الحوار المتمدن - موبايل



أنطونيو تابوكي كتب اللاطمأنينة

الحسن علاج

2015 / 4 / 21
مقابلات و حوارات


اختفى في 25 من شهر مارس المنصرم ، تغير الكاتب ، خلال 20 سنة ، بقراءة بيسوا Pessoa) ( . فقد قام مثله وبسرعة ، بتخفيف مواربات الهوية وجعل من البرتغال وطنا في القلب ، دون أن ينسى مع ذلك الصخب المعاصر لإيطاليا .
أنطونيو تابــــــــــــوكي
كتب اللاطمأنينة
أجرى الحوار : أليكسيس ليبارت Alexis Liebaert) (
ترجمة : الحسن علاج
لم يشكل  أنطونيو تابوكي Antonio Tabucchi) (لغزا : فقد كان يتمتع بجاذبية كبرى لسوء التفاهم ... فإذا كان شغوفا بالالتباسات التي تشكل حيواتنا ( سوء تفاهم بسيط لاأهمية له ، أعيد طبعه في سنة 2006 تحت عنوان التباسات بسيطة لا أهمية لها ، « ربما هو الكتاب الذي يناسبني أكثر » ، قال ) ، كما كان يهتم كثيرا بذلك الفهم الجديد للزمن الذي تلزمنا الحداثة به ، والشاهد في ذلك مجموعة قصصية ، الزمن يشيخ سريعا ، وهو عمله الأخير الذي ، ظهر بالفرنسية ، في سنة 2009 . وبمناسبة هذا الصدور التقيناه . فمنذ نجاح رواية بريرا يدعي ، والتي تم تلقيها في إيطاليا مثل حراقة مضادة لبرليسكوني ، فقد تم اختزال تابوكي ، في كثير من الأحيان ، في صورة « الكاتب الملتزم » . فقد  كان هناك أكثر من سوء فهم ، تفسير خاطئ : بورتريه ذاتي لرجل « أصبح كاتبا بالصدفة » .
فيما وراء التفكير حول الزمن ، ألا يعتبر الزمن يشيخ سريعا أيضا أسلوبا لتدجين الشيخوخة ، والموت ؟
أنطونيو تابوكي . إنه السؤال  الأزلي : لماذا نكتب ؟ أعتقد أن كل الكتب التي نكتبها هي بشكل من الأشكال ، تتوق إلى تدجين الموت . نكتب ربما لأننا نهاب الموت . على أنه قد يكون بالإمكان القول أيضا أننا نكتب لأننا نهاب  الحياة ، كذلك فإن هذا يظل محتملا. فالخوف هو شيء يهيمن على الكتابة ، إنه الجوهر الذي يدير محرك الكتابة .
وربما السعي وراء خلود ما ...
من يدري كم من الوقت يستغرق بقاء عمل ما . إني لاأعقد الكثير من الآمال على المستقبل . على الرغم من كل ذلك ، ومن أجل العودة إلى كتابي ، أعتقد أن المستقبل ، الدوام ، العلاقة بكرونوس chronos) ( ، أعني العلاقة بالزمن ،هو الشخصية الرئيسة لهذا الكتاب . شخصية قوية تهيمن على الشخصيات الأخرى ، كما هو الشأن في سوء تفاهم بسيط لاأهمية له ، حيث تتواجد شخصيات ، لكن كذلك شخصية استعارية ملتبسة . إني أريد بالأحرى أن أرى كتابي مثل لوحة لأرسيمبولدو Arcimboldo) ( ، مشكلة من عناصر مختلفة ، والتي حالما نراها من بعيد ، تشكل صورة ، تلك التي تؤطر كل الشخصيات . وبالتأكيد فإن تلك الصورة هي الزمن ، زمن الحداثة ذلك ما يهمني أكثر فأكثر . لقد سبق أن كتبت كتابا يدعى الوقت متأخر ، متأخر جدا ، وفيه كنت أسعى إلى القبض على صيغة معينة لعيش الزمن في حداثتنا . فبعد رواية تريستانو مات ، حيث يوجد نوع ما من الجدل بين زمن القصة وزمن حياة الشخصية ، كانت تحدوني الرغبة في الجنوح عن تلك الطريقة في عيش الزمن الذي لاينتمي إلا لحداثتنا . أعتقد أن إحساسنا بالزمن هو مختلف غاية الاختلاف عن ذلك الذي كان لدى الناس في عصور أخرى . أعتقد أنه في الوقت الراهن ، في ما بعد حداثتنا ، يوجد فارق كبير بين زمن الوعي ، أعني زمن حياتنا ، زمن الدوام ، كما قال بيرغسون ، والزمن الخارجي ، الذي تدور فيه كل الأشياء والذي يدعى القصة ، أو بالأحرى الحدث . أعتقد أنه بين الحدث والوعي ، يوجد تفاوت كبير جدا ، وربما إن هذا هو ما يربك الاشتغال الاجتماعي ، وحتى الاقتصادي .
لماذا انصب اختياركم على مجموعة قصصية ؟
قام ميلان كونديرا بكتابة نصوص مفيدة حول ما يسمى بالرواية الحديثة . وقال أنه من بين أمور أخرى أن الإحساس بالزمن الذي يحدد الرواية التقليدية يختلف جذريا عن ذلك المتعلق بالرواية الحديثة . يمكن للرواية الحديثة أن تتكون من مقاطع ، من نتف ، ثم إني أحب جدا بعد المحكي الموجز ، للقصة القصيرة . إنه إيقاع موسيقي مختلف تماما عن إيقاع الرواية ، لأنه ، كما قال خوليو كورثتار ، « يدرك كاتب القصص القصيرة بأن الزمن ليس صديقا له » . إن كتابة القصة القصيرة ، مثلما هو الحال في الشعر كتابة قصيدة فروسية أو سونيتة Sonnet) ( . إن السونيتة هي شكل مغلق ، إنها والحالة هذه تعتبر تحديا لمن يكتبها . أيضا بالنسبة للقصة القصيرة . بالإمكان ابتكارها في فضاء زمني جد محدد ، غير أنه ليس في المستطاع التخلي عنها في منتصف الطريق . فإذا تركتم قصة قصيرة غير مكتملة وحاولتم استعادتها بعد مضي أشهر ستة ، ستدركون أن ذلك ليس ممكنا . أما الرواية ، فهي تنتظرك ، إنها صبورة جدا . تستطيع تركها ، تذهب إلى أقاصي الدنيا ، ثم تعود بعد سنة ، إنها تنتظرك بصبر . إنها بيتك ، تنتمي إليك . أما القصة القصيرة ، فهي شقة مكتراة ؛ فإذا ما تركتها بدون أن تخبر المالك فسيقول لك عند عودتك : « آسف ، إن شخصا آخر يقطنها . »
تبيحون بطيبة خاطر انبهاركم بقراءة تباكاريا Tabacaria) ( بيسوا ...
هذا صحيح ، انبهرت بكونه يوظف في الشعر الشكل الروائي . فقد تمكن من أن يصنع من شعره روايات أو مسرحيات . إن ذلك صعب جدا . اكتشفت آنذاك في قصيدة شعرية مكتوبة في الثلاثينات  (1930) حداثة ممسرحة واضحة ، نعم ، إني سحرت لذلك . إن بيسوا ، هو مثل الكوميديا الإلهية  في الشعر : البناء ، المعمار ينتمي إلى الرواية ، إلى الفكرة الروائية .
هل قراءة شعر بيسوا هي ما جعلكم تصممون على أن تصبحوا كاتبا ؟
لا ، أصبحت كاتبا في وقت متأخر قليلا ، فقد نشرت روايتي الأولى في السنة الثانية والثلاثين من عمري . وفي الواقع ، فإني أصبحت كاتبا بالصدفة ، بواسطة الملل . كتبت روايتي الأولى لأني شعرت بالملل . ولأكون صادقا معك ، فقد كنا في المدينة ، وكان فصل الصيف ، لا نستطيع التحرك لأننا كنا ننتظر طفلنا الأول . كنت باحثا بالمدرسة العليا للأساتذة بمدينة بيزا Pise) ( . ومن أجل تمضية الوقت ولكي أتلهى ، آنذاك ، فقد شرعت في الكتابة . أقول أتلهى لأن الكتابة تعتبر هي أيضا لعبا ، غير أنه لعب غاية في الجدية . تمدنا الكتابة بالمعاناة لكن أيضا بلذة كبيرة جدا . لما أنهيت الكتاب ، تركته هناك ، في بيتي . ما كنت أطمح إلى أن أنشر بوجه خاص ، كنت مدرسا ، باحثا ، فقيه لغة ، كنت منكبا على المخطوطات الباروكية ، وعلى الخصوص الإسبانية والبرتغالية . تلك كانت مهنتي ، زد على ذلك ، أنه في كل حياتي ، سأواصل تدريس الفيلولوجيا . سنتان فيما بعد ، جاء أحد أصدقائي ، أنريكو فليبياني ،  كان يدير دار نشر بومبياني ، ليتعشى عندي ؛ وقع بصره على المخطوط ، تناوله ، قرأه ثم قرر نشره . إنها الصدفة إذن . بيد أنه ، كما قال فيكتور هوغو ، « لو كانت الصدفة موجودة فهي تكون أكثر لطافة » .
تعلمتم اللغة البرتغالية ، كما أنكم كتبتم بها رواية روكاييم Requiem) ( ...
حينما عدت إلى إيطاليا ـ وكنت ساعتها يافعا جدا ـ وبعد أن قرأت بيسوا للمرة الأولى ، اكتشفت ، أنه يتم تدريس اللغة البرتغالية في جناحي ، بالجامعة . قلت في نفسي : يالها من فرصة ثمينة لتعلم لغة ذلك الشاعر الخارق للعادة . إنها والحالة هذه ، لغة لقنت إياها راشدا . فإذا كنت اليوم مزدوجا ، فإن ازدواجيتي اللغوية ليست طبيعية ، إني ذو لسان مغاير alloglote) ( كما يقول المتخصصون في علوم اللغة . فاللغة البرتغالية بالنسبة لي لاتوجد في ذات المستوى الذي توجد عليه اللغة الإيطالية . يمكن القول إني عمدت راشدا في ديانة أخرى . بناء على ذلك فأنا لست نفس الشخص حينما أكتب باللغة الإيطالية أو بالبرتغالية . أما فيما يتعلق بمعرفة لماذا كتبت روكاييم  ( قداس الموتى ) باللغة البرتغالية ، فذلك بسيط للغاية : ذات يوم ، استيقظت في باريس وأدركت أني كنت أقضي الليالي الأخيرة أحلم باللغة البرتغالية . إني أعتقد والحالة هذه ، أنك لما تحلم في لغة ما ، فإن تلك اللغة تنتمي إليك بطريقة عميقة جدا ، تنتمي إلى روحك . فهي لم تعد فقط أداة تواصل . حينئذ شرعت في تدوين الأحاديث التي كانت ترصع ذلك الحلم ، باللغة البرتغالية ، بطبيعة الحال . من ثم داومت على كتابة الكتاب في اللغة نفسها ، ذلك ما كان يبدو لي طبيعيا .
ألستم الشخص ذاته في اللغة الإيطالية والبرتغالية ؟
لا . إن لغة ما ، تعتبر صيغة وجود أيضا . إنها سياق مغاير ، تاريخ مختلف . إن من يكتب بالبرتغالية هو أناي الآخرى ، أنا ، لكنه شخص آخر كذلك . حينما نكتب في لغة ما ، نكون وجها لوجه أمام جلاء الغيرية ، كوننا متعددين .
في كتبكم ، ثمة إحساس أن شخصياتكم كائنات تبحث باستمرار عن ذواتها ...
ففي صميم حياتنا ربما لايوجد سوى بحث عن ذواتنا . وحتى الفعل البسيط لسرد حياتنا ، وحتى سرد يومنا فقط ، لهو طريقة في البحث قصد فهم من نكون وما الذي نصبو إليه . إن الحياة غير منطقية إلى حد كبير وغير مفهومة  ، إذ نجد أنفسنا مكرهين وفي حاجة إلى إعطائها شكلا سرديا منطقيا ، قادرا على ربط الأحداث فيما بينها . وفي الواقع إنها الرغبة في إعطاء معنى لحياتنا ، ثم والحالة هذه لأنفسنا .
قلتم في يوم من الأيام : « الخيال والأدب هما شكلان للمعرفة . » فبالنسبة للأدب ، يفهم ماذا تريدون قوله ، لكن ، بالنسبة للخيال ، ففي أي شيء يعتبر شكلا للمعرفة ؟
لأنه ، حتى في العلوم ، لايمكننا أن نتقدم بدون خيال . ينبغي وضع فرضيات ، أن نتخيل إذن . ينبغي أيضا التوفر على الحدس ، لأن الحدس يعتبر هو كذلك شكلا للعرفان ، قبمنطقي ، غير أنه شكل من أشكال الذكاء .
هل يعتبر الأدب بالنسبة لكم ، صناعة ، ضرورة ، ولعا ؟
الثلاثة في ذات الوقت . أحيانا ، يراودني الإحساس بالحاجة إلى الكتابة . ليست حاجة فيزيولوجية كالحاجة إلى الأكل أو الشرب ، غير أن الرغبة هي غاية في القوة التي لا تقهر . ليست الكتابة مهنة ، لكنها بالتأكيد صناعة ، في معناها الحرفي للكلمة . الحقيقة تقتضي الجلوس لفترة طويلة من الزمن ، لابد من الكتابة ، لابد من العمل ، لابد من التواجد هناك ، مثل الساعاتي الذي يركب قطعته الصغيرة جدا في آلات الساعة التي يصنعها . حينما يطلب مني كتاب شباب أن أسدي لهم النصائح ، أرفض ذلك . أو بالأحرى لن أسدي لهم سوى نصيحة واحدة : إذا كان بحيكم نجار ، اذهبوا عند المساء قبل أن يغلق [ محله ] ثم انظروا أرضا .
حينما تشرعون في كتابة كتاب ، هل تضعون خطة ؟ كل شيء يكون جاهزا ، متموضعا في دماغكم ؟
في الواقع ، كل كتاب له متطلباته . عادة ما تكون لدي فكرة غامضة عن القصة . على أنها تأخذ أحيانا سبلا غير متوقعة . تصبح الشخصيات في بعض الأحيان أكثر استقلالية بحيث تكون بحاجة إلى إثبات ذاتها . من غير الممكن إدعاء ترويض حيوان متوحش تماما ؛ إن الكتابة والحالة هذه ، تعتبر حيوانا متوحشا . ثمة شخصية تعتقدون أنها ستكون أساسية ، ثم وفي لحظة معينة ، تغادر المشهد لتأخذ شخصية أخرى مكانها . بطبيعة الحال يتم وضع مخطط ، لكن ليس كما هو الحال في السينما ، حيث يكون كل شيء متوقعا . هناك يتم خوض المغامرة ثم القيام بالرحلة .
بما أن الحديث يدور حول المثقف ، ألم يراودكم أحيانا الإحساس أنكم تقرأون وفق صيغة سياسية مبالغ فيها ؟
لقد حدث هذا ، وخصوصا مع بريرا يدعي : تقوم القراءة السياسية باكتساح قراءة أخرى ، وتعتبر القراءة الوجودية ضرورية جدا بالنسبة لي . لأن هذه الرواية تعتبر رواية استبطانية لحياة ما ، للإدراك . تحدد الظروف التاريخية قراءة بعض الكتب . تتحدث رواية بريرا عن فاشية سالازار . إذا كنت قد اخترت  كتابة هذه الرواية ، فلأنه لاشعوريا شعرت برياح سيئة تجتاح أوروبا التي كانت تذكرني بالثلاثينيات 1930 : النزعة القومية ، كره الأجانب . في غضون ذلك ، دون أن يمت ذلك بأي صلة بكتابي ، جاء برليسكوني إلى السلطة ، فصدر أول نقد لكتابي على إحدى جرائده ، il giornale) ( ، تحت عنوان « رواية بريجنيفية » . فهم والحالة هذه ، الذين تعرفوا على أنفسهم في روايتي وهم الذين قادوا إيطاليا إلى قراءة هذا الكتاب كرواية مضادة لبرليسكوني . مثال جيد عن القراءة التي تحددها الظروف التاريخية . إن ذلك لايملك سوى أنه ضارب في الكلاسيكية .
ــــــ
عن المجلة الأدبية الفرنسية : Le Magazine Littéraire No :522 – Aout 2012
Elhasine320@gmail.com
 
 







التعليقات


1 - أنطونيو
ناس حدهوم أحمد ( 2015 / 7 / 25 - 06:42 )
بيسوا في الشعر مثل الرجل الخارق
لديه أداة تعبير خاصة
ولديه رؤيته الخاصة أيضا
لكن لو كان هذا الرجل حيا خلال هذا القرن
لقال شيئا أكثر شعرا مما قاله في عصره
رؤيته للموت لها جمالية رائعة
وشعره كما لو أنه شعر من طراز آخر
تأملوا معي في هذا المقطع من سنفونيته الشعرية

سعيدة هي الدواب
ترعى الكلأ في الحقل
وتدهب إلى الموت كما تدهب إلى البيت

من الصعب على الإنسان أن تكون له
قابلية للموت
في حين هو يعرف ذلك على مضض
ويعرف أنه يعرف
ويعرف أن المعرفة هي حصيلة كل تفاهاته

اخر الافلام

.. كيف يتصور الشباب العربي بلاده في 2030؟ - الجزء الأول| شباب ت


.. ما قاله إيمانويل ماكرون بعد توقيف رجل الأعمال كارلوس غصن؟


.. ما مصير الاندماج بين رينو ونيسان وميتسوبيشي بعد توقيف كارلوس




.. الصين: محاكمة زعماء حركة -احتلوا هونج كونج-


.. إلى أين وصلت مفاوضات بريكسيت بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟