الحوار المتمدن - موبايل



عزلة الفيلسوف

الحسن علاج

2015 / 9 / 20
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


عزلة الفيلســــــوف
مارسيل كونشيه
ترجمة : الحسن علاج
ليست عزلة الفيلسوف هي العزلة الوجدانية لذلك الذي ، حتى وإن كان يتمتع بكل سمات الاعتراف الاجتماعي ، ما كان يدرك ، لم يعد المرء مدركا ، أنه ذائع الصيت ومفهوم في كينونته الأكثر حميمية ، والتي جعلت من مونتاني Montaigne) ( يصرخ : " أوه ! صديق ! " يمكن مقارنتها بعزلة الفنان ، فإن لم تكن ذلك فهي عزلة فكرية .
يمكن للفيلسوف أن يكون له أصدقاء ، أصدقاء كثر ، يعيش ، مثل أبيقور ، بين ظهراني أصدقائه . إنه لا يكون في ذلك وحيدا باعتباره فيلسوفا ، لأن ذلك ينتمي إلى طبيعة الفلسفة ذاتها . إن فلسفة ما هي أثر لواحد : يتم الحديث عن فلسفة " أفلاطون " ـ أفلاطون وحده ـ ، " ديكارت " ـ ديكارت وحده . لن يقال بأن الميكانيكا الكمية هي أثر هيزنبرغ Heisenberg) (وحده . كان هيزنبرغ سيقول العكس . ألم يكتب في بداية كتابه ، Der Teil und das ganze) (: " إنها نقاشات تشكل مادة هذا الكتاب . هدفه هو جعل القارئ يدرك كيف أن العلوم تبتكر أثناء النقاش . "
لنتخيل ديكارت وهو يكتب " خطاب منهجـ"ـه بعد أن ناقشه مع هذا أو ذاك ؟ إن ذلك على العكس تماما . لما كنت متواجدا بألمانيا ، " لم أجر ، قال ، أي محادثة ، تلهيني " ثم " إني بقيت طيلة النهار وحيدا في موقد [ غرفة تتم تدفئتها بواسطة موقد ] ، حيث كان لي متسع من الوقت للتأمل في أفكاري . " لم يرضيه أن يكون من طينة أولئك الذين لا يشتغلون " سوى " على أعمال الغير " . فبلجوئه إلى عقله الخاص ، هو ما جعله يقوم بتطوير منهج لتقديم حل لكل القضايا التي تطرحها النفس البشرية . إن فلسفته ستصبح هي عمله ، كما هو الشأن بالنسبة لدستور إسبارطة الذي شكل عمل ليكورغوس Lycurgue) ( وحده .
تصدر عزلة الفيلسوف عن اختياره الذي هو اختيار العقل ؛ ولهذا السبب ، فإنه يجد نفسه مفصولا عن كل ما يصدر عن البشر ، الذين يتم تحريضهم وقيادتهم بواسطة قيم القطيع ، كما قال نيتشه ، والأوامر الجمعية . إن تربية ذات طبيعة تقليدية ، غير عقلانية ، تجعل منهم أناسا جمعيين ، في منتصف طريق ما هو فريد وكوني ؛ فهي تجعل من البعض مسيحيين ، ومن البعض الآخر مسلمين أو بوذيين ، إلخ ؛ لكن أين هي الحقيقة ؟ إنه السؤال الذي يميز الفيلسوف . لأنه فريد ، وكونه قطع مع المعتقدات والآراء الجاهزة ، فهو يظل منفتحا على الكوني .
بعيدا عن الرجال . تمثل إلهة بارمنيدس معرفة الحقيقة الكلية ؛ فهي تتوجه إلى شاب ألزم نفسه بالسير في دروب المعرفة 1 :
" أيها الشاب [...] ابتهج ، بما أنه لم يكن ثمة مصير مهلك هو الذي أرسل بك كي تجوب ذلك الطريق ـ لأنه ، بالتأكيد ، طريق يوجد بعيدا عن الرجال ـ ، لكن القانون والعدالة . عليك بالاطلاع ، في نفس الوقت ، على كل شيء : على القلب بدون تغيير للحقيقة المقنعة ، وعلى آراء الموتى حيث لا وجود ليقين حقيقي . "
إن الطريق الذي يسلكه الفيلسوف يوجد " بعيدا عن الناس " ، بمعنى المدن التي يقيمون فيها ، [بعيدا] عن عاداتهم ، أخلاق وقوانين خاصة ، لأن الحقيقة بخصوص كل الواقع لن تمتزج مع المعتقدات والآراء التي يتم اقتسامها جماعيا .
إن ما يحمله الفيلسوف إلى الناس هو ، كما يقول هيراقليطس ، الحقيقة alétheia) ( ، التي تعتبر خالدة ( أكتب هذا السطر ذاته : سيكون الأمر على الدوام صحيحا كتابة هذا السطر ذاته ) . على أنه " بخصوص خطابه logos) (الذي هو دائما على صواب ، يظل الناس يفتقدون إلى العقل ، قبل الإنصات إليه مثلما في اليوم الذي أصاخوا فيه السمع إليه . 2 " إن الحقيقة الفلسفية غير قادرة على كسر قيد المعتقدات التي يكون فيها عقل الناس ـ أولئك الذين يطلق عليهم " الغالبية العظمى " oi polloi) (ـ كما لو أنه مغلول : " بلا عقل حينما ينصتون ، صما يشبهون ؛ وحضورهم كغيابهم . 3 "
كل شيء يحدث كما لو أن الفيلسوف لم يقل شيئا . يظل خطابه والحقيقة في ظل نوع من العزلة . فإذا كان الفيلسوف ، والحالة هذه ، يصطدم ، من قبل الغالبية العظمى ، باللافهم ، وأيضا بالعدوانية : " تنبح الكلاب عمن لا تعرفهم . 4 " هناك فلاسفة ، مثل أنغساغوراس ، تم نفيهم ، البعض مثل بويس Boéce) ( ماتوا في السجن ؛ وآخرون أحرقوا أحياء ؛ وتجرع أحدهم سم الشوكران cigue) (. بقي الفيلسوف ، أن يعيش مجهولا ، مثل نيتشه ، أو " مختفيا " ، كما أوصى بذلك أبيقور lathe biosas) : عش متخفيا ، اعمل عل نسيان نفسك ) ـ مستفيدا من درس سقراط . تعيد السلطة السياسية الحق إلى الفيلسوف ، بحسب أفلاطون . إن الغالبية العظمى ، هم بالفعل ، من تمتلك السلطة . يظل الفيلسوف ، في الديموقراطية ، رهينة للغالبية العظمى ، في حين أنه ، تبعا لعبارة هيراقليطس : " واحد : عشرة آلاف ، إن كان هو الأفضل " 5 . أمام السلطة السياسية ، لا يكون الرجل الحر هو الأقوى . ينصح الأبيقوري لوكريس بألا يعرض المرء نفسه للخطر بل يجعل رأسه تنتحي و " أن يطيع سلميا 6 " . ينبغي فهم الغالبية العظمى . كل جماعة تفترض خضوعا للأفكار والسلوكات إلى نموذج وإلى امتثالية ، بيد أن الفيلسوف يمثل الرفض المطلق . إنه يشكل تهديدا لتماسك الجماعة ، لأنه بذلك يعرض كل يقين للخطر ( مثلا ، في الوسط الإسلامي ، فإنه سيشكك في وجود الله ) ـ وكيف ؟ ببساطة عبر طرح سؤال ، سؤاله : هل هذا صحيح ؟ هل في ذلك شيء من الحقيقة ؟
الحقيقة أو السعادة . ما هي الحقيقة ؟ إن زوج " قانون وعدالة " thémis – diké) (، يعني في قصيدة بارمنيدس ، أن الفيلسوف يتم وضعه تحت سيادة القانون والعدالة وهما لم يعودا من خاصة الجماعة ، إنهما يمتلكان خاصية كونية . تعني [عبارتا ] thémis) (و diké) ( لدى هوميروس النظام ، [انكشاف ] التناسق العميق للواقع . إن كل فيلسوف ( جدير بهذا الاسم ) يحدثنا عن الواقع في مجموعه ( سواء ، مثل ديكارت ، علميا ، أو مثل نيتشه ، شعريا ) . فما الذي يقوم الإنسان ، والحال أن ، بفعله مع الواقع في مجموعه ؟ الفلاح ، التاجر ، المستخدم ، الموظف ، الجندي [كلهم] يهتمون بما ينفعهم من أجزاء الواقع الدقيقة : الوقت الذي يستغرقه ، وضع السوق ، التقنينات ، الأجور ، الترقيات ، إلخ . كل واحد يعيش في فقاعته . له همومه ، تعاساته . وبالرغم من تعاساته ، فإنه يرغب في أن يكون سعيدا ولا يرغب سوى في أن يكون سعيدا " ، يقول باسكال . إن ال" إنسان الفاني " ، الذي أتحدث عنه ، لا يعتقد وللحظة أن الفلسفة بإمكانها أن تسهم فيما ينفعه : السعادة . حيث يكون على الصواب تماما . فلماذا نجد أن معرفة الحقيقة ، التي يحملها الفيلسوف توجد على نفس الدرجة مع السعادة ؟ ألم يكن الأصح هو أن المعاناة تتلاءم مع فقدان أوهامه ؟ ( فإذا تم التوقف عن الاعتقاد في امتلاك روح خالدة ، هل سيكون المرء سعيدا ؟ ) ليست الفلسفة هي البحث عن السعادة . أولا ، لماذا كان الفيلسوف يجد في البحث عن السعادة ، بما أنه يمتلكها ؟ تمكن ديكارت من الاشتغال على أفكاره كي يطور منهجه لأنه لم تكن لديه أي انشغالات [هموم] ، ولا أهواء تشغل باله " . إذن فقد كان سعيدا . الفلسفة هي ترف السعداء . فإذا ما كان الأمر يتعلق الآن بال" سعادة الكبرى " ، فهي لن تهب نفسها ، كما يشهد موباسان على ذلك ، إلا بتقبيل تلك التي نحب إذا ما كانت هي تحبنا ولا تتظاهر بذلك ، أو حتى ما إذا كانت تتظاهر بذلك ( كيف معرفة ذلك ؟ ) . إن هذا لا يمت إلى الفلسفة بصلة .
لن تقوم للفلسفة قائمة بدون تفكير ؛ ثم إن التفكير لن يفضي بالضرورة إلى السعادة . العكس هو ما يكون غالبا . فالفيلسوف الذي لا يريد سوى الحقيقة ، يكون قد صمم على أن يدفع ثمنا باهضا من المعاناة ـ لأنه يشعر بأنه مفصول عن الآخرين ، حتى وإن كانوا " يفتقدون إلى العقل " ، فإن ذلك يعتبر معاناة . يعتقد كل من أبيقور ، وسبينوزا بتوصلهما إلى (ال) حقيقة . لقد بات يعرف في الوقت الراهن أن الفلسفة ـ الميتافيزيقا ـ ليست علما ( لا توجد في الميتافيزيقا براهين ، بل حجج فقط ) ، بحيث أن الفيلسوف لن يتوصل سوى إلى حقيقت(ـه) . ففي الحالتين ، تظل الفلسفة بدون ضوضاء ، فيما وراء دائرة التلاميذ . تكون طائفة الفلاسفة مفتوحة في وجه الجميع في القانون ( لأن الحقيقة التي يتم اقتراحها تكون ذات معنى كوني ) ، وليس في الواقع . يظل الأبيقوريون فيما بينهم ، في حديقتهـ(ـم) " ، حيث لهم عزلتهم .
ها هو ثناء لوكريس على أبيقور 7 :
" أنت ، يا أبت ، هو مكتشف الحقيقة : أنت من زودنا بالدروس الأبوية ؛ ففي كتبك ، أيها المعلم الممجد ، ومثل النحل الذي يسعى ، في كل مكان ، إلى المروج المزهرة ، كي يجمع مؤونته ، نستفيد نحن أيضا من تلك الأقوال الذهبية ، الأكثر جدارة والتي لم تكن على الإطلاق [منتمية] إلى الحياة الأبدية . "
نزاع المدارس . عرف أبيقور عزلة ذلك الذي اكتشف الحقيقة . فقد انفصل عن حشد البشر الذين يعتقدون بأن الآلهة منشغلة بالإنسان ، وأنه ينبغي الخوف من الموت ثم إن الرغبة لا نهاية لها . وحالما أصبح له أتباع وأن الحقيقة تقتسم ، فإن فكره أصبح " مشتركا " ، كما قال نيتشه . وهذا هو التناقض . فالحقيقة ، في القانون العالمي ، لا يسهم فيها إلا البعض . لن يظل أبيقور وحيدا ؛ والأبيقوريون كذلك . وعلى ذات الشاكلة ، الأفلاطونيون ، الفيثاغوريون ، الرواقيون ، الشكيون ، إلخ . انقسمت الفلسفة إلى مدارس ، دوائر ، أكاديميات . في حين أن العلماء كانوا يجدون على الدوام وسيلة للتفاهم ( كي يتجنبوا ، لهذا كله ، التفلسف ) ، مع الفلاسفة من " ملل " مختلفة ( عبارة hairesis) ، تعني عند الإغريق " مدرسة " ) ، ليست هناك أي مصالحة ممكنة : بين أفلاطون وديموقريطس ، هناك اللافهم ؛ ونفس الشيء بين أرسطو وأبيقور ، زينون وأبيقور ، كريزيب Chrysippe) (وأرسيزيلاس Arcésilas) (، ديكارت وغاساندي Gassendi) (، مالبرانش وسبينوزا ، كانط وفيخته ، إلخ . في الوقت الراهن ، [نجد أن ] الفلاسفة المؤيدين لموقف ذي حد أدنى في الفلسفة ، والذين يفضلون المقاربة التحليلية واللسانية للقضايا ، يعترضون أكثر على الفلسفات ذات الطبيعة المتعالية ( كانط ، هوسرل ) من [اعتراضهم ] على فلسفات الكلية والمطلق ( أفلاطون ، هيجل ) ، ناسين بأن الفلسفة " البحث عن الحقيقة " (ديكارت ) ثم إن " الحقيقة هي الكل " ( هيجل ) . كل فيلسوف يوجد في فقاعته ، سواء أكان وحيدا ( نيتشه ) ، أم مع آخرين ـ عزلة للجميع . لا وجود لدواء شاف لهذا ، بما أن لا أحد كان بمقدوره معرفة ما معنى الموت أبدا ، حيث أنه يكون دائما بالإمكان صياغة هذه الفرضية أو تلك بقانون شرعي .
ــــ
1 ـ بارمنيدس ، قصيدة شعرية ، أبيات 26 ـ 50 ، دار نشر Puf.
2 ـ هيراقليطس ، شذرة 1 ، دار نشر Diels – Kranz .
3 ـ نفس المرجع ، شذرة 34 .
4 ـ نفسه ، شذرة 97 .
5 ـ نفسه ، شذرة 97 .
6 ـ لوكريس ، parere quietum , De natura rerun , 5 , 1129 , ترجمة : أرنوت كوريجيه .
7 ـ نفسه ، 3 ، 9 ـ 13 ، ترجمة : إرنوت كوريجيه .
مصدر النص : Le Magazine Littéraire ) ( أوكتوبر ـ نوفمبر 2007 ، عدد ممتاز رقم 12 .







اخر الافلام

.. بي_بي_سي_ترندينغ: لاعب كرة عراقي في صفوف المنتخب القطري يواج


.. بي_بي_سي_ترندينغ: -بصقت على وجهي وقالت لي يا أسود-.. اعتداء


.. بي_بي_سي_ترندينغ: فيديو| طفلة عمرها عامان ترفع يديها وتسلم ن




.. ميركل: نعمل لتشكيل جيش أوروبي مع فرنسا


.. شاهد.. إسرائيل تختبر منظومة مضادة للصواريخ الباليستية -حيتس