الحوار المتمدن - موبايل



عوالم الانسان الحي

ساطع هاشم

2016 / 1 / 16
العولمة وتطورات العالم المعاصر


اليك الصورة التقريبية للعوالم الثلاث الاساسية التي يعيش بها انسان اليوم , او كما رسمها ويتخيلها ويعتقد بها الانسان المتحضر او انسان العصر العلمي الالكتروني والتكنلوجي بشكل عام , وحول هذه العوالم الكبرى وقوانين عملها المختلفة والمتناقضة تنسج الاساطير والحكايات الجديدة , وتقام النصب والتماثيل وطقوس العبادات والخرافات في الرقص والفن والاغاني والصور , وتقاد حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , وتتوحد عشرات او مئات من العوالم الصغرى الاخرى بينها والتي نعرفها ولانعرفها , لتشهد على موتنا وميلادنا كل ساعة .
تخيل نفسك في سفينة طافية في المحيط مع مجموعة من الركاب الذين تعرفهم والذين لاتعرفهم , ما الذي ستراه هناك ؟ غير سطح المياه ووجه الافق حولك من جميع الاتجاهات , وفوقك العالم اللامتناهي بالكبر بشموسه ومجراته ونجومه , وهذا هو الذي تبحث فيه النظرية النسبية
اما تحتك فعالم اخر لامتناهي بالصغر , مليء بالجراثيم غير المرئية واسرار العالم السفلي من ملائكة وشياطين البكتيريا والاميبيا والطحالب وعالم لاينتهي من ذرات الهيدروجين والاوكسجين اللذان يشكلان جوهر تركيب هذا الماء الذي تطفو سفينتك عليه وهذا اللامتناهي في الصغر هو ماتبحث فيه فيزياء الكم
اما السفينة في هذا المثال فهي عالم الحياة اليومية والتجربة المرئية والانية التي نحياها كل ليلة وكل يوم , فنحن اذن محكومين بتأثيرات تلك العوالم الكبرى والصغرى فوق وتحت سفينتنا شئنا ام ابينا , وهذا يعني باننا كمخلوقات جسدية في هذه السفينة / او العالم اليومي نحيا بالضبط وسط اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر , وبينهما نعيش عَبدة لقوانين نيوتن الفيزيائية او مايسمى بقوانين العلم الكلاسيكي , فاية حركة تقوم بها قياما او قعودا مثلا فانك تقوم بفعل يتطلب رد فعل يعني بلغة الفيزياء وجود قوة لدوران الكتلة , اي انك تشعر وترى وتلمس الاشياء حولك تبعا لتلك القوانين , وفي سبيل الايضاح اكثر هذه هي باختصار قوانين نيوتن الشهيرة التي نعيش بموجبها كما تعلمناها في المدارس الثانوية :
الجسم الساكن يبقى ساكنا والمتحرك يبقى متحركا مالم تؤثر عليهما قوة خارجية تغير هذه الحالة
تتناسب حركة الجسم طرديا مع محصلة القوى المؤثرة عليه وعكسيا مع كتلة الجسم
لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه
كل جسمين في الكون يتجاذبان بقوة تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيا مع مربع البعد بين مركزيهما
تجذب الارض الاجسام بقوة نحو مركزها وتجذب الاجسام الارض نحو مراكزها
وقد كانت تكنلوجيا الثورة الصناعية الاولى في القرن التاسع عشر قد قامت وتأسست بهذه القوانين , فمثلا ما كان يقال كمفهوم او نظرية بان جميع الاجزاء المتحركة في الالات لها حجم وحركة , يعني ان جاذبية الارض تعطي الاشياء مايطلق عليه وزنها , قد قاد الى اختراعات نافعة عديدة , وهكذا بفضل هذه التطبيقات العملية لقوانين نيوتن ومايشابهها في عموم العلم الكلاسيكي ونجاحها في الحياة العملية فقد اصبح التفكير النظري يقول بان المحك الحقيقي لقيمة اية نظرية هو مايمكن ان ينتج فوائد عملية من خلال نتائجها وتطبيقاتها , وحين تواجه النظرية معضلة لاتتمكن من تفسيرها يحين الوقت للتخلي عنها والبحث عن بديل , وهذا المبدأ العلمي في البحث الدائم عن بديل افضل واصلح الذي اخترعته الثورة الصناعية قد تسرب الى العلوم الاجتماعية والسياسية والفلسفية والفنون الجميلة التي رافقت هذه الثورة ايضا واصبح تقليدا ساريا بقوة فيها وفي كل مناحي الحياة الفكرية المعاصرة , وقد انعكس بوضوح في مناهج الكثير من ايديولوجيات وفلسفات الاوربين في تلك الفترة سواءا المثالية منها او المادية
غير ان النتائج المذهلة لنظريات فيزياء الكم في القرن العشرين المتقلبة والمتجددة على حياتنا المعيشية من الات واجهزة ومفاهيم غريبة قد رسخت هذا المبدأ واحدثت في نفس الوقت شرخا هائلا في كل معارف واستنتاجات الثورة الصناعية الاولى والثانية في القرن التاسع عشر وما امن به الانسان طوال تاريخه وحتى ذلك الحين من طرق ووسائل استنتاج , بسبب كون تحليلاتها غير متطابقة مع حياتنا المرئية اليومية او قل مع تصورنا للعالم كما تصوره قوانين نيوتن والعلم الكلاسيكي التي نعيش بها , وهنا حصلت المفارقة والتناقض , فالمشكلة في ميكانيكا الكم كما يقال دائما هو ان الكل يعرف كيف يستفيد منها لكن لااحد يدرك (معناها) لااحد يعرفها حتى العلماء انفسهم , وهذا بالضبط عكس مايقال عن العلم الكلاسيكي , او كما قال العالم الامريكي ريتشارد فيمان (1918 – 1988 ) الحائز على جائزة نوبل بالفيزياء : اذا قلت بانك تعرف فيزياء الكم فهذا يعني انك لاتفهم شيئا .
وتتجسد الان بوضوح شديد هذه الشروخ والحيرة في افلاس ونهاية غالبية الافكار والايديلوجيات القائمة على استنتاجات العلم الكلاسيكي السابق على النظرية النسبية وفيزياء الكم واصبحت لغوا لاقيمة له لانسان اليوم , فمثلا ان اراء الفيلسوف الالماني كانت التي شغلت الفكر الاوربي لقرن ونصف من الزمان قد ماتت ولم يبقى منها ومن تاثيرها شيئا الا في كتب تاريخ الفلسفة والمذكرات , بالرغم من ان افكار ونظريات نيوتن التي استند عليها هذا الفيلسوف مازالت صالحة في ميادين خاصة معينة مثل علم الميكانيك , وهذا يعني ان تغير طريقة التفكير النظري في الاشياء عند انسان العصر الصناعي يؤدي الى تغير في طريقة التعامل مع هذه الاشياء او تلك ليس في بلد واحد كما كان سائدا ولكن وبسرعة حول العالم كله لان الاتجاه العالمي للعلم – رياضيات , فيزياء , كيمياء وغيرها هي وحدات عالمية وحدت العالم , وبسبب هذه الوحدة الديناميكية الدولية المتسارعة للعلم الحديث وتكنلوجيته تحدث الزلازل السياسية والاجتماعية باستمرار وبسرعة ايضا في كل مكان بالعالم , دون ان نلحظها او نفهم محركاتها لاننا كما يبدو صرنا وكأننا جزءا من ميكانيكا الكم , فاذا قلت بانك تفهم شيئا مما يدور حولك او في العالم , فهذا يعني انك لاتفهم شيئا على الاطلاق , واصبحنا بالاضافة الى كوننا عبيد قوانين الحياة اليومية او قوانين نيوتن اسرى فيزياء الكم واجهزتها وعلمها , لان العلم الحديث اتخذ لنفسه منهجا في البحث بعيدا عن العالم اليومي للبشر , اقصد الشكل الخارجي الذي نراه ونلمسه , يعني تفسير الظواهر بواسطة القوى الخفية المتحشدة في الكون الواسع , ليس المقصود قوى االله والشيطان الخرافية عابرة القارات , بل قوى الجاذبية والطاقة الكهرومغناطيسة والقوى النووية العظمى والصغرى , عابرة الاكوان , ومع هذا فرغم قوة العلم وتأثيره في العالم الا ان مصيره مهدد باستمرار على يد القوى الخفية الاجتماعية والسياسية الكبرى والتي غالبا ما تحرف اتجاهاته الانسانية في سبيل غايات شيطانية وتفرض الكثير من المؤسسات والشركات على العلماء عدم التدخل بالسياسة او الامتثال سياسيا لاصحاب السلطة .
نحن نعلم بان ظاهرات الطبيعة وكوارثها تحدث من تلقاء نفسها , وغالبا بدون سابق انذار لهذا فمن المستحيل التنبؤ بها وبنتائجها مقدما رغم مايقال عن تقدم العلم ,فهل ما نشهده في عالمنا الذي تعيشه بلاد الشرق الاوسط اليوم شئ طبيعي او واقعي او انه موجود فعلا؟
فربما مايجري ليس الا تأكيد لصحة الفلسفة المثالية التي ظلت تؤكد بان الاشياء الخارجية والاذهان الاخرى والذوات الاخرى غير موجودة , وانه لايوجد يقين بوجود بشر اخرين اصلا , وان كل مانراه ليس الا خداع النظر او الحواس , اي ان الشك في وجود العالم من حيث كونه من خلق الذات ليس الا , وهو المبدا الاساس عند المثاليين ليس خطأ اوهما , كما يدعي الماديون وفروع العلوم المختلفة , لكنه عين الصواب , والا فهل من المعقول ان مايجري في بلادنا من فضائع تعبير عن اشياء حقيقية مادية ليست من نسج الخيال ؟
وهل حقا اخلى الصراع الايديولوجي مكانه في النهاية للعلم ؟ ام اننا نتوهم كل ذلك ؟







اخر الافلام

.. لحظة انقلاب العبارة في الموصل العراقية


.. خفر السواحل الليبي يعلن فقدان 30 مهاجرا على الأقل بعد غرق قا


.. كيف سترد دمشق على تصريحات ترامب حول السيادة على الجولان؟




.. ما المطالب التي سيرفعها الجزائريون في الجمعة الخامسة من الحر


.. الاتحاد الأوروبي ولندن يتفقان على تأجيل خروج بريطانيا -بريكس