الحوار المتمدن - موبايل



هل الإسلاميون وحدهم يلعبون لعبة الغرب؟

محمد الحمّار

2015 / 7 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


كلما جَدّ جديد (مُرٌّ وقاتمٌ) في ملف الإرهاب وكلما تمّ التطرق إلى هذه الإشكالية وكلما كان الحديث عن هذه الآفة المقيتة وكلما تساءل الناس عن الجهة أو الجهات المورطة فيها إلا و اتفقت الأغلبية على أنّ الإسلام السياسي بمختلف فروعه (لكن بنسبٍ متفاوتة) يكاد يكون الجهة الوحيدة المسؤولة عنها. إلا أنّ هنالك مؤشرات عديدة تجعلني أقدّر أنّ مثل هذا الموقف، مهما كان صائبا، ليس علميا ولا منطقيا بصفة كلية. وهذا مما يحدو بي إلى افتراض أنّ الأطياف السياسية في تونس، من وطنيين وعروبيين وديمقراطيين وحداثيين وماركسيين واشتراكيين وفرنكوفونيين وغيرهم، مقصّرون تجاه الحساسيات الإسلامية. و يبرز تقصير هذه الأطياف في أنّ أتباعها عادة ما يستنكفون عن مراجعة أنفسهم وبالتالي لا يخطر ببالهم أنّهم بدورهم قد يكونون مورطين في نفس التهمة العالقة بالإسلاميين.

مع هذا- لنكُن واضحين- فإني لا أعتبر ما اتفق حوله الناس أجمعون من تجريمٍ للإسلاميين المتشددين مثل "داعش" و"النصرة" و"القاعدة" بسبب اقترافهم المباشر لأفعالٍ إرهابية، لا أعتبره تقصيرا لا على حساب المجتمع السياسي غير الإسلامي و لا على حساب أية جهة أخرى. كل العالم يعلم أنّ تلك الجهات هي التي تقترف الجرائم الإرهابية، لذا فليست المشكلة أن نتراجع بهذا الشأن أو نعيد النظر فيه، ولكن المشكلة أنّ كل تلكم الحساسيات السياسية والإيديولوجية غير الإسلامية، بل وجُلّ الناس في كل أنحاء العالم – إلا من رحم ربي- عادة ما يتوقفون عند "ويل للمصلين" إزاء إشكالية الإرهاب ولا يتعمقون في لُبّ القضية عسى أن يزيحوا الستار عن اللامقول.

أما الجانب المغيَّب – اللامقول – فعلى الرغم من أنه متصلٌ عضويا بالقضية إلا أنه لا يقتصر على اتهام الإسلاميين بالتورط المباشر أو غير المباشر في الإرهاب وإنما يتطلب إقحامَ عنصرٍ آخر خفيّ ولا يقل خطورة عن عنصر اقتراف الجريمة الإرهابية بل يفوقها خطورة. وهذا العنصر هو معرفة الدور الذي يلعبه الغرب في قضية الإرهاب ومعرفة ما إذا كان يستحق التبرئة أم الإدانة.

بطبيعة الحال، ليس الغرب الذي أشير إليه ذاك الفضاء الرحب الذي عاشت فيه العديد من النخب العربية الإسلامية المعاصرة والذي سبق أن انبهر به المصلحون الأوائل في عصر النهضة العربية وإنما ذاك الغرب الآخر – الخفيّ هو بدوره - الذي اصطلح على تسميته بـ"الغرب الصليبي" أو"الصهيوني" أو"الامبريالي" من بين صفات أخرى؛ ذاك الغرب الآخر الذي كشّر عن أنيابه منذ أن "هُزم" أو بالأحرى ضُرب في الصميم جرّاء الحظر على مبيعات النفط التي فرضه عليه العرَب على إثر الحرب العرَبية الإسرائيلية في سنة 1973. فالغرب له خاصية لا يفقهها إلا الذي خالطهم وهي أنه يفوق الجمَل في حقده على من يمسّ بمصالحه. بناءً على هذا، لا يمكن أن يكون "الجمل" الغربي قد بقي مكتوف الأيدي على إثر المساس بعزة النفس لديه، ولا يمكن أن تكون فترة ما يفوق الـ 40 عاما التي تفصل الزمن الراهن عن حقبة الصفعة النفطية المُوجعة (1973-2015) قد مرّت دون أن تفرز عملية انتقامية ذات حجمٍ أسطوري يضاهي تلك الصفعة ودون أن يكون مَن حاكَها ودبّرها هو بالضبط تلك الكتلة البشرية والحضارية التي كانت في أوج حقبةِ التقدم لمّا أُجبرت على العودة إلى عصر العربات المجرورة بالحصان والدراجات وركوب الدواب في قلب مدن مثل روما ولندن وباريس وأمستردام؛ عصر ما قبل البخار.

في ضوء هذا، تشكلت لديّ قناعة بأنّ توجيه أصابع الاتهام إلى الإسلاميين اليوم في قضية الإرهاب العالمي لا ينبغي أن يعني، لا جملة ولا تفصيلا، أنّ الغرب ليس مصدرا للإرهاب. لنرَ إذن ماذا إذا كان هنالك دعم لهذا الطرح الذي يُدين الغرب وماذا إذا كانت الجهة أو الجهات الداخلية التي لا تأبى إدانته واعيةً بانحرافها.

لنبدأْ بسياقة ملاحظة عامة لكنها جدّ هامة لأنها ترسم الإطار الذي نريده أن يكون واضحا من أول وهلة حتى لا يقع تأويل موضوعنا بأنه تبرير أو تبرئة لطرف دون آخر ممن قد ثبت تورطهم في التخطيط (المباشر) لعمليات إرهابية أو في شنّها. فتقديمنا للغرب - الصهيوني والامبريالي والصليبي- على أنه مصدرٌ مركزي للإرهاب مردُّه استنادنا إلى عديد الوثائق التي صرنا نخجل من إعادة الإحالة عليها وذلك لأننا لاحظنا أنّ بقدر ما يزداد عددها وما تُنشر على المواقع الاجتماعية، ما تسهم للأسف في تهميش الإشكالية. والتهميش فمردّه غياب البناء الفكري السليم على قاعدة تلك الوثائق. لذا فإنّ تشكيل الوعي بضرورة إنجاز البناء السليم أضحى له الأولوية على دعمِ وتوثيقِ حقائقَ باتت أمرا بديهيا. إجمالا، فقط نذكّر بأنه قد تم الكشف عن كثير من الأسرار وما يزال بعضها الآخر قيد التسريب وبصدد الإثراء والتوضيح (تصريحات لشخصيات سياسية و مخابراتية غربية وبحوث ووثائق منشورة ومعروضة على أنظار الخاص والعام ) وأن هذه الأسرار المكشوفة حجةٌ على ضرورة أن يتحمل الغرب المسؤولية الأولى في استشراء ظاهرة الإرهاب القاتلة.

إذن، هذا لا يعني أننا نعتزم تبرئةَ ساحةِ الإسلام السياسي والجهادي بخصوص ضلوعهما في الإرهاب، ولا تفسير الظاهرة الإرهابية بأنها انتقام "مشروع" تتولاّه رموزٌ تنتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية إزاء "الغرب الكافر"، ولا تطبيعا مع الإرهاب، وإنما يعني ذلك أنه لا يمكن التخلص من هذه الآفة فقط باستهداف الظاهر (تورط "داعش" والحركات المتشددة الإسلامية) وتغييب الباطن (الإيديولوجيا الغربية المشينة – المفترضة - بكل فروعها) واجتناب تحميل الأطياف "العلمانية" (في الفضاء العربي الإسلامي) هي الأخرى المسؤولية في ظهور الإرهاب وفي تناميه. ولعله حريّ بنا، في ضوء هذا، أن نخصّ بالذكر وبالدرس فئة العروبيين وذلك لأنهم عادة ما يبَرئون - ضمنيا - الجهات الغربية المتنفذة رغم أنهم يجاهرون بتجريم هذا الطرف الأجنبي القوي والفاعل. فهذا التناقض أمرٌ غريب وخطير يبعث على التفكير والتأمل، مما جعلني لا أرى بُدّا من التوقف عنده.

أولا و بالذات، لماذا العروبيون دون سواهم وكيف أنّ موقفهم غريبٌ وخطيرٌ كما قدّمنا؟ حسب اعتقادي إنّ موقف العروبيين عادة ما يستهين بتوخي الشفافية بخصوص قضية اتهام الغرب من عدمه. ظاهريا، هم الذين كانوا دوما يمثلون الطرف السياسي والإيديولوجي ذا الخطاب الأكثر حرصا من غيره على إبداء روحٍ تنافسية إزاء الغرب إن لم أقل روحا عدائية تاريخية حيال الغرب. ظاهريا أيضا، هم الذين يتألمون مما يجري منذ عقدين ونصف في العراق ومنذ أربعة سنوات في سوريا وفي ليبيا منذ سنة 2011؛ هم الناقمون على المخططات الخارجية وعلى رأسها أعمال الناتو التخريبية (في ليبيا) وعلى العرابين من أمثال الفرنسي برنار هنري ليفي والبريطاني برنارد لويس والأمريكي ماك كاين. طيب، أتفق معهم بشأن كل هذا. لكنني مع ذلك أعجب لكونهم من الناحية العملية، يستبعدون أن يكون الغرب تلك البئر العميقة التي تستجيب للفئات الإسلامية المتشددة المتعطشة للانتقام والتي تلبي رغبتهم في إطفاء عطشهم بدماء الأبرياء؛ يستبعدون أن يكون هذا الغرب حديقةً خلفيةً تزوّد القتلة بمبرراتٍ جهنمية لكي يمارسوا هوايتهم المفضلة و يتسَلوا بقطع الرؤوس، ولكي يتورطوا هُم وتُغض الإبصار والبصائر عن المايسترُو المتآمر. فالإرهابي مثلُه مَثَل الطائرة بلا طيار؛ يفنَى هو ويبقى على قيد الحياة القائد الذي يتحكم بها عن بُعد.

بالإمكان تفسير هذا التضارب العروبي بين القول والفعل بأنه انعكاس للتضارب بين الإيديولوجيا العروبية والوسائل المستخدمة لتحقيق الأهداف المعلنة وأيضا بأنه انعكاس لتبديل الأهداف وزَيغها عن المبادئ بسبب عدم صلاحية الوسائل. بالفعل، لقد أبى الجسم العروبي عبر تاريخه الحديث إلا أن يحاول كل مرة الحصولَ بواسطة العضلات ما كان بالإمكان أن يأخذه بالعقل. لكنه كان في كل مرة يحصد النكسة جرّاء ذلك. أما أبلغ شهادتين على ذلك فهُما على التوالي "حرب الستة أيام" في سنة 1967 بقيادة الزعيم العروبي/القومي جمال عبد الناصر وما آلت إليه من خسارة عُرفت بـ"النكسة" التي قضت على الإيديولوجيا العروبية/القومية الناصرية وقتئذ، و غزو العراق للكويت في صائفة 1990 بقيادة الزعيم العروبي/القومي/البعثي صدام حسين وما انجرّ عنه من إهانة سُميت "عملية عاصفة الصحراء" أو "حرب الخليج الثانية" والتي شنها (في مطلع سنة 1991) تحالف متكوّن من قرابة 30 بلدا على العراق و انتهت بشلّ النظام العروبي/البعثي في هذا القُطر آنذاك والعودة ببلاد الرافدين إلى العصر ما قبل الصناعي (مثلما عاد الغرب إلى عصرٍ مشابهٍ جراء الحظر النفطي العربي – الذي ساهم فيه العراق - قبل 18 عاما؛ لم يُترَك شيء للصدفة).

هذا الاستنزاف الذاتي للجسم العروبي كان في اعتقادي انطلاقا لعملية اختراقٍ مقصودة لهذا الجسم. والعملية ما تزال سارية المفعول إلى اليوم في المجتمعات العربية (وبنسبة أقل المجتمعات الإسلامية غير العربية) وهذه الأخيرة تعاني من تداعياتها الخطيرة. ومن بين الخدع التي استخدمها الغرب الانتقامي بعد إضعافه للعرب وكسرهِ لشوكتهم (العراق نموذجا) والتي حاكها بفضل حسٍّ مخابراتي شيطاني أنه استغل ميل العرب إلى العنف وتبجيلهم للغةِ العضلات على لغة العقل. عمَد الغرب الحقود إلى امتصاص الغضب العربي وذلك بخندقته في المجرى المناسب له، ألا وهو المجرى الذي يتغذى من الغضب ليُفرزَ عنفا. ولم يجد المايسترُو الصليبي المتخفي مجرًى أفضل مما كان متوفرا تحت اسم "الإخوان المسلمين" والذي سيتطوّر عبر العقود ليصبح "الإسلام السياسي" برافديه الأهم "الإسلام العلمي" و "الإسلام الجهادي". فكان ذلك توقيعا على شهادة ميلاد الإرهاب تحت يافطة إسلامية.

فإذا أردنا تحيين التعريف بالإرهاب نقول إنه اغتصابٌ للعقل العربي من طرف الآخر المهيمن مع تضخيم القدرة العربية الأسطورية على اقتراف العنف في ما لا يستحق عنفا ومع ضخّ المحصول الحاصل من العنف اللاعقلاني بشُحنةٍ مُتأدينةٍ حتى تنطلي على الجميع – المعتدي والمعتدَى عليه- على أنها دينية إسلامية.

وها أنّ العرب اليوم قد بلغوا ربما آخر النفق في ممارسة العقاب الذاتي الذي فرضه عليهم الغرب الانتقامي بواسطة وسائل العصر (التقنيات المخابراتية). والدليل على بلوغ المجتمعات العربية ذروة الرسوب هو استنفاذها للكفاءة الذاتية في مجال رسم الرؤى المستقبلية وفي مجال تحديدِ سبلِ النضال من أجل البقاء ومن ثَم من أجل الارتقاء الاجتماعي والإشعاع الثقافي والإسهام من جديد في تحضّر العالم. فهل سيبقى العرب جاثمين لمدة أطول في هذا المستنقع، ومع هذا سيبقون عربا، أم أنهم سيغيرون ما بأنفسهم حتى يغيّر الله ما بهم فيبقوا عربا؟

كما أنه إذا أردنا تحيين تعريف العروبيين في ضوء ما سبق، ومن أجل أن يكونوا عربا لا غير(لا عروبيين)، سنقول إنهم عربٌ كان – ولا يزال - ينخُرهم الحنين إلى روحٍ عدائية في التعامل مع القضايا الحارقة فاستمالتهم الوسائل الحديثة التي استعملها الآخر ليستغلّ هذا الضعف الكامنَ فيهم وذلك بشكلٍ جعلهم يرضخون لسياط العذاب المتأتية من الخارج وحتى لممارسة العذاب على أنفسهم.

للأسف لا يزال العروبيون يمثلون طيفا إيديولوجيا مارقا له من الذنوب ما يفوق ذنوب الإسلاميين. فالإسلاميون حجتهم معهم بخصوص عدم وضوح موقفهم تجاه الغرب (كما أنّ الفرنكوفونيين واضحون أيضا حين يشهرون ميلهم إلى الثقافة الفرنسية ويشتهون استبدالها مكان العروبة). ولئن يجوز القول إنّ الإسلاميين متعودون على تقبل الاتهامات بالتورط في الإرهاب أو بالتسامح معه وإنهم لم يقدروا على الدفاع عن أنفسهم بتقديم الغرب في ملابس الصانع الحقيقي للإرهاب، ولئن لم يكونوا ممن صرخوا دفاعا عن احتلال أمريكا وإيران للعراق وتنديدا بزرع الغرب للفتنة وإشعال نار الحرب الأهلية في سوريا واستنكارا لضرب الناتو لليبيا، فإن العروبيين صرخوا ونددوا واستنكروا، وادعوا – وما زالوا يدّعون- ما لم يدّعيه الإسلاميون، يدّعون أنهم في منافسة مع غربٍ "امبريالي ومغتصب للأقطار العربية" وغربٍ "مؤسسٍ للربيع العبري" لكنهم مع هذا لا يفعلون شيئا يبرهن على أنهم من أصحاب هذا الموقف؛ لا يؤسسون فكرا له مواصفات تدلّ على أنّ موقفهم واقرٌ في القلب بشكلٍ يمكّنهم من تنفيذ ما يتردد على ألسنتهم.

ها أنّ العروبيين إذن متساوون مع الإسلاميين في ضبابية الرؤية وفي توخي ازدواجية التفكير والخطاب. وبالتالي أعتقد أنّ الوقت قد حان لأن يُرفع اللوم عن الإسلاميين كي يتحوّلوا إلى طرف مُهيأ لخوض غمار حراكٍ اجتماعي وحضاري على قاعدة فَهمٍ سليم للواقع ولطبيعة الصراعات مع الخارج. لكنّ هذا يتوقف على إدراك العرب – مسلمين وغير مسلمين – أنّ من واجبهم اليوم استرداد القدرة العقلانية المسلوبة وأنّ هذا مما يستوجب إحقاق الحق وذلك بالتفطن ثم بالتصدي لتورّط الغرب في صناعة الإرهاب وفي تأليبه للجسم العربي الإسلامي على نفسه.

بتغيّر العروبيين على هذا النحو المنشود والذي من شأنه أن يقلص الضغط على الإسلاميين إن لم نقل ينهيه تماما سوف يتوفر المناخ الطبيعي لتوقيع الطرفين على ميثاقِ وحدةٍ منهجية. عندئذ ستكون وحدة مأمولةً بين العروبة والإسلام لا غير، لا بين عروبيين وإسلاميين، مما سيشكّل في مرحلة موالية عاملا يسهل إدماج سائر الأطياف السياسية حتى تتجمع الأفكار المشتركة تحت مظلة فكرية وسياسية واحدة لكنها عريضة وقابلة للتوسيع. هذا الاندماج وما سيُثمره مِن تشاركٍ وإعادة توزيعٍ للأوراق السياسية على أساسات صلبة ليس مستحيلا. إنه رهنٌ بإزالة العائق الذي ينتصب على طريق الوحدة؛ رهنٌ بالقضاء على تعاكس الغايات (بين عروبيين وإسلاميين) الناجم عن الضعف الذاتي من جهة وعن انسياق الطيفين الاثنين من الجهة الثانية، كلٌّ على طريقته، إلى المؤامرة الأجنبية وبالتالي إلى لعب لعبة الغرب؛ رهنٌ بتصحيح الفهم الضبابي للواقع وللإشكاليات الحارقة وهو الذي يتسبب إلى اليوم في تشرذم الفكر السياسي العام وفي تكلسه وجموده، وفي إرباك الخارطة السياسية.

بعد تخلص كلا الطيفين الحاليين من التخندق الإيديولوجي ضمن واحد "عروبي" وآخر "إسلامي"، وبعد التطهير الذاتي الذي سيُعيد لمفهومَي "عربي" و"مسلم" بريقهما كمكَوّنين متداخلَين قلّما يتباينان أو يتضاربان أو يتعاكسان أو يتناقضان (الغرب الانتقامي قد لعب على هذه الميزة فحاول تفكيك المفهومين في إطار خطط انتقامه التي وصفنا جانبا منها أعلاه، ونجح في ذلك إلى حدٍّ ما)، بإمكان العربية الإسلامية المستقبلية أن تلعب دورا يشمل جميع الأطياف وذلك حسب قاعدة "إذا غاب السبب بطل العجب".

في باب ضرورةِ "غياب السبب" نخلص إلى التشديد على أنّ لا سلبية الإسلاميين من جهة ولا تورطهم في بعض الأعمال العنيفة من جهة ثانية، ولا إيجابية وتحمس العروبيين، ولا صمت الإسلاميين أمام المؤامرات التي تحاك في الشرق الأوسط والمغرب العربي من أجل بناء "الشرق الأوسط الجديد"، ولا صراخ و تنديد واستنكار العروبيين كان نافعا في عملية تَشكّل وعي عربي إسلامي مأمول. لم يؤدّ ذلك إلا إلى استلاب الرافد العربي للشخصية وكذلك الرافد الديني لنفس الشخصية، استلابهما للغرب الكولونيالي ولسياساته حتى أضحى الإنسان في المجتمع العربي الإسلامي كائنا هجينا، مزدوج الشخصية، يتخذ نفس المواقف التي يتخذها الغرب الانتقامي من القضايا الحارقة على غرار القضية العراقية والقضية السورية وحتى القضية الفلسطينية بالإضافة قضية الحال – الإرهاب.

أمّا في باب "إبطال العجب" نؤكد مرة أخرى على أنّ المجتمع بحاجة إلى تأسيس عقيدة دنيوية متكاملة ومتسقة مع عقيدته الدينية. ويتمثل تكاملها في قدرتها على دفع أصحابها للتحرك التربوي والسياسي والحقوقي والاجتماعي والدبلوماسي البنّاء والمشترك، مما يمنع المواقف السياسية للبلاد من أن تكون متذبذبة أو متعاكسة مع بعضها بعضا أو فوضوية أو مستجيبة (بصفة "عجيبة") لنداءات الواجب الذي يفرضه الآخر(الغرب نموذجا لهذا الآخر).

لقد تبيّن أيضا أنه لا ينفع الإبقاء على الفصل بين المُكوّنَين "العربي" و"المسلم"، مما يسمح بصياغة منهجٍ نضالي موحَّد يسهّل بناء المواقف على قاعدة الحقائق لا على قاعدة الإيديولوجيا المفرّقة. حينئذ، سوف يرتقي أيّ اتهامٍ (للغرب أو لغيره) من مستوى التأرجح بين التقية (الإسلامية) والصراخ والاستنكار والتنديد والشجب (العروبي) إلى مستوى التظلم ثم إلى مستوى طلب الحق. و ما صفةُ الغرب الانتقامي كمصنعٍ للإرهاب إلا إحدى الحقائق التي لا ينبغي أن تبقى خارجة عن الوعي العربي الإسلامي الموحَّد.

في نهاية المطاف، ستكون الفائدة الأولى من سنّ ميثاقٍ وحدوي بين المُكوّن العربي arabe لا arabiste من ناحية أولى، والمُكوّن الإسلامي islamique لا islamiste من ناحية ثانية هي استدراجُ واستقطابُ كافة الحساسيات في المجتمع الواحد حتى يبلغ هذا الأخير بأكمله أرضيةً فكرية وسياسية مشتركة، أو طريقةَ للتفكير الجماعي كضمانة لدرء الانحرافات والمزايدات وبالتالي لتوحيد الصفوف في إطار العمل النضالي الحضاري.







اخر الافلام

.. كلمة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد بعد قسم الحكومة الجديدة 12


.. كلمة سمو رئيس الوزراء الشيخ جابر المبارك بعد قسم الحكومة الج


.. هل تعرف أن هناك من لا يستطيع أن يتخيل؟




.. مواجهات عنيفة لليوم السادس في الأراضي الفلسطينية


.. رجل يخاطر بحياته لإنقاذ أرنب من النيران