الحوار المتمدن - موبايل



فلسفة الأخلاق النسوية

ابراهيم طلبه سلكها

2015 / 3 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


فلسفة الأخلاق النسوية :
تطور علم الأخلاق ، أو الفلسفة الأخلاقية ، كمجال للبحث الفكري في الغرب لأكثر من ألفي عام بأدنى إسهام من النساء ، فالأصوات النسائية كانت غائبة حقاً عن الأخلاق الغربية حتى هذا القرن ، تماماً كما هو الحال في مجالات الفكر الغربي . و لقد عنى غياب الأصوات الأنثوية أن الاهتمامات الأخلاقية للرجال شغلت منذ القدم الأخلاق الغربية التقليدية ، و شكلت وجهات النظر الأخلاقية للرجال مناهجها و مفاهيمها ،و أصبح الانحياز الذكوري ضد النساء أمراً مالوفاً و لم يعترض عليه عبرها . و الأخلاق النسوية تستكشف التأثير الهائــل لهـــذا النمــط من عدم التوازن على الفلسفة الأخلاقية و تسعى لتعديله .(95)
و تتضمن أي أخلاق نسوية التزاماً ذا شقين ، أولهما نقد التحيز الذكوري حيثما وجد ، و الثاني تطوير أخلاق غير متحيزة ذكورياً . و هذا يتضمن أحياناً ترسيخ قيم ( مثلاً قيم الرعاية ، و الثقة المناسبة ، و القرابة و الصداقة ) مفقودة أو مهملة غالباً ضمن التيار الرئيسي للأخلاق .و يتضمن أحياناً الانخراط في بناء نظرية من خلال ارتياد توجهات جديدة أو تنقيح نظريات قديمة بأساليب حساسة جنسانيـــاً . و الذي يجعل انتقادات لنظريات قديمـــة أو طــــرح مفاهيم جدية تتصف بـ " النسوية " هو أنها تنبثق عن تحليلات جنسية – جنسانية و تعكس كل ما تكشفه هذه التحليلات بخصوص التجربــة الجنسانية و الواقع الجنساني الاجتماعي . (96)
و ترى "كارين .ج . وارين " Karen . J . Warren أن " الأخلاق النسوية "تتصف بعدة خصائص منها :
أولاً : إلغاء التمييزات الجنسية و العنصرية و الطبقية أو أي " نزعة تمييزية " أخرى من نزعات الهيمنة الاجتماعية .
ثانياً : الأخلاق النسوية سياقية . و الأخلاق السياقية هي تلك التي ترى الخطاب و الممارسة الأخلاقيين ناجمين عن أصوات الناس الموجودين في ظروف تاريخية مختلفة . و عندما تكون الأخلاق السياقية نسوية تولى مكانة محورية لأصوات النساء .
ثالثاً : بما أن الأخلاق النسوية تولي أهمية محورية لتنوع أصوات النساء ، فينبغي عليها أن تكون تعددية بنيوياً و ليس واحدية أو اختزالية . إنها ترفض الافتراض المسبق لوجود " صوت واحد " يمكن بواسطته تعيين القيم الأخلاقيــــة و الاعتقــادات و المواقف و السلوك .
رابعاً : الأخــلاق النسوية سياقية و تعددية بنيوياً ، " و قيد التشكل " و هي تتغير عبر الزمن .
خامساً : تنوع أصوات النساء مشروع في بناء النظرية الأخلاقية .
سادساً : لا تقــوم الأخــــلاق النسوية بــأي محاولة لتقديم وجهة نظر " موضوعية " ذلك لأنها تفترض أن في الثقافة المعاصرة ليس ثمة في الواقع مثل وجهة النظر هذه .وكذلك هى تدعى" عدم التحيز " بمعنى " الموضوعية "
أو " الحياد القيمي " لكنها تفترض أنها مهما احتوت من تحيز لكونها أخلاق تمركز أصوات أشخاص مضطهدين فهو تحيز أفضل من تلك التي تستبعد تلك الأصوات .
سابعاً : توفر الأخلاق النسوية مكانة محورية لقيم كانت نمطياً غير ملحوظة ، أو مهملة أو محرفة في الأخلاق التقليدية ، مثل ذلك قيم الرعاية و الحب و الصداقة و الثقة الملائمة .
ثامناً : تتضمن الأخلاق النسوية إعادة فهم ماهية البشر و الهدف الذي من أجله ينخرطون في اتخاذ القرار الأخلاقي . (97)
و عليه ، فإن الأخلاق النسوية تنتقد التحيز الذكوري حيثما وجد في الأخلاق .. و هي ، مثل المجالات الأخرى للفكر النسوي ، مرسخة في الالتزام بإنهاء الظلم ، و التبعية ، و إساءة المعاملة و الاستغلال للنساء أياً كانت النتائج . ففي نهاية الستينيات ، عندما بدأت الأخلاق النسوية ، فإنها تكونت أساساً من تطبيق مصادر الفلسفة الأخلاقية التقليدية على نظام المسائل الأخلاقية التي أعلنت بواسطة الحركات النسائية ثم الناشئة في كثير من المجتمعات الغربية . و هذه المسائل ، مثــل التمييز الاقتصادي ضد النســاء ، الأدوار الجنسيـــــة التقييدية ( الحصرية ) ، العنف الأسري ، الاغتصاب ، الزواج غير المتكافئ و نماذج الأمومة المضحية بالذات كانوا ذوي إهمية خاصة بالنسبة للنســـاء ، و أهملت بشكل كبير بواسطة الأخلاق الفلسفية التقليدية . و هكذا ، فقد سعت الأخلاق النسوية ، منذ البداية لتحويل الاهتمام الفلسفـــي للمواضيع التي تجاهلها الفلاسفة سابقاً ، على الأغلب الذكور . (98)
و اكتشفت " كارول جيليان " في دراستها لارتقاء المرأة الخلقي ، أن النساء مجبولات على فحوى الاتصال . و في مقابل تأكيد الرجل على الانفعالية و الاستقلال الذاتي ، تميل المرأة إلى تحديد ذاتها في سياق العلاقات . و بينما يميل الرجال إلى الإقصاء لأنهم يرفعون من قيمة الانفصال و الاستقلال الذاتي ، تميل النساء إلى الاحتواء لأنهن يرفعن من قيمة الاتصال و الألفة . و بينما يعمل الرجال على حل الصراع عن طريق استحضار تراتب منطقي من المبادئ المجردة ، تعمل النساء على حل الصراع من خلال محاولة تفهمه في سياق منظور كل شخص و احتياجاته و أهدافه ؛ إنها المسئولية المتجهة نحو الفضيلة ، حيث تحاول النساء جلب أفضل ما يمكن لكل فرد من أصحاب الشأن ، و إذ يفعلن هذا ، ينصتن بروية ، و غالباً يعلق الحكم الخـــاص بهن لكي يتفهمن الآخرين في حدودهــن ، تعهداتهن و أفعالهن محكومة بإيناسهن بالعالم و من فيه .الاستجابة الخلقية ، بالنسبة لهن ، هي الاستجابة الحانية الراعية . (99)
و قد ساهمت نساء كثيرات عبر القرون في اكتشاف طرق جديدة لفهم حيواتنا و فهم عالمنا عبر القيم المختلفة ... فمثلاً ، إيزارا Aseara قدمت نظرية في القانون الطبيعي أوضحت خلالها أنه بإمكاننا اكتشاف الأسس الفلسفية الطبيعية للقانون البشري كله ، بما في ذلك التكوين الفني للقانـــون الأخلاقـــي و القانــــون الوضعي .. و اهتمت نظريتها في القانون الطبيعي بثلاثة تطبيقات للقانون الأخلاقي و هي : الأخلاق الفردية أو الخاصة ، الأساس الأخلاقي للمؤسسات العائلية و الأساس الأخلاقي للمؤسسات الاجتماعية . (100)
و قررت ثيانو الثانية أنه طالما يعجز الأطفال الصغار عن فهم كيفية تطبيق مبدأ التناغم ، فيجب توجيههم و قيادتهم . و رأت أن هذا التوجيه يقع بالدرجة الأولى على عاتق الأم و ذلك لأن فضيلة المرأة الخاصة تتمثل في قدرتها على خلق العدالة و التناغم في البيت .. كما تلزم فضيلة النساء الخاصة الزوجات بأن يتصرفن بنوع من العدالة مع أزواجهن حتى عندما يعاملن هؤلاء الأزواج معاملة غير عادلة ..فإعادة النظام و التناغم من جديد تتحقق بالتصرفات النبيلة العادلة و بهذا تستطيع المرأة أن تكسب ود زوجها و تثبت له تميزها الأخلاقي فتصبح قدوته . (101)
أما جوليا فيلتن فافري (1834 – 1896 ) ، فيلسوفة أخلاق ، و عالمة تربية فرنسية ، أهتمت بدراسة تاريـــخ الفلسفة الخلقية .. و كثيراً من آرائها الليبرالية تركز على التربية الخلقية و علم النفس الخلقي .. و قد اعترفت بأن الأدوار الاجتماعية للنســـاء كزوجات ، و أمهات ، و معلمات منحتهن القدرة على إسعاد الآخرين أو جعل حياتهم أكثر قيمة ، و إضفاء السمة الأخلاقية على المجتمع .. فالتربية الخلقية تلعب دوراً مركزياً في تطوير المجتمعات ؛ و من ثم يجب على الناس التمسك بالمثل الأخلاقية ، و الحرص على حياة الفضيلة . (102)
كما أن " حنة أرندت " Hannah Arendt (1906 – 1975 ) ، حاولت العيش في حياة فكرية سامية من كل السلوكيات المنحرفة . فاختارت أن تجرب على الأقــل ، " أن تفهــــــــــــم " ، و الحصول على أساس للأخلاق ملائم لفعل التفكير ذاته . و العيش في وضع تكون فيه الحياة الفكرية مؤهلة لنا لأن نعالج القضايا من دون السماح لنا بالتنازل عن الحرية ؛ فنحن عندما نمارس حرية التفكير ، و العمل ، و اتخاذ القرارات بشكل جيد نظل أصدقاء مع أنفسنا ( نتصالح مع انفسنا ) ، و مع الآخرين الذين نفكر معهم من أجل الحقيقة ، في العالم الذي نتقاسمه معهم . و تؤكد أن الحياة الفكريــة يجب أن تشكل في حد ذاتها سبباً للحرص على الحياة العملية . (103)
الهوامش

(95) Maurizio passerin d Entreves : op-cit , pp- 76-77 .
(96) Hannah Arendt : The Human condition , pp- 198-199 .
(97) Anthony F. lany, Jr. John Williams : op-cit, pp- 182-183 .
(98) Ibid, pp- 204-205 .
(99) Margaret Betz Hull : op – cit , p- 60 .
(100) Maurizio passerin d Entreves : op-cit , p-77 .
(101) Ibid, p- 78 .
(102) Hannah Arendt : On Violence, pp- 44-46 .
راجع أيضاً : الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .
(103) Ibid, pp- 40-42 .







اخر الافلام

.. Al Aan Live Arabic TV Stream HD - البث الحي المباشر لتلفزيون


.. داعش يحاول إنشاء معاقل في آسيا الوسطى .. ستديو الآن


.. تونس: نهاية الاستقطاب الثنائي؟




.. المنظومة الصاروخية الروسية إس 300 .. هل تغير قواعد اللعبة؟


.. ترامب: أوبك والتجارة العالمية تستغلنا - تعليق عبداللطيف دروي