الحوار المتمدن - موبايل



جريمة سوسة: لماذا بريطانيا؟

محمد الحمّار

2015 / 7 / 11
الارهاب, الحرب والسلام


لقد أنجز الفكر التونسي في فترة ما بعد تحولات17 ديسمبر 2010- 14 جانفي 2011 شيئين اثنين متناقضين، واحدا إيجابيا وواحدا سلبيا. أولا، لقد مهّد السبيل للأحزاب ذات المرجعية الدينية لتتدرب شيئا فشيئا على التعامل المدني مع الأحزاب الأخرى ومع كافة المجتمع (في إطار الحوار الوطني بالخصوص). لكن المشكلة من جهة أنّ غالبية التونسيين لم يواكبوا هذا الإنجاز، ومن جهة ثانية فإنّ التيار الفكري والسياسي والحقوقي ذا المرجعية المغيّبة للدين قد تجاوز حدوده، وعِوضا أن يمارس التعديل الفكري والسياسي فإنه أمال الكفة إلى نفسه بأن ازداد – إنْ بوَعي أم بغير وعي- مُعاداةً للدين. ويمكن تسمية هذا الرافد السلبي الذي أنتجه الفكر المجتمعي في تونس بــ"المغالاة في المدنية". وكانت نتيجة هذه المغالاة أن انطلق الفكر اللاديني في احتكاره للفكر وكأنه يستغل الإنجاز الأول بدلا عن التفاعل معه ومجادلته و تكميله. أما مؤشرات الاستغلال فهي واضحة وجلية ومن بينها "المجهود الجبار" الذي بذله هذا التيار في صناعة السلوك المتعاكس وهو سلوك متعاكس counter-productive ينمّ عن انسياق هذا التيار في تصديق الفكرة الخاطئة و الخطيرة والتي تتمثل في ربط الإسلام – ربطا يكاد يكون مباشرا - بالإرهاب. أما الديّة المعنوية والمادية التي سيدفعها الشعب كنتيجة لتصديق هذه الفكرة من جانب كبير من النخبة، فلم تنتظر طويلا لتنزل على هذا الأخير نزول الصاعقة. أليست العمليات الإرهابية وآخرها جريمتا متحف باردو ومذبحة شاطئ ونُزل سوسة فاتورة جاءت لتثقل كاهل الشعب؟ فمن المسؤول عن إيلام التونسيين بهذه الطريقة الفجة، وهل ما يكنَّى بـ"داعش" هو الجهة الحقيقية التي تذيقهم أشد ألوان الإرباك؟

كان على المثقفين بوصفهم القادة الاعتباريين لمختلف فئات الشعب أن يتفطنوا من الوهلة الأولى لأهمية ما حققه الحوار الوطني من تسريح لقنوات التواصل بين الديني واللاديني وبالتالي كان عليهم أن يسهلوا للعموم الانخراط في مشروع التوافق وكسب رهانات الوحدة الوطنية. لكنّ المثقفين لم يكونوا مهيئين لتكميل ما أنجزه المجتمع السياسي بالاشتراك مع المجتمع المدني، ناهيك أن يكونوا سابقين للفكر السياسي والاجتماعي مثلما يُشترِط أن يكونوا.

إنّ هذه الفجوة بين نخبةٍ لا تكسب من صفة "المثقفة" إلا الاسم وشعبٍ بقي على عطشه كنتيجة لجفاء الفكر والثقافة تُجاهَه قد تسببت في استلاب الشعب لرموز السياسة مع إحياءٍ يكاد يكون ممنهجا لطقوس عبادة الشخصية. من خلال هذه الفجوة تسربت مبررات الإرهاب إلى تونس وإلى النسيج التواصلي العام. فبمجرد أن أكدت النخب "المثقفة" استقالتها واكتفت بمشاهدة الشعب وهو لا يبالي بضرورة تقييم أوضاعه على كافة الأصعدة ولا بمهمة مراجعة أين كان وأين أصبح الآن، وبمجرد أن تباطأ في السير نحو تعديل خطابه وتطوير سلوكه وتحقيق الوحدة الوطنية، ها هو يُبتلى بالمباغتة من طرف صيادين ماهرين فينساق على خط مؤامرة عالمية إلى درجة أنه يكاد يتمزق نفسانيا بسبب الصدام الحاصل بين قناعته بأن الإسلام دين الرحمة والعمل من جهة وبين قناعة جانبٍ من النخبة يتلاعبون بمشاعره وذلك بترويجهم لفكرة مفادها أنّ الإسلام دين إرهاب وأنّ كل إرهاب مُتأتٍّ من الإسلام، من جهة ثانية. فهل يريد هذا الشعب أن تكون الديّة المقبلة – بعد استخلاص فاتورة حمامات الدم الإرهابية - ربما المزيد من استنزاف خيراته، بدافع الانتقام، من طرف القوى الخارجية وهي التي نجحت في إبطال التأثير الأصلي والإيجابي للدين لديه (عبر سياسات العولمة المتعددة) حتى بات مغمضا عينيه أمام كل احتمال أو كل محاولة للتدخل الأجنبي في بلده؟

في ضوء هذا نخلص إلى أنّ بقدر ما يصح الحديث عن هجمة صليبية معاصرة على تونس وعن أنها الإطار المرجعي الأساسي لعملية الربط بين الإسلام والإرهاب، ما يصح إدانة المجتمع التونسي، والعربي الإسلامي عموما، لِجِهة أنه المسؤول عن تسلل الإرهاب، ولو لم يخطط له هو، ولو لم ينفذه هو.

في السياق نفسه، يصح القول إنه بالرغم من أنّ الوحدة الوطنية من ركائز القضاء على الإرهاب إلا أنّها لا تتحقق إلا عندما يكفّ كل الناس عن المشاركة في الإرهاب. يقول نعوم تشومسكي :" كل الناس منزعجة بشأن إيقاف الإرهاب. طيّب، هنالك سبيل سهل حقا: التوقف عن المشاركة فيه" (الانترنات). لكن هيهات، فحين نعلم أنّ جانبا كبيرا من النخب المثقفة والسياسية والإعلامية يتناولون قضية الإرهاب بشكل سطحي وإجرائي (و بلا استراتيجيا)، وطالما أنهم لا يميزون بين أن يُستغلّ مسلمون من طرف مخططين عالميين للإرهاب (صحيح) وأن يبادر مسلمون من تلقاء أنفسهم بالضلوع في عمليات إرهابية (غير صحيح)، مما تسبب في أن يصبح الشعب بمختلف فئاته مسكونا بهاجس التوجس خيفة من أن يكون الإسلام هو الذي تحوّل إلى معولٍ للإرهاب بدلا من أن يتسلح هذا الشعب بالوسائل، الفكرية الحجاجية، المناسبة لمواجهة المدبرين الفعليين للإرهاب، فتلك حجج على أنّ النخب مشاركة في الإرهاب وحريصة على جرّ عامة الناس وراءها في هذه الطريق الخاطىئ. كما أنّ تنزيه النخب للجهات الأجنبية بدعوى أنّ كل من يوجّه إليها أصابع الاتهام إنما هو ممّن وقعوا في "فخ نظرية المؤامرة" هو مشاركةٌ - نشيطة وفعالة جدا- في الإرهاب.

في ظل هذه الظروف الموسومة بإفلاس غير مسبوق للنخب المحلية بمختلف أصنافها، بقي الآن أن نعرف ما الذي أدخل دولة بريطانيا على خط السقوط ضحيةً لعمل إرهابيّ بشع؟ بل هل هذا البلد راح حقا ضحية أم أنّ الأرواح المزهوقة في شاطئ سوسة هي التي راحت ضحية لسياسة بلادها؟ وهل من باب الصدفة أن استُهدف سياح بريطانيون في عملية سوسة؟ وألا يمكن أن تكون هنالك حملة صليبية تُشنُّ على تونس وأنّ بريطانيا على رأس قائمة الجهات التي تشنّها، مع العلم أنّ هذا البلد هو المؤسس لإسرائيل والطفل المدلل للولايات المتحدة ومنفذ مخططاتها، وأنّه مرابطٌ في تونس بواسطة أداة اسمها شركة "بريتيش غاز"، وأنّ الضربة الإرهابية في سوسة جاءت للتو بعد حملة "فينو البترول"؟ وفي حال صحّ طرح المؤامرة، هل ضحّت بريطانيا بمواطنيها لتظفر بامتيازات في ما يمكن أن نسميه خدعة حربية ناعمة؟ وإن كان الأمر كذلك، هل حدث مثل هذه الخدعة في تاريخ تونس حتى يجوز أن نستنتج أنها اتُّخذت مطية للخدعة الحالية والتي سيتمّ اعتمادها في الحملة الصليبية على تونس؟

سأبدأ بالسؤال الأخير: إنّ البرودة المجتمعية أمام تهديدات خارجية بيّنة ليست جديدة على تونس. فلنتذكر كيف أنّ منطقة المغرب العربي متعوّدة تاريخيا على مثل هذه السلبية. وهو ما سماه مالك بن نبي بـ"القابلية للاستعمار". ففي الجزائر في عام 1827 غضب الحُسين داي حاكم إيالة الجزائر آنذاك، غضب من فرنسا لاعتمادها تكثيف تحصينات عسكرية بمدينة القالة دون استشارته فاستدعى القنصل العام لفرنسا وأعرب له عن غضبه مُسديا له صفعة بمِروحته اليدوية. فكانت هذه الحادثة تعلةً لإعداد غزو فرنسا للجزائر بعد ثلاثة سنوات. وفي تونس في عام 1881 نشب خلاف بين القبائل على المناطق الحدودية بين تونس والجزائر لكن الصادق باي حاكم الإيالة التونسية آنذاك لم يستطع السيطرة على الوضع، فاقترحت عليه فرنسا المساعدة على حل الخلاف فقبِل الباي المقترح ووقّع مع فرنسا "معاهدة باردو". هكذا دخلت فرنسا تونسَ بسلام وفرضت عليها الحماية. وفي عام 2015 (في 26-6-2015) على شاطئ بسوسة اغتيل 30 من السياح البريطانيين (من أصل 38) على يد إرهابي لا نشك في أنه نتاج مخابراتي أجنبي. وإذا بالوزير الأول البريطاني يوفد 16 من ضباط الشرطة المَلكية (ويعيّن 600 آخرين موزعين على مختلف مطارات بريطانيا لاستقاء المعلومات من عند السياح الناجين العائدين). ثم بتاريخ 4-7-2015 يعلن الرئيس التونسي حالة الطوارئ بالبلاد. ولم يمرّ يومان على هذا القرار حتى أعلن في يوم 6 الوزير الأول البريطاني قراره بإرسال قوات خاصة لتونس (من الطيران ومعهم خبراء في الرصد من فرنسا وألمانيا) "للتفتيش عن مرتكبي جريمة سوسة والقضاء عليهم" (وكالات).

طبعا لا أحد يعلم ما الذي سيحصل مستقبلا. لكن ما هو مؤكد هو أنّ عملية سوسة تتجاوز إطار الإرهاب "الإسلامي" لتندرج ضمن حملة نيوكلونيالية على كل ما هو سيادي ووطني. فتدخُّلُ الأمن البريطاني في واقعة تحدث على أرض بلدٍ مستقلٍّ ليس مدعاة للابتهاج والغبطة. كما أنّ هنالك مؤشرات عديدة على أنّ تدبير العملية الإرهابية كان (بعض) القصد منه هو خدمة مصلحةٍ من الصنف النيوكلونيالي لبلد أجنبي (بريطانيا) دون آخر. وبتقديمنا لمثل هذا الطرح لسنا بصدد الافتراء على هذا البلد حيث إنّ هنالك أسماء بريطانية لامعة قد وجّهت من الوهلة الأولى اللومَ لبلدهم وحمّلوه مسؤولية استشراء الآفة الإرهابية. لقد حث الفكاهي البريطاني روسل براند Russel Brand أحبائه على احترام ضحايا سوسة لكنه حرضهم أيضا على عدم المشاركة في الوقوف دقيقة صمت للترحم عليهم لأنّه يرى أنّ الحكومة البريطانية "مسؤولة كليا عن جريمة سوسة". كما حثهم على مطالبة الحكومة بأن "تكفّ عن بيع الأسلحة لبلدان موجودة في قائمة البلدان التي تخترق الحقوق الإنسانية" (عن موقع كابيتاليس Kapitalis، في 3-7-2015).

إذَن إن صحّت فرضية الإضمار للعملية الإرهابية من طرف بريطانيا (أو من مدبّر أخر متواطئ معها)، يحق التساؤل ماذا تريد بريطانيا – والمدبر الآخر- ولماذا هي بالذات؟ كإجابة يمكن أن نبدي ملاحظات تتعلق بثلاثة مستويات وهي كالأتي:

أولا، إنّ مقترفَ عملية سوسة قد تجنّب السياح الألمان والفرنسيين وركّز صنيعَهُ الإجرامي على البريطانيين بالذات أثناء الهجوم الجبان على نزل سوسة (الغالبية الساحقة من الذين اغتيلوا كانوا من البريطانيين). وقد أبدت بعض الجهات الإعلامية البريطانية ذات الخبرة العسكرية (موقع Veterans Today) شكوكا مماثلة بهذا الشأن. نستنتج من هذا أنّه بناءً على أنّ المستهدف من أية عملية إرهابية في تونس- في حال ثبوت فرضية التدبير المخابراتي - ليست تونس فقط، ولا بترول تونس فقط، وإنما أيضا وبالخصوص الشقيقة الجزائر وبترول الجزائر وغاز الجزائر. أما ليبيا فهي مضمونة منذ أن نفّذ في عام 2011 نيكولا ساركوزي مخططه الجهنمي بأن ألّب حلف الناتو عليها فأسدى لها ضربة موجعة وقتل معمر القذافي وضمن لفرنسا نسبة عالية من الفائدة في شكل اقتطاع كميةٍ تقُارب الثلاثين بالمائة مما ينتجه هذا البلد من البترول.

ثانيا، بمجرد أنّ فرنسا أخذت منابَها من البترول منذ البداية، لم يعُد هنالك داعٍ ليُقتل فرنسيون في سوسة. لو كانت غالبية الضحايا من فرنسا لكان هذا البلد أول من بادر – مثلما فعلت بريطانيا في قضية الحال – بإعلان نيّة الانتقام لضحاياه. لكن عندئذ ستكون الأمور واضحة أكثر من اللزوم وتتفطن شعوب المنطقة بسرعة للأطماع الفرنسية. فضلا عن هذا فإنّ فرنسا لا تملك جهازا أقوى من الجهاز البريطاني في مجال مقاومة الإرهاب. هكذا قرر المخططون تغييب اللاعب الفرنسي عن ميدان اللعب لتلافي الشكوك واستبدلوا مكانه لاعبا ليست له "سوابق" استعمارية في المنطقة.

ثالثا، لكن سوف لن يتمّ تغييب فرنسا عن الغنيمة مثلما غُيبت عن الميدان. فالدفع ببريطانيا على الخط كلاعب أساسي، وحياكة الجريمة "الداعشية" كغطاء على جريمة من الصنف الأنكَى سيُمكن الجهات المتنفذة من ضرب عصفورين بحجر واحد: من جهة، استجابة بريطانيا لـ"نداء الواجب" تساوي الإشارة الخضراء لهذا البلد لكي يبادر بفعل ما يراه صالحا للانتقام لضحاياه. وهو بالضبط ما حصل حين قرر الوزير الأول البريطاني إيفاد قوات خاصة لتونس و"فتح أبواب جهنم على الإرهابيين" (وكالات). من جهة ثانية، لم يحصل التنكر لا لفرنسا ولا لألمانيا، فلم تُحرما من اقتسام الكعكة، والدليل على ذلك أنه أوكلت لهما مهمةٌ تتسم بنسبة أقلّ من المباشراتية لا محالة ولكنها مهمة على أية حال وتتمثل في تدريب الجهاز التونسي المضاد للإرهاب في مجال التنصت والتقصي بواسطة الآلات الحديثة كالرادار.

أما الكعكة فهل تكون شيئا آخر غير مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي خُطط له منذ التسعينات من القرن المنصرم والذي بدأ تنفيذه في سنة 2001 في أفغانستان ثم في العراق فسوريا ثم ليبيا؟ وأليست المخاوف – التي أصبحت شعبية – من استهداف قوى الهيمنة للجزائر في محلّها بالنظر إلى ما يجري حولنا من اختلاقٍ للتدافع بين بلدان الثلاثة – تونس وليبيا والجزائر- بواسطة آلية الإرهاب؟ وأليس دخول بريطانيا على الخط في منطقة ليست من "مشمولاتها" الكولونيالية تاريخيا مجرد عملية تَناوبٍ بين هذا البلد والبلد الأعظم (الولايات المتحدة) من جهة، وبينه وبين فرنسا من جهة ثانية، وأنّ الغرض من هذا التناوب تضليلُ الشعوب المعنية وبَعثرة الأوراق حتى تنطلي الحيلة و يتحقق الهدف؟

إنّ مربط الفرس في هذا السباق الجهنمي بالنسبة لنا هو دون شك مستقبل تونس ومستقبل المنطقة. ويهمنا من باب أولى أن نعرف ما إذا كان التاريخ سيعيد نفسه، ما إذا سترضخ تونس وليبيا ثم الجزائر للضغوطات التي تحاصرها من كل الجهات - بما فيها الجهة "السياحية" (سخرية الأقدار) وذلك بعنوان ما يُدعى بـ"حروب الموجة الرابعة" أو "الحروب الناعمة" أو "الحروب بالوكالة". لا أعتقد أنّ الاستنساخ التاريخي سيحصل، وذلك لعدة أسباب سنلخصها في العنصر التالي:

إنّ التونسي - والجزائري والليبي - اليوم يتمتع بشيء من التفوّق على جَدّه الذي عاش في القرن 19، قرن الاستعمار. ويبرز تفوّقه في أنه يعيش في عصر موسوم بتحولات في مجال الابستيمولوجيا، من بين أصناف أخرى من التحولات. وهذا مما يرشح المجتمع التونسي و المغاربي بأن يستخدما ما جدّ من الوسائل ليحُولا دون معاودة التاريخ لنفسه (نظريات الفيزياء الكمية، والنسبية، والقطع مع الحتمية النيُوتُنية كنماذج لهذه الوسائل). فليس التاريخ هو الذي يريد أن يعيد نفسه بسبب قانون حتميّ يتضمنه، وإنما مَن يتحكمون بالتاريخ في العالم اليوم هُم الذين يريدون أن يعاد التاريخ بشأننا. مهما يكن من أمر، يبقى استخدام المغاربيين والعرب والمسلمين كافة للآليات الجديدة من أجل اختيار السبيل التي يشاءونها مهمّة عويصة تستوجب فهمًا مستداما للواقع ودُربة عالية ونفسا طويلا، وهي عوامل غير متوفرة للتوّ.

مع ذلك لا ينبغي أن يبقى التونسيون مكتوفيّ الأيدي قبل أن ينضج الوعي التاريخي لديهم ويحين زمن قطف فوائده. في الوقت الراهن تحديدا، ليس من الحكمة بمكان أن ينصبَّ مجهود التونسيين في خانة الاختزال، اختزال قضية الإرهاب مثلما كان الشأن إلى حدّ الآن. فهي قضية معقدة جدا، مما يجعلها توحي (لنا) بالاستعصاء وبالتالي بضرورة اختصار مقاومة الإرهاب في المجال الأمني. لكن التعقيد الذي تتصف به هذه القضية لا يتطلب أكثر من تسمية الأسماء بأسمائها. فتوخي الشفافية في التعامل معها لن يعني أنّ المجموعة الوطنية مطالبة بشنّ حرب على بريطانيا ولا على غيرها. فهذا من المضحكات طبعا لأسباب عدّة. على عكس ذلك فالمجموعة الوطنية مطالبة بالذود على البلاد وعلى العباد. والذود لا يُنجز بالحرب من باب أولى وإنما بصواب القرار. لو يَحتكم 11 مليون تونسيا -عبر مَن يمثلونهم أحسن تمثيل إنسانيا وعاطفيا وفكريا وسياسيا - ، لو يَحتكمون إلى قاعدة الشفافية، سوف يكون اتخاذ القرار – على كافة الأصعدة – مبنيّا على أساسات صلبة، أساسات الحقيقة المعرفية التي ستوفرها الشفافية. بهذا الأسلوب، سيكون للبلاد موطأ قدمٍ في عالم الدُّربة على التحوّل. بهذا الأسلوب، ليس فقط سنكون نحن من سيتجنب الإرهاب وإنما سيكون الإرهاب هو الذي سيتجنبنا.







اخر الافلام

.. قرار ترامب بشأن القدس: ما تداعياته؟ | كوادريغا


.. هل ستحول الروبوتات حياتنا إلى جنة؟ | صنع في ألمانيا


.. الطلب على المبرمجين في ألمانيا | صنع في ألمانيا




.. من واشنطن- دلالات الاختلاف بين واشنطن والرياض بملفات المنطقة


.. مقابلة حصرية لـ RT مع وزير الطيران المدني المصري