مسرحي ، رسام وفيلسوف هندي ، وقد كان لأعماله تأثير عميق على الأدب والموسيقى في البنغال في القرن العشرين . حاصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1913 .
7) البولبوتية : نسبة إلى بول بوت ونظامه الدموي .
8) البيريسترويكا : تعني إعادة البناء والهيكلة ، وهي تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي قادها ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي من 1985 إلى 1991 .
9) أندراي بيلي :( 1880 ـ 1934 ) شاعر وكاتب روسي . يعتبر من أعظم الكتاب في القرن العشرين .
10) ألكسندر بلوخ (1880 ـ 1921 ) ينتمي إلى جيل رانيا ماريا رايلكه ، فرانز كافكا ، وغيوم أبولنير ، وإيغور سترافنسكي .
11) راسكولنيكوف : شخصية أساسية في رواية الجريمة والعقاب .
12 ) فلادمير نابوكوف : (1899ـ 1977) كاتب ( روائي ، شاعر ، مترجم وناقد أدبي ) أمريكي من أصل روسي .
13) ميخائيل باختين : (1895 ـ 1975 ) مؤرخ ومنظر روسي للأدب . انصب اهتمامه أيضا على التحليل النفسي ، الاستتيقا والأخلاق .  
عن المجلة الأدبية الفرنسية Le Magazine Littéraire) ( ، مارس 2010 عدد : 495
Elhasine320@gmail.com
 
 
 







اخر الافلام

.. ترامب يشكر السعودية بشأن انخفاض أسعار النفط


.. الجيش اليمني يحاصر معقل الحوثي ويقطع الإمداد عن صعدة


.. البصريون ينتظرون الحلول من الحكومة




.. البصريون ينتظرون الحلول من الحكومة


.. داعش يحاول هيكلة تنظيمه عبر ولايتي الجزيرة والجبل