الحوار المتمدن - موبايل



25 يناير: تساؤلات

داود روفائيل خشبة

2015 / 1 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


25 يناير: تساؤلات
داود روفائيل خشبة

ليس هذا مقالا. المقال، لغة، من القول، وأنا ليس عندى قول أقوله، إنما هى تساؤلات تضطرب فى ذهنى وأدعها تصادم فكرى، علّ شرارة تنبعث فتلقى شيئا من الضوء على الظلام الذى يكتنف كل ما حولنا.
وبدءًا أعترف بأنى قليل الثقة بجدوى التحليل والتنظير فى كشف غوامض ما كان وما سيكون. فى شأن ما كان أرى أن حال المؤرخين والمحللين أشبه بحال العُمى فى الأمثولة الشهيرة إذ اجتمع جماعة منهم ليصفوا الفيل، فأمسك أحدهم بخرطومه وحسب أن هذا هو الفيل، وأمسك آخر بذيله واستقر على أن هذا هو الفيل، وأمسك ثالث بنابه العاجى فقال هذا يقينا هو الفيل. لم يكن أيهم كاذبا ولا مخادعا، إنما فاتهم جميعا أن ما خفى كان أعظم. فكل حدث مهما ضؤل وراءه من الأسباب ما لا يمكن حصره وقد يكون بعضها أعمق أثرا وأكثر دلالة مما بدا لنا. والتنظير لا غنى عنه فى فهم ما يمر بنا، ففى ضوئه تكتسب سديميّة الأشياء نـَسَقـًا ومعنى، لكن حين نريد أن نمضى من هنا إلى استشفاف ما سيكون نتخبّط فى ظلام، فهناك دائما من العوامل الدفينة ما يكذّب التوقعات ويأتى بما لا يحسبه الحاسبون.
أمضى الآن إلى تساؤلاتى. قبل 25 يناير 2011 كنا كلنا نسأل أنفسنا والألم يعتصرنا: ما هذا الخنوع؟ كيف نرضى لآنفسنا السكوت على هذا التردّى فى كل أوضاعنا وعلى كل هذا الفساد المستشرى؟ وجاء يوم 25 يناير، ولعل الأمر بدأ كمجرّد مشاكسة للشرطة فى يوم عيدها، لكن سرعان ما اكتسب الأمر أبعادا أرحب، وتحوّل شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية" إلى المطالبة بسقوط النظام. وربما كان وراء هذا أيادٍ خفية من الداخل والخارج، بل إنه يكون مما ينافى طبيعة الأشياء أن يمرّ حدث كهذا دون أن تعمل القوى المتربّصة فى الداخل والخارج على استغلاله. لِيَكنْ إذن أن الإخوان المسلمين والؤلايات المتحدة وإسرائيل لعبؤا دورا فيما جرى، كلٌّ على انفراد أو بالتضامن بين بعض هذه القوى وبعضها أو بينها مجتمعة. لكن الملايين التى استجابت وشاركت لم يكن يحرّكها لا الإخوان ولا أعداء الخارج إنما دفعها ما كان يعتمل فى داخلها من غضب على الأوضاع ومن غضب على ذلها وهوانها. ومهما يكن وراء الحدث من أسرار ومهما تكن حقيقة ما جرى بعد ذلك فإن بركان 25 يناير – 11 فبراير قد أطلق قوى وبعث أحلاما لم تعمل عملها بعد وقد لا تعمل لوقت قصير أو طويل لكنها انبعثت وقد تأتينا بمفاجآت تذهل الجميع. لكنى لم أقترب من تساؤلاتى بعد.
لم يكن لأحد أن يتوقع أن تأتى هَبّة يناير-فبراير بنتائخ إيجابية مباشرة، فلم يكن للملايين التى هبّت تنظيم ولا قيادة ولا برنامج ولا كانت قد تشبّعت برؤية واضخة، كما لم يكن ما حدث من قبيل الثورات الشعبية الكاسحة التى تقتلع وتبيد نظاما قائما وتــُحل محله نظاما أخر قد يكون أفضل وقد يكون أسوأ لكنه يكون مختلفا عن سابقه. إنما انتهى الأمر إلى تغيير شكلى. وأنا قد أصدّق أن الجيش كان وراء ما حدث آنذاك وما حدث بعد ذاك. هذه النظرة تعطينا تفسيرا معقولا لظواهر الأمور، ولكن يبقى ما وراء ذلك من أسرار وما وراء ذلك من نوايا وأغراض دفينة.
تولى المجلس العسكرى السلطة لفترة لم يكشف فيها عن رؤية ولا عن غاية، فترة لم تكن فى مضمونها إلا امتدادا لما كان من قبل، بكل ما كان فيه من ظلم ومن بؤس ومن قمع. ثم جاء الإخوان أو جاء بهم من جاء. وعن نفسى أقول إن أخشى ما كنت أخشاه أن ينجح الإخؤان فى معالجة الأزمات القائمة وفى تحسين أحوال المعيشة للطبفات الأكثر معاناة، مما يمكنهم من ترسيح سلطتهم تمهيدا للانتقال بنا إلى الدولة الثيوقراطية التى تبقى جاثمة قرونا قادمة تعود بنا قرونا للوراء. لكن يبدو أن الإخوان أخطأوا فى ترتيب أولويّاتهم، فلم يبدأوا بكسب رضا الشعب بل بالسعى لتمكين أنفسهم بالسيطرة على أجهزة ومرافق الدولة. وما جرى بعد ذلك نعرف جميعا ما هو ظاهر منه على السطح ولكن يبقى فى الخفاء من الأسرار والأغراض ما هو أثقل وأهم فى تفسير ما جرى.
وجاءت الفترة الانتقالية التى لم يتغيّر فيها شىء عما كان من قبل. المعاناة هى المعاناة والتضييق على الحريات هو هو وبطش قوات الأمن وتجاوزاتها لم يتغيّر فيها شىء. ثم جرت الانتخابات الرئاسية، وكان السيسى قد اكتسب موالاة تصل إلى حدّ الهوس الدينى، وأن نفهم بعض أسباب هذا سهل يسير أما فهم البعض الآخر فيحتاج دراسة متعمّقة من علماء النفس. كان من نتيجة هذا الولاء الجماهيرى أن فاز السيسى دون أن يبذل جهدا ظاهرا ودون أن يقدم برنامجا ودون منافسة حقيقية.
هنا تكثر تساؤلاتى. إننى أفترض فى الرئيس السيسى حسن النية والصدق والإخلاص والوطنية. حق الرجل علينا أن نفترض هذا، حق لا يجوز المساس به بغير بيّنة. وأنا قد أصدق أن ينجح الرئيس السيسى فى معالجة الوضع الاقتصادى المتردّى وفى الارتفاع بمعدلات التنمية وفى معالجة بعض المساوئ الملحّة. لكنى أرى أن اهتمامه بالوضع الاقتصادى يشغله عن الاهتمام بقضية العدالة الاجتماعية. وأرى أن حرصة على جلب الاستثمارات واسترضاء المستثمرين يشغله عن محاربة الفساد. يقول لنا الرئيس إنه لم يعد عندنا ما يُسرق، وبصرف النظر عن أن هذا ليس صحيحا فليس المال السائل وحده هو الذى يُسرق، فإذا صرفنا النظر عن هذا، فماذا عن الذى سُرق من قبل وما زال يتمرغ فيه السارقون؟ وماذا عن الأحزاب الدينية التى تصول وتجول رغم أنف الدستور ورغم أنف القانون. يقول لنا الرئيس إننا نحتاج ثورة دينية، ولكن ليس من الواضح فى أى اتجاه يريد هذه الثورة، وإلحاحه على الدعوة للدين والأخلاق قد يوحى بأنه يريدها ثورة فى اتجاه المزيد من التديّن ومن تدخل الدين فى شئؤن الدولة. ثم إن إلحاح الرئيس السيسى على موضوع الإرهاب وعلى أننا نخوض حربا ضدّ الإرهاب يبدو أنه يبرّر عنده غض النظر عن حقوق الإنسان والتغاضى عن تجاوزات الأمن وما يقترفه من قمع وتنكيل.
لا شىء، لا شىء على الإطلاق، يمكن أن يبرر انتهاك حقوق الإنسان، بل إن الالتزام التام بسيادة القانون وحقوق الإنسان هما الدعامتان اللتان لا تقوم الدولة بدونهما.
ماذ ننتظر فى الغد القريب؟ كل المؤشرات تقول إن النظام الذى طلبنا إسقاطه باقٍ كما هو بكل مساوئه، لكننى أحلم بأن القوى الحبيسة التى انطلقت فى يناير- فبراير 2011 لا زالت تعمل وقد تأتينا بما لم نكن نتوقع.

القاهرة، 24 يناير 2015







التعليقات


1 - لا فض فوك!
خالد سالم ( 2015 / 1 / 24 - 12:48 )
الحقيقة أنك وضعت اصبعك على القرحة، على واقع جلي للكثيرين لكنهم يرفضون الخوض فيه وكأن وسائل الإعلام أعمتهم وغيبت عقولهم عن قبول هذا الواقع. لكن سؤالي: ألم يحن الوقت لمن بيدهم الأمر أن يأخذوا بهذا البلد إلى برد معقول من الأمان والعيش الكريم؟ ربما لم يكن سؤالي ضمن عالم السياسة، إلا أن الأمل في هذا الشعب، في شبابه، ليصبحح مسار الأمور، ليصنع طريق العيش والحرية والكرامة الإنسانية التي يستحقها مثل معظم شعوب العالم، خاصة الشعوب التي اسهمت في صنع تاريخ البشرية.


2 - كفاية ثورات خائبة لعيال ساذجة
مراقب (محمد بن عبدالله) ( 2015 / 1 / 25 - 11:40 )
تنهي مقالك بـ(((أحلم بأن القوى الحبيسة التى انطلقت فى يناير- فبراير 2011 لا زالت تعمل)))

يا سيدي من فشل في المرة الأولى لجهله وسذاجته السياسية سيفشل في المرة المليون

ثورة = سراب ثم خراب

الحل الوحيد الأوحد هو في العمل والعلم ثم الانتظار قرنا من الزمن فما خربته ثورة عبد الناصر لن يتم اصلاحه في سنة أو اثنتين أو عشر سنوات

اخر الافلام

.. أخبار عربية | عقوبات سياسية وإقتصادية جديدة تنتظر #قطر


.. أخبار عالمية | الجيش الفلبيني: حصيلة القتلى قد ترتفع بشكل كب


.. لماذا مازال حراك الريف متواصلا منذ 8 أشهر؟




.. القوات العراقية تحرر جامع الزيواني في الموصل


.. هذا الصباح- لوحات لبيكاسو تعرض للبيع